تحذير أممي من عنف عرقي عابر للحدود جراء الصراع الإثيوبي (AA)
تابعنا

وأن الوسائل العسكرية هي الخيار الوحيد لحسم المعركة مهما بلغت الكُلفة، لأن الهدف ليس مجرد الاستيلاء على السلطة والانتصار العسكري، لكن الشعور المتنامي للطرفين بضرورة "الاستئصال"، مما أدى إلى بروز اتهامات بالإبادة أو التطهير العرقي مع ارتفاع خطاب الكراهية وتوعد كل طرف بدفن الآخر في التراب إلى الأبد.

وعليه، يتجاوز هذا الصراع مجرد الحرب بين مشروعي "الدولة المركزية" التي يقودها رئيس الوزراء آبي أحمد وحزب الازدهار الحاكم، وإعادة مشروع "الفيدرالية الإثنية" الذي ارتبط باسم الزعيم التاريخي ورئيس الوزراء الأسبق مليس زيناوي. يتجاوز الصراع هذيْن المشروعيْن إلى حرب طاحنة بين القوميات حول أحق الإثنيات بالحكم واحتكار مقاليد السلطة لوراثة الدولة الإثيوبية الحديثة.

إن سيطرة قوات تحرير تيغراي وحليفتها قوات الأورومو على بعض المدن الرئيسية مثل ديسي وكومبليشا وتقدمها نحو العاصمة عبر إقليم أورومو وعفر، ومحاولة قطع الطريق الرئيسي الرابط بين جيبوتي والميناء مع العاصمة أديس أبابا، تؤكد أن تكتيكات حرب العصابات والعقيدة والخبرة القتالية للتيغراي حققت نجاحات وانتصارات عسكرية في وقت وجيز. في المقابل شنّت القوات الفيدرالية هجوماً مضاداً لوقف هذا التقدم واتخذت إجراءات أمنية مشددة بعد إعلان حالة الطوارئ وقادت حملات فاعلة لحشد الشباب إلى ساحات القتال، مما أدى إلى إبطاء تقدم قوات تيغراي نحو العاصمة أديس أبابا والتي لا تزال تبعد حوالي 220 كيلومتر.

وقد أدى ذلك إلى توازن مؤقت في موازين القوة العسكرية، بعد أن استعانت القوات الفيدرالية بتقنيات الطائرات المُسيّرة "درون" لشنّ هجمات على أماكن تجمع قوات تيغراي ومدينة ميكلي عاصمة الإقليم.

تميل كفة التفوق العسكري من ناحية العدة والعتاد إلى القوات الفيدرالية الحكومية، لكن في المقابل تميل كفة العقيدة القتالية والخبرة العسكرية وتكتيكات حرب العصابات إلى قوات تيغراي. كما نجحت قوات تيغراي عبر شبكة من الناشطين والسفراء في السيطرة على الفضاء الدبلوماسي والإعلام الدولي، الذي تتهمه الحكومة بتأجيج الحرب وتزوير الحقائق، كما اتهمت الدول الغربية بخاصة الولايات المتحدة بالانحياز إلى قوات تحرير تيغراي الأمر الذي نفته واشنطن.

ورغم تحميل مجلس حقوق الإنسان جميع الأطراف مسؤولية الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، فإنّ الحكومة الإثيوبية والجيش الإريتري يتحملان القسط الأكبر. بخاصة مع إغلاق ممرات العوْن الإنساني، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، ووجود شبه مجاعة تهدد أكثر من مليون مواطن مع استمرار تدفق اللاجئين والنازحين. وقد حالت روسيا والصين دون صدور إدانات قوية من مجلس الأمن رغم المحاولات المتكررة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

تتردد الولايات المتحدة في فرض عقوبات مباشرة على القيادة السياسية أو على الجيش الإثيوبي، رغم تلويحها المستمر بتفعيل الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس بايدن، ولا شك أن إعلان واشنطن فرض عقوبات على قادة الجيش والمخابرات الإريترية وكذلك علي الحزب الحاكم في أسمرة، قُصِد منه تخويف إثيوبيا وكذلك بدء إجراءات إزالة اسمها من قائمة الدول التي تحظى بامتيازات التجارة التفصيلية مع السوق الأمريكي وفقاً لقانون تعزيز النمو والفرص في إفريقيا "AGOA".

يعود تخوف واشنطن الأساسي إلى أنها لا تزال تأمل في استجابة آبي أحمد لخيارات الحل السلمي التفاوضي، حتى لا يميل نحو روسيا والصين في ظل عودة التنافس الاستراتيجي بين واشنطن وبكين خاصةً في إفريقيا، وهو ما أصبح أحد مرتكزات السياسة الخارجية والأمن القومي في عهد الرئيس بايدن.

لكن كل هذه الإجراءات وتواصل الضغوط الدولية لم تَحْمِل أديس أبابا على التنازل. وازدادت هذه الضغوط مع الجولة الإفريقية لوزير الخارجية الأمريكي بلينكن في الفترة من 15 إلى 20 نوفمبر/تشرين الثاني التي شملت العاصمة الكينية نيروبي، حيث ناقش مع الرئيس الكيني أوهورو كينياتا تطورات الأوضاع في إثيوبيا عقب زيارة كينياتا إلى أديس أبابا قبل يوم واحد من الزيارة.

إن فشل الجهود الدبلوماسية، تؤكد محدودية تأثير الضغوط الدبلوماسية لوقف الحرب، رغم التأكيد المتكرر للإدارة الأمريكية بأن الخيار العسكري ليس حلاً، ولا بد من الوقف الفوري لإطلاق النار والانخراط في تفاوض مباشر دون شروط مسبقة. وحسب المبعوث الأمريكي للقرن الإفريقي فيلتمان فإن مطالب الجانبين قابلة لتأسيس قاعدة جيدة للتفاوض وتغليب الحل السلمي. حيث تشترط جبهة تحرير تيغراي الرفع الفوري للحصار المفروض على الإقليم وإعادة الخدمات وفتح ممرات الغوث الإنساني وخروج القوات الإريترية. في المقابل تطالب الحكومة بالاعتراف بشرعيتها وعودة قوات تحرير تيغراي إلى الإقليم وانسحابها الفوري من إقليمي أورومو وعفر. لكن الأزمة كما وصفتها الإدارة الأمريكية أن كل طرف يظن أنه يمكن تحقيق أهدافه بالقوة العسكرية لا التفاوض السياسي.

إزاء هذا التمترس السياسي وفشل جهود الوساطة الإقليمية والدولية تبرز عدة سيناريوهات: أوضحها انتصار أحد الطرفين عسكرياً، مما يعني استمرار الفوضى والحرب الأهلية، بخاصة إذا نجحت قوات تيغراي والأورومو في الوصول إلى العاصمة أديس أبابا دون اتفاق سياسي شامل. أما انتصار آبي أحمد في هذه الحرب يعني القضاء فعلياً على أقلية التيغراي مما يفتح الباب أمام اتهامات الإبادة والتطهير العرقي.

يُغلِّب بعض المحللين سيناريو الانقلاب الداخلي، أي عزل آبي أحمد بواسطة القوميين الأمهرا الذين يسيطرون على الجيش وأجهزة المخابرات، لكن خطورة هذا السيناريو هو الانقسام العميق والعنيف المتوقع مع قومية الأورومو التي ما يزال بعض قادتها يرزحون في السجون.

السيناريو الثالث: هو بقاء الوضع علي ما هو عليه مع استمرار الحرب واتساع نطاق انتهاكات حقوق الإنسان، وتفشي المجاعة مما يقود إلى التآكل التدريجي لسلطة الدولة مع اتساع نطاق الحرب لتشمل أقاليم أخرى. وسيقود هذا إلى الفوضى الإقليمية ونشاط الحركات الإرهابية وانتشار السلاح وتدفق النازحين واللاجئين، مما يهدد استقرار القرن الإفريقي وتَتابُع انهيار الأنظمة وفق نظرية الدومينو بخاصة في إريتريا وجيبوتي والصومال والسودان. وقد هددت واشنطن بالتدخل عسكرياً إذا أصبح سيناريو الفوضي في الإقليم هو الأرجح.

الخيار الأفضل للمجتمع الدولي هو التوصل إلى وقف إطلاق النار ووقف العدائيات وفق ترتيبات أمنية متفق عليها، ثم التوصل لاتفاق سياسي شامل بين جميع الأطراف. ورغم رفض ومقاومة رئيس الوزراء آبي أحمد هذا السيناريو لقناعته بقدرته على الانتصار في الحرب، فإنه المخرج الوحيد ضد الفوضى وانهيار الدولة الإثيوبية.

ولا شك أن خيار التفاوض والتسوية السياسية رغم جاذبيته فإنه لا يخلو من كلفة سياسية باهظة، لأن المخرجات المتوقعة ستقضي بالتوسع في مشروع "الفيدرالية الإثنية" إلى "كونفدرالية" فضفاضة تمنح الأقاليم سلطات مستقلة تماماً، وفق هذا السيناريو سيتم تفكيك مركز السلطة وتمتع الأقاليم والقوميات بسلطات غير محدودة في الدفاع والعلاقات الخارجية والاقتصاد والتعليم والاستقلال الثقافي واللغوي مما يهدد بقاء إثيوبيا كياناً قومياً موحداً من جديد.

مهما يكن السيناريو الأرجح وفق المعطيات الراهنة وديناميكيات الصراع الداخلي ودور المجتمع الدولي، فإن إثيوبيا لن تستنسخ تجربتها السياسية السابقة بل ستكون هناك إثيوبيا أخرى مغايرة تماما لتاريخها الحديث منذ عهد منليك وهيلا سيلاسي، وسينتهي حلم آبي أحمد بإعادة تأسيس الامبراطورية والدولة المركزية إلى أقاليم مبعثرة تعتز بهويتها الإثنية والجغرافية أكثر من الهوية الوطنية الإثيوبية القومية الجامعة. لكن لا تزال أمامه فرصة أخيرة بترجيح خيار التسوية السياسية عبر التفاوض السلمي بدلاً من تنكُّب طريق الحرب الذي سيفكك الدولة وينشر الفوضى في الإقليم.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي