صورة ضبابية لثلاث من عملاء الموساد الخمسة عشر والذين ألقت القوات الأمنية القبض عليهم (Others)

وذلك على اعتبار أن الجانبين يخوضان ما يمكن وصفه بـ"حرب الظلال" بعيداً عن أعين وسائل الإعلام، في ظل العلاقة التي تتوتر حيناً ويصيبها الفتور حيناً آخر، ولا تستقر على حال حيناً ثالثاً، منذ العدوان الإسرائيلي السافر على أسطول الحرية التركي قرب شواطئ غزة المحاصرة في أواسط 2010، وقتل جيش الاحتلال لعدد من المتضامنين الأتراك.

لا تخفي الأوساط الأمنية الإسرائيلية أن نظيرتها التركية تمتاز بقدرات استخبارية وحِرفية عالية، مما مكّنها من الصمود كثيراً أمام جملة من التحديات الداخلية والتهديدات الخارجية، لعل أخطرها محاولة الانقلاب الفاشلة، فضلاً عن إحباطها محاولات مستمرة لإحداث حالة من الإرباك الأمني الداخلي، بجانب العبث على حدودها الخارجية، وصولاً إلى محاولة "قضم" سيادتها في شواطئها على البحر المتوسط، والغريب، بل الأكثر غرابة، أن تعثر تركيا على بصمات إسرائيلية في العديد من هذه الأحداث، سواء بصورة مباشرة أو عن طريق الوكالة عبر حلفائها وأذرعها.

هذه المعطيات تجعل محافل الأمن التركية على دراية واضحة أنها أمام تربص مستمر ومتواصل من أجهزة الأمن الإسرائيلية، لا سيما الموساد، الذي زاد اختراقاته الأخيرة في عدد من دول المنطقة، لا سيما المحيطة بتركيا، ونجح في إحداث حالات من الفوضى الأمنية داخلها، ولم تُخفِ محاولاته رغبة جامحة بـ"الزحف" على الأراضي التركية لمواصلة محاولاته التخريبية تلك، دون أن يدرك سلفاً أنه "ليس كل الطير يؤكل لحمه"، وأن الأجواء والبقاع التركية ليست كسواها، لذلك تم كشف شبكة التجسس الأخيرة، التي أصابت إسرائيل بحالة من خيبة أمل واسعة، فرضت عليها تكتماً شبه كامل.

هناك قناعة أن ما كشفته أجهزة الأمن التركية لوسائل الإعلام عن مهامّ شبكة التجسس الإسرائيلية، ليس سوى قمة جبل الجليد، ولعل السطور الحالية لا تتسع لتكرار ما تم الكشف عنه، لأن ألف باء العمل الأمني تحمل جملة من القواعد، أهمها: "الإبقاء على معلومات أكثر مما يتم كشفه، وليس كل ما يحدث يقال، وليس كل ما يقال هو كل الحقيقة، ولا يجب الكشف عن كل الحقيقة"، هذه مسلَّمات أمنية يعلمها كل مشتغل في هذا المجال الحساس البعيد كل البعد عن الإعلام والتباهي والتفاخر.

في الوقت ذاته، لا يمكن إغفال الجوانب السياسية لهذه "الفضيحة" الأمنية الإسرائيلية في تركيا، على اعتبار أن الجانبين يعيشان علاقات ليست في أحسن أحوالها، إن لم تكُن سيئة في غالب الأحيان، في ضوء مواقف تركيا الأخيرة على الصعيد الإقليمي، ولا تلقى استحساناً إسرائيلياً، فضلاً عن كونها تثير غضبها واستفزازها، لا سيما على صعيد القضية الفلسطينية، والدعم التركي للفلسطينيين في مطالبهم العادلة، سواء وقف الاستيطان في الضفة الغربية، ورفع الحصار الظالم عن قطاع غزة، والأهم دعم المقدسيين في مواجهة سياسة التهويد الإسرائيلية للأماكن المقدسة.

أكثر من ذلك، ترقُّب إسرائيل من كثبٍ التمددَ الحاصل في النفوذ التركي على صعيد المنطقة، وتعتبره منافساً لها، ويمثل ندّاً عنيداً في مواجهتها، لأنه لا يسير في ذات المركب الإسرائيلي، بل إن هذا النفوذ قد يشكّل كابحاً للأطماع الإسرائيلية في الإقليم، بخاصة ما يتعلق باقترابها من الحدود التركية، لا سيما البحرية منها، وحالة الاستقطاب الجارية من قبل إسرائيل مع قبرص واليونان ومصر، ومحاولتها مجتمعةً لـ"تطويق" تركيا من مختلف جهاتها، والحدّ من تطلعاتها المشروعة لفرض سيادتها على مياهها الإقليمية.

في ذات السياق تتابع المحافل الإسرائيلية كيف تحولت تركيا قبلة للعديد من القوى السياسية في المنطقة، ومن مختلف البلدان، ولعلّها في معظمها تحمل أفكاراً ومواقف مناهضة لإسرائيل، مما يزيد مستوى مراقبة الأخيرة للداخل التركي. صحيح أن ذلك يُعتبر تدخلاً سافراً في الشؤون التركية الداخلية من جهة، لكنه من جهة أخرى، ولعلها الأهم، يوضّح دوافع القلق الإسرائيلي من حالة الجذب التي تشكّلها تركيا للعديد من الدول والقوى والتيارات السياسية على مستوى المنطقة.

هذه الأسباب وسواها تدفع صانع القرار الإسرائيلي إلى العمل على متابعة الأنشطة السياسية والاقتصادية التركية بمنظار الأمن والاستخبارات، بزعم أن تركيا تُعتبر ضمن الفضاء الإقليمي لإسرائيل، ومراقبتها تأتي في صدارة عملها الأمني والاستخباري.

يمكن تخمين المهمة الأمنية الأولى لشبكة التجسس الإسرائيلية التي كشفتها أجهزة الأمن التركية بالعمل على جمع المعلومات بصفة أساسية عن كل ما يحدث داخل تركيا، من تطورات حزبية وسياسية واقتصادية واجتماعية، وإن كانت هذه متوفرة في وسائل الإعلام بشكل علني، ولا تحتاج إلى كثير عناء معلوماتي على صعيد المخبرين والجواسيس.

لكن التطلع الإسرائيلي الأمني يتجاوز ذلك إلى محاولة التدخل بين الأحزاب التركية، والتحريض بينها، لا سيما مع اقتراب العد التنازلي للاستحقاق الانتخابي 2023، وتعوّل عليه إسرائيل كثيراً في تغيير المشهد السياسي القائم في تركيا، نحو اتجاهات لا تخفى على أحد.

مهمة ثانية لا تقلّ عن الأولى تتمثّل في رصد التحركات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للوافدين إلى تركيا، أفراداً ومؤسسات وجمعيات وقوى سياسية، لا سيما تلك التي على احتكاك دائم بإسرائيل، لا سيما العربية منها، والفلسطينية على وجه الخصوص، بزعم أنها تتمتع بأريحية في العمل والتنقل واستصدار التصاريح اللازمة والتراخيص المطلوبة لتلك الأنشطة التي تتم وفقاً للقانون التركي، وهي حريصة أكثر من سواها على التزامه، عملاً بأصول الاستضافة التركية من جهة، ومن جهة أخرى لإعفاء الدولة التركية من أي مراجعات أو ملاحظات تصل إليها بسبب عدم التزام هذه الجهة أو تلك، القوانينَ المرعية داخلها.

لا يبدو في هذه الجزئية بالذات أن الأمن الإسرائيلي كان سيكتفي بجمع المعلومات والبيانات والمعطيات عن هذه الأوساط بالذات، بل إنه قد يتقدّم خطوة أخرى إلى الأمام من خلال محاولة استهداف مَن قد يراه يشكّل خطراً عليه، في محاولة لاستعادة أحداث وقعت في عواصم أخرى في المنطقة.

صحيح أن تركيا ليست كسواها من البلدان الأخرى التي شهدت انتهاكاً لسيادتها، وغضّت طرفها عنها، وبلعت إهانتها كأن الأمر لم يكن، لكن الأتراك -هكذا أظن- يعلمون تماماً أنهم أمام جهاز كالموساد يسعى دائماً لترميم صورته الردعية التي تضررت كثيراً مؤخراً، ولو كان ذلك على حساب توتر، وربما قطيعة، مع دولة كبرى مثل تركيا، لذلك جاء الكشف التركي سريعاً عن شبكة التجسس الإسرائيلي، ربما لإرسال رسالة سياسية وأمنية واضحة إلى تل أبيب مفادها: "كونوا حذرين، وإياكم أن تحاولوا لدينا تكرار ما قمتم به في عواصم أخرى، إياكم"!

يبقى السؤال: إلى أي حدّ ستسهم هذه الضربة الأمنية التي وجّهتها تركيا إلى إسرائيل في وقف الأخيرة عن محاولة التجسس على أنقرة، لا سيما وهي تعلم أن ما تحتفظ به المخابرات التركية من معلومات عن تلك الشبكة يمنحها مزيداً من الأدوات والوسائل الكفيلة بالتعرُّف على أي محاولات تجسسية إسرائيلية قد تنشأ، ولو كانت في مهدها؟

ولعل هذا مكمن القلق الإسرائيلي، لكن ذلك لا يعني البتة أن تتوقف هذه الدولة عن استهداف تركيا في مختلف القطاعات: سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً، وهو الأخطر، لأنه المفتاح الحقيقي لأي عبث إسرائيلي متوقع داخل تركيا، التي من المتوقع أن تبدي مزيداً من الحذر والاستنفار تجاه أي عبث إسرائيلي جديد بساحتها الداخلية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي