وعد حسن نصر الله، أمين حزب الله اللبناني، جمهوره، بضربة ثأرية لإسرائيل، رداً على هجماتها الأسبوع الماضي بطائرات مُسيّرة، على مقار للحزب في الضاحية الجنوبية من بيروت.

المفاجئ، كان في حجم استعداد إسرائيل لتلقي الضربة، فهناك يقين بقدوم الرد، وهذا يؤكد حجم مصداقية نصر الله لدى المجتمع الإسرائيلي. ولأجل ذلك تحركت القطاعات العسكرية نحو الجبهة الشمالية وظهر الارتباك على تصريحات نتنياهو.

الملفت الأكبر، أن تحركات الجيش الإسرائيلي جاءت حائرة تائهة في تخمين أين سيكون الرد، أهو في الجبهة اللبنانية أم في السورية، مما يشير إلى أن إسرائيل تعتبر سوريا ولبنان مجالين حيويين للقدرات الإيرانية.

حزب الله... الرد والمصداقية والاستحياء

الرد من حزب الله لم يتأخر، فقد استهدفت قواته مدرعة إسرائيلية قرب الحدود اللبنانية، بثلاثة صواريخ مقاومة للدروع، حيث اعترفت إسرائيل بحدوث الهجوم، نافية وقوع خسائر بالأرواح.

ما ميز رد حزب الله، أن الضربة كانت على استحياء؛ حيث حققت الوعد الذي قطعه نصر الله، وانتجت قواعد اشتباك جديدة، لكنها بالمقابل كانت مدروسة ومحدودة، بحيث لم تدفع الجانب الإسرائيلي نحو رد كبير يقود لحرب شاملة.

الجميع لا يريد المواجهة الشاملة

رد حزب الله العسكري، لم يكن مؤلماً لإسرائيل، ولم يتناسب مع حجم التهديدات التي أطلقها نصر الله، وهنا يظهر حجم الرغبة والإرادة عند كل الأطراف من أجل تجنب حرب لا يريدها الجميع بلا استثناء.

مصادر متعددة، تحدثت عن اتصالات ومحاولات جادة مارست تأثيرها على حزب الله من أجل عدم الإقدام على رد انتقامي واسع يعطي إسرائيل ذريعة ويضطرها إلى الدخول في حرب شاملة مع لبنان. 

 الداخل اللبناني والداخل الإسرائيلي.. تعقيدات لا تريد الحرب

لأول مرة، يقف الداخل اللبناني متماسكاً وراء حزب الله، فهناك إجماع من كافة القوى على رفض الخرق الإسرائيلي الأخير بالطائرات المسيّرة، حيث تقبّل الجميع فكرة الرد، لكنهم أرادوه بمستوى عدم الذهاب لحرب تدميرية.

من هنا، شكّل الداخل اللبناني ضاغطاً على حزب الله كي لا يورط لبنان في حرب لا داعي لها، ولعل حسن نصر الله أدرك قيمة هذا الإجماع وحاول الحفاظ عليه من خلال سياسة الرد المعقول الذي يمكن احتواؤه.

نتنياهو بدوره يدرك أن الحرب مع حزب الله لن تكون سهلة المنال، ويدرك أيضاً أن الحرب الشاملة تحتاج لجبهة داخلية مستعدة، وتحالفات إقليمية ودولية واسعة، وهو ما لم يتوافر له، مما جعله يبلع الرد القادم من حزب الله بروح رياضية.

إيران لا تريد إفساد خطابها المنافس دولياً

ايران، هي الراعي الرسمي لحزب الله، فهناك تداخلات بينهما عميقة في التسليح والقرار والأجندة والأيدلوجيا، لذلك لا يمكن لحزب الله إلا أن يراعي ما تريده طهران سياقاً وتكتيكاً واستراتيجياً.

وحتى نفهم أكثر، علينا تذكر أن إيران تعيش صراعاً مفتوحاً مع الولايات المتحدة، صراع له عناوين متعددة أبرزها العقوبات الاقتصادية، والملاحة في الخليج، والملف النووي، والأذرع الإيرانية وأمن اسرائيل، والصواريخ البالستية.

بمقابل ذلك، نجحت إيران في صياغة خطاب سياسي وتفاوضي اخترق المستوى الدولي والأوروبي، بمعنى أن الدبلوماسية الإيرانية نجحت في الوصول إلى "المسامع" الغربية وبدا خطابها صاعداً وواعداً.

لذلك لم تكن طهران بحاجة إلى من يشوش عليها ويعكر صفو اشتباكها الإيجابي مع الغرب، وبما أن حزب الله محسوب عليها، ويعتبره المجتمع الدولي أحد أهم أذرعها، وجدت طهران وحوب عدم التصعيد في لبنان والاكتفاء بالحد الأدنى الذي يرضي أنصار الحزب وجمهوره.

عليه، يمكننا اعتبار العامل الأهم في صياغة منسوب تصعيد حزب الله مع إسرائيل هو ما تريده إيران، فلن يقدم الحزب على خطوة لا تصب في مصلحة إيران ناهيك عن الأضرار بها.

طبعاً، هناك عوامل أخرى تحكم أداء حزب الله، تختلف في أوزانها، منها الرأي العام داخل التنظيم الحزبي، لكن تبقى الكلمة العليا للراعي الرسمي والأيديولوجي.

هل استعاد حسن نصر الله شعبيته عند العرب السُّنة؟

بعد تموز 2006، ارتفعت أسهم السيد حسن نصرالله داخل الأوساط الشعبية إلى مستوى قل نظيره في السنوات الأخيرة، والسبب منازلته لإسرائيل ومفهوم المقاومة الذي بدا مسيطراً على المشهد.

بعد ذلك، جاءت الثورة السورية، التي اصطف فيها حزب الله إلى جانب النظام الأسدي، لا بل ذهب بهم الأمر إلى حد القتال إلى جانبه واستسهال سفك دم الشعب السوري.

انحدرت شعبية الرجل إلى الحضيض عند العرب السُّنة، وأصبح مرادفاً موضوعياً لصورة بشار الأسد، وتجاهل الكثيرون صراعاته مع إسرائيل واعتبروها محض افتراء على مفهوم المقاومة.

المنازلة الأخيرة، جاءت لتشعل نقاشاً متجدداً حول شعبية الحزب وأمينه العام، ومن يتابع يرى أن الجرح السوري ما زال حاضراً رغم الإعجاب المتألم بمقارعة حزب الله لإسرائيل.

واشنطن سيدة الاحتواء

من يتابع موقف الولايات المتحدة من التصعيد الأخير في جنوب لبنان، يلحظ حرصاً أمريكياً على احتواء الأزمة وخفض التوتر.

وحين تسأل عن السبب، ستجد إيران في الخلفية، فالإدارة الأمريكية لا ترغب بإغضاب شعوب المنطقة ودفعها للتعاطف مع طهران.

كما أن واشنطن تسعى لترتيب المشهد الإقليمي على أساس من التسويات والتنازلات، فلم تعد معنية بحرب هنا وهناك، كما أنها ترفض أن يفرض عليها أي طرف أجندته الزمانية.

الرابح والخاسر من المواجهة الأخيرة

الإعلام الإسرائيلي يتحدث عن انتصار، ويروجون أن حزب الله أخفق إخفاقا كبيراً، ووقع في الكمين الذي الذي نصبه له جيش الاحتلال الإسرائيلي.

بالمقابل يتغنّى إعلام حزب الله والإعلام الإيراني بالانتصار، وقد خرجت مواكب في الضاحية الجنوبية احتفالاً بالانتصار وإشادة بوفاء حسن نصر بوعوده.

بتقديري أن الأهم من قصة "من انتصر؟" أن ندرك أن ثمة قواعد اشتباك جديدة دشنتها المواجهة الأخيرة، أهمها أن حزب الله سيرد على الانتهاكات بالمثل، وأن كل الأطراف لا تريد الحرب الشاملة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي