يتمرد الجيل الحديث على الوصاية الاستعلائية، وليس الأخلاق بحد ذاتها كقيمة إنسانية خيّرة، لكن، غالباً ما يُترجَم تمرُّده إلى شعور مجتمعي، بنوع من الفوضى، يُواجَه بالرفض المضاد من جيل الآباء، سيما من الطبقات الاجتماعية الوسطى والدنيا.

بات مصطلح الأخلاق كثيراً ما يثير لدى جيل الشباب الامتعاض والسخرية، إذ نلاحظه أصبح موضوعاً مُلهِماً بالنسبة إلى مصمّمي الكوميكس على منصات التواصل الاجتماعي، ومحرري موادّ الصحافة الساخرة.

هو الشباب ذاته الذي يشيد ويشدو بدعوات الإنسانية من التضامن والتعاطف مع الآخر، ونبذ العنف، ونشر الفنون الجميلة، ونجده ينخرط في مؤسسات خيرية تُعنَى بتقديم العون المعنوي والمادي للمحتاجين وضحايا الطوارئ الفاجعة، وفي ذات السياق لاقت دعوات مناهضة التنمر والتحرش الجنسي والعنصرية قبولاً واستحساناً وتفاعلاً ملحوظاً، عبّر عنه عدد المنشورات الملحقة بهاشتاغات تلك الدعوات، بديل الرأي العامّ بمفهومه التقليدي.

وهنا نطرح سؤالنا: لماذا الامتعاض إذاً، إن كان مصطلح الأخلاق، كقيمة متسامية يشتمل على كل تلك القيم الإنسانية ولا يتعارض معها على الإطلاق؟ هل لدى الشباب تعريف آخر له؟ وما منظورهم إليه؟ في واقع الأمر، حين تتوجه بالسؤال إلى أغلب هؤلاء الثائرين والساخرين، سنجد الإجابة تتطابق مع مجادلة الشابّ السفسطائي ثراسيماخوس في جمهورية أفلاطون، ورؤيته للأخلاق بأنها محض صنيعة بشرية مفروضة من أعلى السلطة بتمثُّلاتها السياسية والدينية والطبقية، من أجل استغلال العوام والتحكم بهم بوصفهم قطيعاً وعبيداً ضعفاءَ وجهلاءَ، وهو نفس منظور الفلسفة المادية التاريخية التي أثقلتها الداروينية والفرويدية، وصاغتها في قانون "البقاء للأقوى".

وللمرء أن يتخيل كيف يتبنى الإنسان نهجاً إنسانيّاً يُعنَى بالعطف ومحبة الآخر ومساعدته على التحقق من إنسانيته على نحو يعكس نفساً هشة ناعمة، وفي الوقت ذاته، يؤمن ضمنيّاً وعلى نحو مناقض، بأنّ البقاء للأقوى، ولا مكان لشيء يُسمَّى قيمة أو أخلاقاً لأنها سمة الضعفاء الخانعين. كيف نفسّر هذا التناقض؟ هل هو تخبُّط عشوائي تعاني منه الأجيال الحديثة؟ ومن المسؤول؟

المجتمع العربي يعاني من تحولات عنيفة تتطلب من جماعات النخب ومنتجي الفكر مراقبتها وتفكيكها بموضوعية إذ إنّ نسقَي الدين والثقافة شهدا انفتاحاً على ثقافات العالم المتعددة في إطار سياسات العولمة.

إيمان النمر

بدايةً، لنتفق على أنّ المجتمع العربي يعاني من تحولات عنيفة تتطلب من جماعات النخب ومنتجي الفكر مراقبتها وتفكيكها بموضوعية، إذ إنّ نسقَي الدين والثقافة شهدا انفتاحاً على ثقافات العالم المتعددة في إطار سياسات العولمة التي بلغت ذروتها في العقدين الأخيرين بفضل ثورة الاتصال الجماهيري وفتح آفاق المعرفة التي لم تكن متاحة أمام الشباب، سيما بعد الثورات وحالة الإحباط التي أعقبتها.

وقد باتت عبارة "تضاد الشرق الروحاني مع الغرب المادي" ضرباً من العبث والمخادعة، إذ إنّ تسييس الدين واتخاذه عنواناً لبعض الجماعات الإرهابية، قد جرده من معناه الروحاني والإيمان القلبي اللين، ولما تورط أكثر في جدالات الإعجاز العلمي والإثبات العقلي والتاريخي، انتقل أكثر إلى حيز الوقائع المادية، وبالتبعية اندرج ضمن الآراء النسبية ووجهات النظر التي قد يدحضها ثبت علمي جديد، أو اكتشاف تاريخي، وكان سلاحه الأخير احتكار مفهوم الأخلاق، وحصرها في مجموعة من المعايير الحياتية المتغيرة بطبيعة الحال، تحولت إلى سلطة وصاية استعلائية مصوغة بالأمر المطلق، مما أضر بالمفهوم ذاته وجعله عُرضة للاصطدام مع نزعة الفردانية الحديثة التي تتطلب إرادة الإنسان الحرة في تعيين أنماط السلوك والفكر دون سلطة متعالية.

إذاً، يتمرد الجيل الحديث على هذه الوصاية الاستعلائية، وليس الأخلاق بحد ذاتها كقيمة إنسانية خيّرة، لكن، غالباً ما يُترجَم تمرُّده إلى شعور مجتمعي، بنوع من الفوضى، يُواجَه بالرفض المضاد من جيل الآباء، سيما من الطبقات الاجتماعية الوسطى والدنيا التي تتمسك بالأخلاق على وجه نفعي، بوصفها تشريعاً دينياً ملزماً، ومكسباً أخرويّاً تعويضيّاً عن عناء العالم الدنيوي، وغالباً ما يكون هذا الرفض محمَّلاً بالخوف والرطانة التعبيرية الجوفاء، أي عبارات بليغة فقدت بريقها من كثرة التكرار، هذا العنف الرمزي، أحياناً ما يتحول إلى عنف مادي يتعرض فيه الجسد للإيذاء وربما القتل حال عدم الامتثال.

اكتسب الفضاء العامّ سلطة الردع وأصبح كل مخالف للنسق الأخلاقي السائد عُرضة للسجن والملاحقة والعقاب في الشوارع ووسائل المواصلات ومؤسسات الدولة.

إيمان النمر

ومنحى الخطر يبدأ حين يكتسب الفضاء العامّ سلطة هذا الردع، ويصبح كل مخالف للنسق الأخلاقي السائد عُرضة للسجن والملاحقة والعقاب في الشوارع ووسائل المواصلات ومؤسسات الدولة، مثل ما رأيناه في الآونة الأخيرة من إيذاء بعض الفتيات والنساء غير المحجبات، وتعرض البعض للسجن والطرد من العمل، إلى آخره من هذه الممارسات التي من شأنها تضخيم المسألة، وجعل الفضيلة أو معنى الأخلاق سلاحاً تدميريّاً وغطاءً ثقيلاً يحمي النفاق المجتمعي ووسيلة للاحتراس والمراوغة.

أما تفسير التناقض الذي ينطوي عليه فكر الجيل الحديث ومسارات سلوكه، فيمكن ردّه إلى التضادّ بين نزعة الفردانية، والمجتمع الذي لا يزال قائماً بأنساقه وأبنيته ومؤسساته، التي ظنّ البعض أنها انتهت، بجانب الجدب الفكري الذي يعاني منه هذا الجيل، مما يُعجِزه عن بلورة أنساق ومفاهيم بديلة تناسب توجهاته وتواجه الأفكار القديمة على نحو متماسك يمكن فرضه وتطبيقه واقعيّاً، يضاف إليه تطلعه إلى وجود قيمة ومعنى لوجوده، فمهما أعلن أفراده عن رؤيتهم العدمية للحياة، خصوصاً في ظل الاحباطات السياسية والاقتصادية، فإنهم متعطشون للإمساك بمعنى يعكس تفرُّدهم الإنساني، شرط ألا يكون مفروضاً من خارج ذواتهم.

لذا، يستجيب الشباب سريعاً لدعوات الحسّ الإحساني، لكن المؤسف أنّ وجاهة وجمالية هذا الاتجاه غير مثمرة وغير بنّاءة، بالعكس هو مجرد تنفيس وقتي للشعور بالارتقاء الذاتي الذي سريعاً ما يزول، وهو ما دعا الكونت سبونفيل إلأى أن يسميه "الملائكية التافهة"؛ أخلاقية تطهُّرية يتبناها المرء، قد لا تختلف جوهريّاً عن الأخلاق الميتافيزيقية التي ثار ضدّها.

هذه الأخلاقية النيوليبرالية التي بلع طُعمها الجيل الحديث، ليست بقيمة إنسانية بديلة من شأنها علاج آلام البشرية جذريّاً، بل هي تجميل للنظام وسد فراغ هش، أخلاقية في واقع الأمر، مضحكة؛ مثلاً، تُوجِب على الثريّ التبرُّع للفقير وتضميد جراحه، وألا نكون عنصريين في قولنا له يا فقير، لكن لا مانع من الإبقاء عليه فقيراً !

الأخلاق في حاجة ماسَّة إلى إعادة صياغة راديكالية شرط ألا تكون فوق بشرية وتضع في الاعتبار نزعة الفردانية الحديثة المتطلِّبة مزيداً من الحريات.

إيمان النمر

يعني هذا المأزق أنّ الأخلاق، بما أنها ليست مرفوضة في حدّ ذاتها، في حاجة ماسَّة إلى إعادة صياغة راديكالية، شرط ألا تكون فوق بشرية، وتضع في الاعتبار نزعة الفردانية الحديثة المتطلِّبة مزيداً من الحريات، والرافضة لكل سلطة متعالية، في ظل مجتمع كوني متعدد الأفكار وأسماء الدين، مما يترتب عليه تعيين قيمة خيّرة يتفق عليها الجميع على اختلافهم. ومن ثمّ، قد يساعدنا مصطلح "الصالح العامّ"، أو " الخير الأسمى للكل" الذي نظّر له الفلاسفة الكلاسيكيون.

نجد في تعريف جورج مور للأخلاق، معنى مقارباً، "البحث العام في ما هو خيّر"، فيما يرى لودفيج فتنغشتاين، وهو الأقرب إلى اعتقادي، أن الأخلاق تعني "البحث في ما هو قيّم، أو في ما هو مهمّ بالفعل، وبمعنى آخر هي البحث عن معنى الحياة، وفي ما يجعل الحياة جديرة بالعيش"، إلا أنّ التعريفين جدليان، فبأي معيار يتحدد الخير أو الشر من عدمه في ظل القول بنسبية القيمة؟ وماذا بعد لو أصبحنا جميعاً خيّرين، أي كيف يتعين معيار الخير إذا انعدم الشر على الإطلاق؟! وما مصدر شرعية المعيار الأخلاقي الذي يلزم المجتمع والأفراد في حال تعدديته وانفتاحه فكرياً ودينياً؟ وما معنى الحياة إذا أصبح المعنى محل شك وتخبط فوضوي؟ هل هي إرادة دون هدف حسب منظور آرثر شوبنهاور أم مجرد رغبة تتلاعب بها ترسبات اللا وعي كما قرّر فرويد، أم قوة طاغية حسب نيتشه فيلسوف الشباب الأول، أم هي منحة إلهية كما يعتقد المؤمنون؟

نقول، إنّ للبشر حرية المعتقد، وفي ما يرونه من معنى لحياتهم وكيفية نشوئها، أما ما نُسأل عنه فهو التزام قيمة سلمية هذه الحياة، وعدم الاجتراء على حق كل حي بأن يعيشها وفق ما خطّط له، دون أن يتعرض للقتل والاضطهاد والتدمير. ومن يختلف أو يخالف، يُجادَل، فالجدل قيمة فكرية اكتسبها الإنسان ونزع بها وحشيته الحيوانية، ليس لنا التنازل عنها.

وعليه، يتحتم ابتعاث فلسفة قيمية ذات لغة ومفردات قابلة لأن تشكّل الحسّ العام المشترك، الذي يثمن قيمة خيرية الوجود الإنساني، دون أن يلغي الشرط السياسي ومساءلة أنساقه التابعة، ومن ثمّ ضرورة إعادة تعيين الحدود الفاصلة بين المجالين الخاص والعام، كذلك تحديد الفارق بين معنى الأخلاق بوصفها قيمة حكم كلية مجردة، وبين التعاليم والشرائع في النسق الديني، والقانون في النسق السياسي، والمعايير في النسق الاقتصادي، والفضيلة أو الضوابط في النسق الاجتماعي، وتلك هي المعضلة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي