القدس (Others)

يرى اليمين الإسرائيلي أنّ وجود أيّ دور لأيّة جهة خارجية في القدس يُعدّ انتقاصاً خطيراً للسيادة الوطنية على عاصمة الدولة، بحسب التعبيرات الإسرائيلية.

الدّور الخاصّ الذي يحمله الأردن ليس وليد اللحظة أو وليد اتفاق بين الأردن وإسرائيل بأيّ شكل، وإنّما جاء متوافقاً مع القانون الدولي الذي لم يعترف بالاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، بما فيها شرقي مدينة القدس، عام 1967، وجاءت المادّة التاسعة مِن معاهدة "وادي عربة" بين الأردن وإسرائيل لتأكيد "احترام إسرائيل للدور الحالي الخاصّ للمملكة الأردنية الهاشمية في المباني الإسلامية المقدّسة في القدس".

ويرجع هذا الدور الذي يُمارسه الأردن في القدس حسب القانون الدولي إلى حقيقة أنّ شرقي القدس كانت جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية بعد قرار اتحاد الضّفتين: الشرقية والغربية، لتشكّلا المملكة عام 1950م. وكان هذا هو الحال في حرب عام 1967، حيث كان شرقي القدس حسب القانون الدولي يُعتبر جزءاً من الأراضي الأردنية، ولم يعترف لإسرائيل بحقّها في الأراضي التي احتلتها عام 1967، باستثناء الولايات المتحدة وبعض الدول القليلة الصغيرة فيما يخصّ شرقي القدس، وبذلك فإنّ الوضع القانوني المعروف باسم "الوضع القائم" ظلّ المسيطر على الحال في المدينة المقدّسة، بمعنى بقاء الأوضاع إدارياً وقانونياً كما كانت عليه قبل الاحتلال. وبذلك ضمِن الأردن بقاء سلطته الإدارية والقانونية والشرعية على شرقي القدس ومواقعها المقدّسة حتى اليوم.

ومن المهم الانتباه هنا إلى أنّ الأردن يعتبر وجوده في القدس ركيزةً أساسيةً من ركائز شرعية النظام الحاكم، ولذلك سعى أكثر مِن مرةٍ لتعزيز هذا الدور وتأكيده، كان آخرها اتفاقية الوصاية بين الأردن والسلطة الفلسطينية عام 2015، التي أعاد فيها رئيس السلطة الفلسطينية التأكيد على الاعتراف بالدور الأردني في القدس والوصاية الهاشمية على المقدّسات فيها وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك.

على مدار اثني عشر عاماً مِن حكم بنيامين نتنياهو وحزب الليكود، واجه الأردن تهديدات وجودية تتعلق بدوره في القدس. ففي عهد الليكود حرصت حكومته وأجهزتها الأمنية بقيادة وزير الأمن الداخلي المتطرف جلعاد أردان، الذي يشغل حالياً منصب مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة، على إضعاف المؤسسات التي تمثّل الأردن في القدس وعلى رأسها دائرة الأوقاف الإسلامية، وعملت على تحجيم دورها إلى أدنى حدٍّ، بحيث أصبح لا يتعدى إدارة الوجود الإسلامي في المسجد الأقصى المبارك فقط، هذا إضافة إلى تعطيل عمل لجنة الإعمار في المسجد الأقصى بالكامل ومنعها من العمل.

ويبدو أنّ الأمر لم ينتهِ بسقوط نتنياهو كما كان الأردن يأمل، حيث يستمرّ التهديد حتى الآن في ظلّ سيطرة اليميني نفتالي بينيت على مقاليد الحكومة الائتلافية، إذ إنّ اليمين الإسرائيلي ما زال ينظر إلى الوجود الأردني في القدس بخطورة، بل يعتبر مهاجمة هذا الدور مفيداً له في صراعه مع حكومة بينيت، فاليمين يشنّ منذ فترةٍ حملةً إعلامية واسعةً على الوجود الأردني في القدس، وتتناول هذه الحملات مختلف نواحي هذا الدور والوجود، مِن الإعمار وإدارة المسجد الأقصى، إلى الحملات الشعبية والرسمية الأردنية التي تساند سكان القدس.

يمكن القول هنا إنّ هذه الحملات إنما تُنفّذ لأهدافٍ داخليةٍ بحتة، حيث يعملون بذلك على إحراج بينيت الذي يتبنى أيديولوجية اليمين الصهيوني في نفس الوقت الذي يقود فيه حكومةً تشمل اليسار والوسط. فإن لم يتمكّن بينيت مِن فعل شيء ونتج عن ذلك انتعاش الدور الأردني في القدس وتخفيف القيود عليه، سيثير ذلك حفيظة القاعدة الانتخابية اليمينية لبينيت ويؤدي إلى سقوطه مستقبلاً. وفي نفس الوقت، إن نفّذ بينيت رؤيته اليمينية ضدّ الدور الأردني بما يُثير المشكلات في العلاقات بين الطرفين، أثار ذلك اليسار والوسط الإسرائيلي بما قد يُهدد استقرار حكومته ويقودها إلى الانهيار. والبديل في كِلا الحالتين صعب على الأردن نفسه، وذلك لأنّ شرعية النّظام الأردني قائمة تاريخياً على هذا الدور بالدرجة الأولى.

السلطان سليم الأول تسلم مفاتيح الأقصى وقبة الصخرة في ذي الحجة 922هـ الموافق ديسمبر/كانون الأول 1516. (Others)

بذلك، فإنه لا يبدو أنّ الأردن لديه كثير من الخيارات في الموضوع، فهو يتّجه إلى مواجهةٍ مع اليمين الإسرائيلي، سواء كانت هذه المواجهة معجّلةً أم مؤجّلة، ويبدو أنّ الأردن يسعى فعلياً لتأجيل هذا الصّدام بقدر الإمكان من خلال اللعب بأوراق السياسة الداخلية الإسرائيلية، ولعلّ لقاء الملك عبد الله الثاني مع منصور عباس عضو الكنيست عن القائمة العربية الموحدة، والذي يُعتبر اليوم بيضة القبّان في حكومة بينيت بحسب محللين إسرائيليين، جاء ضمن هذا السياق.

ومن ناحية أخرى، يُمسك الأردن بخيط مهم جداً يجب عليه استخدامه في هذه المعادلة كما حصل أكثر مِن مرّة سابقاً، وهو وقوفه على أطول حدود برية لدولة الاحتلال. فالاعتبارات الأمنية القومية العليا لإسرائيل تُحتّم عليها الحفاظ على معاهدة "وادي عربة" وعدم التفريط فيها، خاصة مع ظهور معادلة الرّدع العسكري التي فرضتها في السنوات الأخيرة فصائل المقاومة الفلسطينية على الحدود الجنوبية في غزة، وإسرائيل لا ترغب في أن تفتح على نفسها أطول جبهةٍ بريةٍ من ناحية الشرق في ظلّ هذه الظروف، وفي ظلّ عداءٍ شعبيٍّ أردني عارمٍ لها، لم يخففه مرور أكثر من 25 عاماً على توقيع معاهدة السّلام بين الحكومتين.

لا تبدو الأيام القادمة مبشرةً بالهدوء فيما يخصّ وضع الأردن في القدس وطبيعة دوره، ولذلك فإنّ أفضل ما يمكن للأردن عمله في هذه المرحلة هو البناء على المزاج الشعبي العام في الأردن والقدس لتعزيز دوره ووجوده في المدينة المقدسة. فالتفريط في هذا الدّور سيكون له أثر مباشر على شرعية النّظام ككل، والسكوت على ضغوط التيار اليميني في إسرائيل أو محاولة تخفيفه مثلاً بتجميد الدور الأردني في القدس، أو وقف ترجمته على الأرض إعماراً وإدارةً وتقويةً للصمود الشعبي المقدسي، لا يعني انحناءً للعاصفة بقدر ما هو إضعافٌ لقوة الأردن، وتسهيلٌ لمهمّة اليمين المتطرف في إسرائيل.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً