الرئيس الأمريكي جو بايدن (Kevin Lamarque/Reuters)

فلن تشكل القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي أولوية في اهتمامات الإدارة الأمريكية الجديدة، لا سيما أنها بحاجة إلى معالجة ملفات أساء الرئيس السابق دونالد ترمب التعامل معها وربما تكون ألحقت أضراراً داخلية وخارجية بالولايات المتحدة.

أولويات وتغيير شكلي

وتقف قضية التصدي لفيروس كورونا في مقدمة أولويات بايدن، تليها مواجهة التطرف والعنصرية اللذين أذكاهما ترمب، وأدَّيا إلى مهاجمة مؤيديه لمبنى الكونجرس. وأما في الاهتمامات الخارجية فتأتي قضيتا التعامل مع الصين وروسيا بزواياهما المختلفة إضافة إلى الملف النووي لإيران فضلاً عن العودة إلى منظمة الصحة العالمية واتفاقية المناخ. وهذا ما أكدته التصريحات الصادرة عن هذه الإدارة وجرى إعلانه من مواقف خلال الحملة الانتخابية للرئيس الديمقراطي.

وإلى أن تباشر هذه الإدارة التعامل مع الملف الفلسطيني وفق حل الدولتين بدلاً من صفقة القرن الترمبية، فقد شكك وزير خارجيتها المعين حديثاً أنتوني بلينكن "بإمكان تحقيق أي شيء بهذا الحل على المدى القصير"، حتى إن قال إنه الوحيد القابل للاستمرار، في صفعة مدوية للسلطة الفلسطينية وبرنامجها!

وهو بذلك كأنه يريد أن يقول للسلطة المندلقة على المفاوضات: "استمروا في إهدار وقتكم وجهدكم من أجل حل لن يأتي، لأنه لا بديل عن المفاوضات من أجل المفاوضات!".

وعلى الرغم من دعوته الإسرائيليين والفلسطينيين فوراً "إلى تجنب اتخاذ خطوات تزيد هذه العملية تعقيداً"، فقد تهرب من أي مسؤولية لإدارته لإجبار إسرائيل على وقف الاستيطان والتهويد، مؤكداً في تصريحات سابقة أن "دعم الولايات المتحدة لإسرائيل غير قابل للنقاش، ويجب عدم استخدامه وسيلة للتأثير على سياسات الحكومة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين".

وفوق هذا كله فإن بلينكن يؤكد أنّ إدارته لن تعود عن القرار الذي اتّخذه ترمب بالاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل وأنها ستبقي كذلك على السفارة الأمريكية في القدس المحتلة.

كل هذا يعني أن الإنجازات التي ستتحقق -إن صحت تسميتها إنجازات- هي ما سبق أن وعدت به الإدارة الديمقراطية على لسان نائبة بايدن كمالا هاريس، وهي: إعادة العلاقات مع السلطة، وفتح مقر بعثة منظمة التحرير الفلسطينية بواشنطن، وإعادة المساعدات الاقتصادية والإنسانية إلى الفلسطينيين، ومعالجة الأزمة الإنسانية في غزة.

وبهذا فإن ما فعلته إدارة بايدن وقف محاصرة السلطة سياسياً ومالياً مقابل استدراجها بالإغراءات للتنازل وقبول الأمر الواقع الذي تفرضه إسرائيل، وهي السياسة الأمريكية التقليدية المنحازة كلياً إلى إسرائيل. بل إن بايدن الذي يقول عن نفسه إنه صهيوني يزيد على ذلك بالقول إنه لن يمارس أي ضغط على إسرائيل كما فعل رئيسه السابق باراك أوباما، الذي مارس ضغوطاً معتدلة عليها في قضية الاستيطان من دون جدوى.

الاعتراف بالقدس ورعاية التطبيع

وهكذا كرست إدارة بايدن قضية الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان ونقل السفارة الأمريكية إليها، من دون أن تغير الموقف الأمريكي المنحاز إلى إسرائيل، الأمر الذي سيدخل القضية الفلسطينية في حلقة مفرغة من المفاوضات العبثية مع استمرار السلطة في التنسيق مع الكيان والتصدي للمقاومة الفلسطينية تحت حجة الضرر الذي توقعه بمسار المفاوضات.

السفارة الأمريكية في القدس (Reuters)

كما أكدت إدارة بايدن الإنجازات التي حققها ترمب في قضية التطبيع، وأنها ستستمر بدفع المزيد من الدول العربية إلى التطبيع مع الكيان بما يعنيه ذلك من احتمالات المزيد من الانهيار من الموقف العربي. وقد لا تعمل إدارة بايدن على ملاحقة القيادة السعودية مثلا بسبب سجلها السيئ في حقوق الإنسان وملف قتل خاشقجي وتقطيعه، وتلجأ بدلاً من ذلك إلى سياسة الابتزاز لدفعها إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل بما ينذر -إن حصل- بانهيار شامل في المنظومة العربية بهذا الملف.

ويؤكد ما سبق أن التغيير في السياسات الأمريكية سيكون شكلياً مقابل سحب السلطة الفلسطينية مجدداً لمربع المفاوضات، وتفعيل التنسيق الأمني مع الاحتلال، وتوجيه ضربة إلى الوحدة والمصالحة الفلسطينية. فضلاً عن جر الدول العربية إلى التطبيع ومخالفة المبادرة العربية 2002 حتى قبل إنجاز التسوية السياسية المزعومة.

انتخابات لتكريس أوسلو.. ولكن

وتوجد تقديرات بأن إدارة بايدن أوصلت إلى السلطة الفلسطينية أنها لن تعترف إلا بسلطة ومجلس تشريعي منتخب، ذلك لأنها تريد أن تضمن علاقة وعملية تسوية قادمة ستكون مع ممثل منتخب للشعب الفلسطيني، وهو نفس موقف الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي دفع عباس إلى الإصرار على انتخابات تشريعية ورئاسية ضمن مخطط لتتويج سيطرة فتح على السلطة مع محاولة إدماج حماس في النظام السياسي الفلسطيني من دون أن يكون لها الغلبة فيها، وهو بلا شك مطلب أمريكي إسرائيلي عربي دولي.

وإذا لم تضمن السلطة ومعها بعض العرب وإسرائيل هذه النتيجة، فإنها ستلجأ إلى التلاعب بنتائج الانتخابات ومحاولة التأثير عليها بالتعاون مع إسرائيل. وبلا شك هذا المسلك سيضر بفرص نجاح الانتخابات إذا وقفت حماس ضده وأعلنت الانسحاب منها، الأمر الذي سيحرم السلطة من ادعاء شرعية فوزها بالمجلس التشريعي والرئاسة أمام أمريكا وإسرائيل والغرب، وهذا سيحرم السلطة من المصداقية ويشكك بتمثيلها للشعب الفلسطيني.

الأزمة مستمرة

وحتى مع الانتخابات وبصرف النظر عن نتيجتها التي لن تمكن حماس من السيطرة على النظام الفلسطيني بسبب تقارب الأصوات المرتقب مع فتح، فإن أزمة المفاوضات والتسوية ستستمر من دون أي إنجاز للعوامل التي ذكرناها آنفاً، فيما قد تواجه عملية التطبيع عقبات وعراقيل لأن إدارة بايدن قد لا تتمكن من تقديم مغريات للدول العربية، كما فعلت إدارة ترمب مع المغرب مثلاً، أو حتى التسامح مع السعودية مثلا كما فعلت مع الإمارات والبحرين.

وفي ظل هذه الأجواء وحتى مع غياب عوامل التفجير التي انطوت عليها سياسة ترمب، فإن الإخفاق في التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية سيبقي عناصر الصراع مفتوحة في المنطقة وخصوصاً في فلسطين.

ومما لا شك فيه أن مقاومة الاحتلال ستستمر في الضفة كما في غزة كعامل يديم الصراع في الأراضي المحتلة ويحفز المنطقة العربية للتفاعل معه ومع قضاياه الذاتية المتعلقة بالحرية والديمقراطية.

لن يطول الوقت حتى تتعقد المعادلة في المناطق الساخنة في العالم العربي مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن، وهي دول الربيع العربي المؤهلة مع مصر لدورة جديدة قد لا تتأخر كثيراً وستعقد مهمة الإدارة الجديدة في المنطقة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً