ثمة صور عديدة للمأساة التي تمثلها الحرب الدائرة حالياً في اليمن. فهذه الحرب التي بدأها الحوثيون من طرف واحد بدعم سخي من الثورة المضادة في المنطقة، تحولت اليوم إلى مواجهة متعددة الأطراف ولها غايات وأهداف وأجندات متعددة كذلك.

هذا الحال لا يقتصر على اليمن بل ينطبق على ما جرى ويجري في سوريا وليبيا، حيث يجري استغراق شباب هذه الدول في معارك عبثية وموجهة بخبث شديد لاستنزاف الطاقات الهائلة لهؤلاء الشباب ليبدو الربيع العربي وكأنه كارثة حلت بالأمة وليس فرصة عظيمة لانبعاثها.

القاسم المشترك لما حل في عدد من دول الربيع العربي هو أن الجيوش النظامية تخلت عن دورها في حماية خيارات الشعوب، ما ألجأ الناس إلى البحث عن بدائل أخرى للدفاع عن أنفسهم في مواجهة الأنظمة التي سخرت هذه الجيوش للدفاع عنها فقط.

هكذا يبدو الأمر في بلدان الربيع العربي حيث الاستنزاف يطال أهم ما تملكه من ثروة وهو الشباب في معارك بالوكالة تتعدد أهدافها بشكل مخيف.

ياسين التميمي

ومن هذه البدائل الانتظام في تشكيلات مقاتلة وإن كانت بإمكانيات متواضعة، ولكنها ساهمت، إلى حد كبير، في مواجهة طغيان الأنظمة وكبح هجماتها العنيفة التي أرادت عقاب الشعوب على خروجها بحثاً عن الحرية والتغيير.

لم توفر الثورة المضادة الفرصة بل عمدت إلى استثمار هذا المناخ من التشظي وتعدد الأطراف التي تمتلك القوة المسلحة وممارسة العنف، لتبدأ، بما توفر لديها من أموال طائلة ونفوذ وتحكم بالقرار الإقليمي والدولي، في دعم تشكيلات خاصة بها وحرصت على أن تعمل هذه التشكيلات خارج نطاق سيطرة السلطات الوطنية الهشة أصلاً.

ولم يمضِ وقت طويل حتى نجحت هذه التشكيلات في إنتاج وضع خطير خصوصاً في اليمن وليبيا؛ حيث يجري تآكل نفوذ السلطات الشرعية المدعومة شعبياً ليحل محلها النفوذ الطارئ لهذه التشكيلات ومن خلفها القيادات المفروضة من الثورة المضادة.

في اليمن يمضي الأمرُ في ثلاثة مسارات متجاورة، في الأول منها سمح على مضض بتأسيس جيش وطني يتبع السلطة الشرعية ليحل محل الجيش السابق الذي ابتلعه الحوثيون، ومعظم الدعم المقدم إلى هذا الجيش يأتي من ميزانية الحكومة ومواردها المحدودة بالإضافة إلى دعم إضافي متقطع من السعودية، ولكن بإمكانيات تسليحية متواضعة ومرتبات غير منتظمة وتتأخر لأشهر، ويتم الزج به في عمليات عسكرية متقطعة ومرهقة وبأقل مستوى من الدعم الميداني المتواصل، ولم يسلم أيضاً من الاستهداف المقصود من قِبل التحالف السعودي الإماراتي في بعض الجبهات.

وفي المسار الثاني تحضر التشكيلات المسلحة المدعومة من الإمارات والمتمثلة في النخبتين الحضرمية والشبوانية، والأحزمة الأمنية في كل من عدن ولحج وأبين، وجميعها يتصرف باستقلالية كاملة عن وزارتي الدفاع والداخلية اليمنيتين بل وعن الأجندة الوطنية المتمثلة في دحر الانقلاب واستعادة الدولة اليمنية.

والأسوأ من ذلك أنها تتبنى بشكل واضح وصريح خيار انفصال الجنوب وترفع علم الدولة الجنوبية السابقة في معسكراتها وتحرس هذه الأعلام المرفوعة فوق مباني العاصمة المؤقتة عدن، وفي عدد آخر من المدن الواقعة في جنوب اليمن.

أما المسار الثالث فيتثمل في تجييش الشباب للقتال دفاعاً عن الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية، حيث ينشط وسطاء لجذب مقاتلين من المحافظات التي اندحر منها الحوثيون، لكنها لم تشهد أي شكل من أشكال الاستقرار السياسي والأمني، واستشرى فيها الفقر الناجم عن جمود الأنشطة الاقتصادية وانعدام فرص العمل والحصار المفروض على انتقال الأفراد حتى داخل هذه المحافظات.

أرادت الرياض، على ما يبدو، التخفيف من وقع النزيف البشري الهائل الذي تتعرض له في حدها الجنوبي، لتجنب تذمر شعبي محتمل قد يدفعها إلى خيارات غير جيدة فيما يتعلق بحسم الحرب دون تحقيق نتائجها المفترضة والمتمثلة في عدم السماح بقيام ما تسميه "حزب الله آخر" في جنوب المملكة.

فكان البديل هو الاستثمار المتحرر من أيّة كلفة أخلاقية في جلب المقاتلين الذين تدفعهم الحاجة لأن يغادروا قُراهم ومدنهم للقتال بحثاً عن المال.صحيح أن قتالاً كهذا لا يزال يندرج، في جزء منه، ضمن هدفهم الرئيس وهو هزيمة الحوثيين ودحر الانقلاب.

لكن الأمر بالنسبة للجانب السعودي يأخذ منحى سلبياً للغاية؛ حيث يجري التعامل مع هؤلاء المقاتلين بقسوة وعدم اكتراث، فهؤلاء حينما يصابون أو يُقتلون تختفي أسماؤهم من كشوفات صرف المرتبات والتعويضات، ويتحولون إلى عبء سرعان ما يتم التخلص منه فوراً فيتم دفن القتلى منهم بعيداً عن مناطقهم وأهاليهم، ويجري التخلص من الجرحى ضمن معاملات تشمل فيما تشمل إجبارهم على أخذ البصمة في المنافذ الحدودية، وهو الإجراء الذي تعتمده السعودية مع المخالفين لقوانين الهجرة.

واحداً من أهم أهداف عدم الحسم العسكري في تعز هو الرغبة في بقائها مسرحاً لاستنزاف قدرات أبناء هذه المحافظة.

ياسين التميمي

في هذا السياق تحضر محافظة تعز في جوهر السردية الخاصة بالربيع اليمني باعتبارها أحد المحركات الأساسية لهذا الربيع، لذا تعاملت معها الثورة المضادة كمسرح عملياتي مفتوح وثقب أسود لشبابها الذين نهضوا في وجه ديكتاتورية صالح، وقرروا قتال تحالف الانقلاب الذي تشكل من ميليشيا الحوثي المسلحة المدعومة من إيران والقوات النظامية الموالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وهو حلف تجلى في الأعوام التي تلت ثورة الحادي عشر من فبراير/شباط 2011 كحلف جهوي وطائفي يقاتل من أجل إبقاء السلطة بيده.

كان واحداً من أهم أهداف عدم الحسم العسكري في تعز، هو الرغبة في بقائها مسرحاً لاستنزاف قدرات أبناء هذه المحافظة، لذا لم يكن مهماً لدول الثورة المضادة، التي يتألف منها ما يعرف اليوم بـ"تحالف دعم الشرعية"في اليمن، أن تبقى تعز تحت الحصار والقصف كل هذه السنوات.

وعلى العكس من ذلك، فقد رأينا كيف جرى تلغيم المحافظة بالعناصر المتطرفة من بقايا المخابرات السابقة للمخلوع صالح، وعناصر تم استقدامها من المحافظات الجنوبية، ودفعها لبناء تشكيل عسكري لم نأت على ذكره آنفاً والمسمى "كتائب أبو العباس" والذي صُنف عالمياً كتنظيم إرهابي مسلح، وكانت مهمته، ضمن الأجندة الإماراتية، هي إزاحة الجيش الوطني وتشكيلات المقاومة الوطنية من المسرح التعزي المهم إستراتيجياً، أو قتل أكبر عدد من قادتهما، وتحويل المحافظة إلى بؤرة عنف وصراع طويل الأمد.

وفيما بقيت تعز حتى الآن تُراوح بين الهدوء الحذر والقتال المتقطع، والخذلان الواضح لجيشها الوطني، نشط بشكل كبير وسطاء في الكتلة السكانية الهائلة للمحافظة لجلب المقاتلين إلى الحد الجنوبي للمملكة.

الوسطاء يتسلمون ما بين 500 إلى 1000 ريال سعودي مقابل كل مقاتل يمني يأتون به إلى جنوب السعودية عن طريق منفذ العبر فيما يتقاضي المقاتل نحو ألفي ريال.

ياسين التميمي

مهمة كهذه نجحت تحت وطأة الإغراءات المالية في مجتمع يستبد به الفقر في جلب المئات من المقاتلين، مع سريان أحاديث حول العوائد المادية المجزية.

الوسطاء يتسلمون ما بين 500 إلى 1000 ريال سعودي مقابل كل مقاتل يأتون به إلى جنوب السعودية عن طريق منفذ العبر، فيما يتقاضي المقاتل نحو ألفي ريال سعودي، وينتظمون في أولوية عسكرية تضم المئات، لكنها ليست مسجلة لا في قوائم وزارة الدفاع السعودية ولا في قوائم وزارة الدفاع اليمنية، الأمر الذي ينتهي بهم إلى مجرد ضحايا بلا غطاء مادي أو أخلاقي.

ومن المؤسف أن بعض المقاتلين يجري استقطابهم من صفوف الجيش الوطني، الذي يكتفي بضم أسماء جديدة بدلاً من الذين غادروا الجبهة بحثاً عن فرصة لتحقيق دخل يحسن مستوى حياة أسرهم التي تعيش تحت خط الفقر.

هكذا يبدو الأمر في بلدان الربيع العربي حيث الاستنزاف يطال أهم ما تملكه من ثروة وهو الإنسان والشباب على وجه الخصوص، في معارك بالوكالة تتعدد أهدافها بشكل مخيف لتصل إلى حد التضاد في معركة هدفها قتل الإنسان أو تدمير تطلعاته إلى حياة أفضل، ما ينتج عنها يأس بالربيع الذي حمل معه الأمل لشعوب رزحت عقوداً تحت الطغيان والفقر ولا تزال، للأسف الشديد.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي