لم تحظ سوريا باهتمام خاص من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، إذ كانت دائماً ملحقة بملفات أخرى، كمحاربة الإرهاب في العراق، أو بالصراع العربي-الإسرائيلي، والاستقرار في المنطقة..

وبعد عام 2011 أصبحت ضمن ملفات العلاقة مع إيران وروسيا وتركيا ومكافحة الإرهاب في المنطقة والعالم وغيرها من الملفات.

مع ذلك، كانت القضية السورية في صُلب اهتمام إدارة أوباما، لسخونة الملفات المرتبطة بها بالنسبة إلى واشنطن، الأمر الذي انعكس في أجندة وزيري الخارجية آنذاك، هيلاري كلينتون وجون كيري، اللذين أمضيا جزءاً أساسياً من وقتهما في إجراء محادثات دولية مرتبطة بسوريا، أو بالملفات المتعلقة بها.

لكن هذا الاهتمام المباشر أو غير المباشر بالقضية السورية شهد تراجعاً ملحوظاً في عهد إدارة ترمب، إذ غابت سياسات الإدارة الأمريكية تماماً، وتراجع الاهتمام بالملف ككل من وزير الخارجية نفسه، إلى موظفين من الدرجة الثالثة والرابعة، وتوقفت اتصالات واشنطن مع الفاعلين بهذا الخصوص، إلا بقضايا جزئية محددة.

وأبدى ترمب في غير مرة رغبةً في سحب جنوده من سوريا، على الرغم من معارضة مؤسسات الإدارة لهذه الخطوة. وعلى الرغم من نجاح هذه المؤسسات في منع حصول الانسحاب مرتين بعد إقراره، فإنها فشلت في رفع مستوى اهتمام البيت الأبيض بالملف عموماً.

وقد أدى هذا التراجع في الحضور الأمريكي على مدار سنوات إلى تغيير حقائق عديدة على الأرض، فقد تمكن الحلفُ الداعم للأسد من حصر وجود المعارضة في الشمال، بعد قرارٍ أمريكي برفع اليد عن الجنوب، كما تمكنت إيران خلال السنوات الأربعة من تعزيز نفوذها في الدولة والمجتمع في سوريا بشكل غير مسبوق، بما في ذلك الجنوب السوري الذي لم يكن لطهران وجود فيه قبل أربع سنوات.

وتمثّل هذه المعطيات محددات أساسية أمام إدارة بايدن، التي تجد نفسها أما حقائق سياسية وعسكرية على الأرض، تضاف إلى إرثٍ أخلاقي ثقيلٍ تحمله من إدارة أوباما، التي فشلت في وقف المأساة السورية في بداياتها، وقد كانت قادرة على ذلك.

وضمن هذا الوقائع، فإن الإدارة الجديدة تحمل التزاماً سياسياً ضمنياً بعدم الدعوة إلى حلّ لن تكون قادرة على فرضه، ورغبةً في التوصل إلى حل سياسي في سوريا، كي تتمكن الإدارة من حل القضية التي فشلت الإدارة الديمقراطية السابقة في منع وقوعها.

لذا فإن من المتوقع أن تنتهج الولايات المتحدة في عهد بايدن سياسة حذرة، تجمع ما بين مخلفات سياسة ترمب، بخاصة من جهة الاعتماد على الإدارة الذاتية الكردية، والتنسيق مع تل أبيب وعواصم إقليمية أخرى لهندسة السياسات الممكنة للتعامل مع الوجود الإيراني في سوريا، وما بين بعضٍ من سياسات إدارة أوباما، مثل إعادة التركيز على قضايا حقوق الإنسان وتفعيل التحركات الدولية، وإن بصورة أقل، وبما يتناسب مع أهمية القضية السورية وتفاعلها الآن مقارنة مع ولاية أوباما الثانية.

كما يُعتقد أن الإدارة سوف تستمر في استخدام الأدوات القانونية والسياسية القائمة حالياً، بما في ذلك العقوبات الاقتصادية، بخاصة أن التخلي عن العقوبات أمر يحتاج إلى موافقة الكونغرس لا إلى قرار من الإدارة وحدها، وهذه العقوبات توفّر أدوات ضغط ونفوذ على حلفاء النظام، وهو ما لن ترغب إدارة بايدن في الغالب بالتخلي عنه من دون مقابل فعلي من هؤلاء الفاعلين، ومن دون أن يعني ذلك بالضرورة في الملف السوري تحديداً.

وبالمقارنة مع سياسة ترمب فإن سياسة بايدن ستتصف عموماً بالرُشد والاستقرار، ولذا فإن من غير المتوقع أن نشهد قرارات متسرعة في الملف السوري أو في سواه، وهو أمر يصبّ في صالح كل الفاعلين الدوليين في الملف، الذين سيكونون أكثر قدرة على التخطيط والتنبؤ، كما سيصبّ هذا الأمر بشكل خاص في صالح المشروع الكردي، الذي كان يعيش خلال السنوات السابقة تحت سيف الانسحاب الأمريكي المحتمل في أي لحظة.

وستسعى روسيا لاستغلال محددات الإدارة الأمريكية الجديدة من خلال تقديم أفكار ومشاريع حلول تُحقق الحدود الدنيا من المتطلّبات الأمريكية، وتحافظ على المصالح الروسية في سوريا، على غرار العرض الذي قدّمته موسكو لإدارة أوباما بعيد الهجمات بالأسلحة الكيميائية على الغوطة عام 2013، عندما دفعت نظام الأسد لتسليم ترسانته الكيميائية والانضمام إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

لكن مساعي موسكو لتسويق حلولها للأزمة السورية ستواجه العديد من العقبات مع الإدارة الجديدة، التي لا يبدو أنها ستتعامل مع روسيا بالمرونة التي سادت في الحقبة الترمبية، وعليه فإن التسويات بين البلدين في ملفات كثيرة ستتطلب وقتاً وإرادة من الطرفين.

وتنبغي الإشارة إلى أن "سوريا" لم تُذكر في البيان الانتخابي لبايدن، كما لم يأت ذكرها تقريباً في أي تصريح له أو لنائبته خلال الحملة الانتخابية وما بعدها. إلا أن انخفاض مستوى أهمية سوريا بالنسبة إلى السياسة الأمريكية في عهد ترمب وبايدن لا يعني انخفاض مستوى أهمية الفاعلين فيها، وبخاصة روسيا وإيران وتركيا وإسرائيل الذين يحظون بأهمية كبيرة في الخطاب السياسي للإدارة السابقة والجديدة. فالإدارة معنية بشكل واضح بالتوصل إلى صيغة تفاهم مع إيران، وهو ما ذُكر بشكل واضح في برنامج بايدن الانتخابي.

وعلى الرغم من عدم وضوح الآلية التي سيجري بها التفاوض مع طهران حول الاتفاق النووي من جديد، وماهية الملفات التي ستتضمنها أو لا تتضمنها المفاوضات، إلا أن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الجديد تُشير بوضوح إلى إشراك حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة في عملية التفاوض، وهو ما قد يرفع احتمالية أن يجري تضمين وجود إيران في المنطقة ضمن عملية التفاوض، وسيشمل ذلك سوريا في الغالب.

وتُظهر القراءة الأولية لفريق بايدن المرتبط بالشأن الخارجي أن هذا الفريق يدعم وجوداً أمريكياً طويل المدى في سوريا، كما يدعم تدخلاً أوسع في الملف. وقد عبّر وزير الخارجية الجديد أنتوني بلينكن عن موقف واضح تجاه القضية السورية، وربما يكون هذا الموقف هو الأوضح لأي من أعضاء فريق بايدن حتى الآن، إذ ذَكَرَ في مقابلة منتصف 2020 أنه "كان بإمكان الولايات المتحدة استغلال نفوذها المتبقي في سوريا لإحداث أي أثر إيجابي، إلا أن قرار إدارة ترمب الانسحاب الكلي من سوريا أدى إلى تبدُّد هذا النفوذ لسوء الحظ"، كما ذكر أنه يستحيل عليه عملياً تخيُّل تطبيع إدارة بايدن مع نظام الأسد.

وعلى الرغم من أن التصريحات التي أدلى بها بلينكن قبل تعيينه قد لا تنعكس بالضرورة على برنامج عمل الإدارة، فإنها تعكِس توجهاً أولياً لأحد أهم الفاعلين برسم السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة.

وعلى العموم فإنّ الإدارة الأمريكية الجديدة مثقلةٌ بالإشكالات الداخلية التي خلفتها سنوات حكم ترمب وأزمة كورونا، وبالتالي فإنّ تركيزها الأساسي سينصب في العام الأول على الأقل على تحقيق إنجازات يلمسها الناخب الأمريكي، كذلك فإن هذه الإدارة -مثل كل الإدارات الجديدة السابقة- ستحتاج إلى وقت لإعداد سياساتها الخارجية وبناء خطة تحركاتها. ولذا فإن عام 2021 سيمثل فرصة لكل الفاعلين في الملف السوري لاستكمال ترتيب أوراقهم في سوريا أولاً، وتثبيت مكتسباتهم هناك، والترتيب لشكل العلاقة مع إدارة بايدن ثانياً.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً