تسعى إسرائيل من خلال سياسة التفريق إلى تأكيد سيطرتها على القدس. وذكرت صحيفة "إسرائيل اليوم" المقربة من نتنياهو بأن السعودية تسعى للحصول على دور في إدارة الشؤون الإسلامية في القدس.

هل فاجأتنا صحيفة "إسرائيل اليوم" المقرَّبة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بزعمها أن السعودية تسعى للحصول على حصة في مجلس الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية بالقدس ومنافسة الأردن في ذلك؟ أو هل فاجأنا لعب إسرائيل على وتر خلافات وتباينات العرب لمنع اتفاقهم على موقف سياسي واحد من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية؟ أو هل غابت عنا المواقف المتخاذلة والمتآمرة لدول عربية من صفقة القرن التي تكرس واقع الاحتلال وتفتح الطريق للتطبيع مع الكيان الصهيوني؟

إجابة كل ما سبق: لا بالتأكيد، فقد ساهمت الصفقة المشؤومة بكشف مواقف عربية تتوارى بالتصريحات الإعلامية الرافضة للاحتلال والتطبيع معه، لتدعم صفقة تصفوية للقضية الفلسطينية وتسارع إلى التطبيع مع إسرائيل بكل المجالات بحجة جديدة هي مواجهة خطر مشترك مزعوم لإسرائيل والدول العربية هو إيران.

إسرائيل ترسم وتحدد

الجديد لدى الصحيفة الإسرائيلية أن السعودية (حسب المزاعم) بدأت قبل نحو شهر من إعلان صفقة القرن مفاوضات سريّة مع تل أبيب بمشاركة أمريكية لتقاسم إدارة الأوقاف مع الأردن بضم مندوبين سعوديين إلى مجلس الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية بالقدس الذي تشرف عليه وزارة الأوقاف الأردنية.

وتتولى الصحيفة مهمة التحريض على تركيا إذ تنقل عن ما سمَّته مصدراً دبلوماسياً عربياً رفيعاً أن المندوبين الفلسطينيين في مجلس الأوقاف سمحوا لمنظمات إسلامية تركية في الحرم ضخت عبرها الحكومة التركية عشرات ملايين الدولارات بإيعاز مباشر من الرئيس أردوغان، لاستغلال الحساسيات بين الدولتين لمحاصرة الوجود تركي بالقدس وعدِّه منافساً يريد منازعة الأردن الإشراف على المقدسات الإسلامية هناك.

وتؤكد الصحيفة أن الأردن عارض في البداية مشاركة السعودية برعاية المسجد الأقصى، لكنه غيَّر موقفه بعد أن شاهد الدور التركي النشط في القدس الشرقية عموماً وفي الحرم خصوصاً، وأبلغ إسرائيل وأمريكا بعدم ممانعته مشاركة مندوبين سعوديين في مجلس أوقاف القدس على أن تضخ الرياض الأموال إلى الجمعيات المقدسية وعمارة المسجد الأقصى لمحاصرة ما سمَّته النفوذ التركي بالمدينة المقدسة.

وتحاول الصحيفة التركيز على التنافس السعودي-الأردني والتركي-الأردني والخلاف السعودي-التركي، محاوِلة توجيه الأنظار إلى المنافس التركي لدور الأردن في القدس.

ولا شك أن المسعى الإسرائيلي الذي عبرت عنه الصحيفة هو تفتيت المواقف العربية والإسلامية من القدس وجعل جميع الأطراف المعنية منشغلة بالخلاف لصالح قوة الموقف الإسرائيلي الذي يتقن اللعب على الخلافات، أو تتواصل مع إسرائيل لضمان دورها بالقدس، ما يجعل إسرائيل هي الأساس وهي التي تقسم الأدوار الدينية هناك بما يعزز سياسة الأمر الواقع التي تفرضها لتهويد المدينة.

وتسعى إسرائيل للضغط على الأردن لعدم اتخاذ إجراءات حاسمة إذا قررت إسرائيل ضم الضفة الغربية وتهدد بخلخلة مكانته بسبب موقفه غير الإيجابي من الصفقة عبر التلويح بالموقف السعودي الذي يمكن أن ينافس ويضعف بسطوة المال دور الأردن التاريخي بالقدس ويزعزع شرعية الهاشميين في الأردن.

طموحات وعلاقة مع إسرائيل

ومن ناحية ثانية، تسعى إسرائيل لدفع دور سعودي في القدس باستغلال المنافسة التاريخية مع الهاشميين، لتشجيع الرياض على مزيد من تأييد صفقة القرن وتطبيقها. وحاولت السعودية في 2018 استمالة شخصيات دينية من القدس لزيارتها ولم تنجح بذلك نتيجة وعي المقدسيين وجهود أردنية أفشلت المخطط.

وتسعى إسرائيل لمحاصرة أي إمكانية للنفوذ التركي في المدينة الذي يدعم أصلاً الولاية الدينية الأردنية على الأقصى ولا ينافسها، وهو ما أعلن عنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بوضوح. كما أن تركيا تركز على دعم صمود الفلسطينيين على أرضهم، فضلاً عن تلهُّف الأتراك الديني لزيارة الأقصى -كما يفعل نظراؤهم الماليزيين والإندونيسيين-، ولا يبدو أن لذلك أغراضاً سياسية في مواجهة النفوذ الأردني الديني.

وقد شنت أجهزة الأمن الإسرائيلية مؤخراً حملة شرسة ضد مؤسسة "تيكا" التركية التي تدعم مؤسسات فلسطينية في الأراضي المحتلة من ضمنها القدس التي تعترف بها عاصمة للدولة الفلسطينية.

ويأتي التركيز الإسرائيلي على الدور السعودي لمركزيته بالمنطقة ولأنه كان الأكثر تفاعلاً واندفاعاً في نسج علاقات مع الكيان الصهيوني بعهد بن سلمان الذي سبق أن قال إن لإسرائيل الحق في دولة على أراضيها، إذ يبدو هذا الموقف متقدماً على بقية الدول العربية بما فيها تلك التي تقيم علاقات رسمية مع الكيان.

وكان مربط الفرس في هذا الموقف الدخول في صفقة القرن التي هدفت إلى تصفية القضية الفلسطينية والضغط على السلطة الفلسطينية للقبول بها، وتصعيد عمليات التطبيع الرسمية والشعبية مع إسرائيل أملاً أن تقدم هذه العلاقة بن سلمان للولايات المتحدة في ظل رئاسة دونالد ترمب.

ومن المعلوم سعي بن سلمان لتشكيل تحالف ضد إيران باعتبارها العدو في المنطقة، الأمر الذي يجعل تجاوبه مع المساعي الأمريكية لإنهاء الصراع في المنطقة أكثر سلاسة وتسارعاً وجرأة.

والخطير أن السعودية تؤثر على دول كالإمارات والبحرين التي استضافت المؤتمر الاقتصادي للسلام بمشاركة إسرائيل بدعم سعودي، وذلك يدفع دولاً مترددة بالخليج إلى الدور نفسه في موقف خليجي موحد.

والواقع أن إسرائيل تحاول استثمار الموقف السعودي للضغط على الأردن أو الفلسطينيين أو كليهما، لتكون المتحكمة من خلال العلاقة الوطيدة مع الرئيس الأمريكي في مسار تطبيق صفقة القرن وتحفيز التطبيع العربي الرسمي، وأخيراً رسم هيكلية الإدارة الدينية للمقدسات بالقدس، في الوقت الذي تحتل المدينة بأكملها وتفرض نفوذها السياسي والأمني فيها.

الضغط على الأردن والعين على القدس

خلاصة الموقف الإسرائيلي من الأردن تتمثل بمحاولة حشره في الزاوية وعزله عن محيطه العربي وجعله وحيداً في الساحة، وتهديده بالتضييق على دوره في الرعاية الدينية التي ثبَّتتها اتفاقية وادي عربة عام 1994، وذلك لدفعه إلى إبداء موقف إيجابي من صفقة القرن وتليين موقفه من قرار الضم الإسرائيلي المرتقب، واستكمال الهيمنة على القدس وحصر الدور الأردني والعربي برعاية المقدسات بعيداً عن الدور السياسي والأمني الذي تتفرد به في مواجهة الفلسطينيين.

وتحتاج إسرائيل والولايات المتحدة إلى الدورين السعودي والأردني من أجل تمرير خطة السلام الأمريكية، وضم أجزاء من الضفة الغربية إلى إسرائيل، ولكنهما حريصتان على عدم اتفاق الدولتين على موقف واحد للتعامل مع الخطة واستحقاقاتها، ما يشكل فشلاً مدوياً للموقف العربي تجاه الكيان الصهيوني بكل ما يستدعيه ذلك من الخيبة وفقدان الأمل بهذا الموقف في ضوء الوضع الحالي.

ويظل التعويل دائماً على الفلسطينيين في الوطن المحتل للتصدي لمخططات العدو كما حصل في هبات الأقصى وفي ديمومة المقاومة حتى ولو بأشكالها الفردية أملاً في انطلاق انتفاضة أو مقاومة شاملة في المدى القريب.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي