بدأ معلمو الأردن الأحد الماضي، إضراباً مفتوحاً للمطالبة بعلاوات مالية مستحَقَّة تكلّف خزينة الدولة الأردنية أكثر من مئة وخمسين مليون دولار سنويّاً.

خطوة الإضراب التصعيدية جاءت رد فعل على قيام السلطات الأردنية بمنع المعلمين من الاعتصام أمام مقر الحكومة، حيث رافق محاولة الاعتصام استخدام القوة في فض المحتجين.

مشهد فضّ الاعتصام كان مجنوناً، أخاف الأردنيين، حتى الأخيار داخل الحكومة شعروا بالقلق والارتياب، لكن على ما يبدو أن التيَّار الصقوري فرض إيقاعه بعدم الموافقة على الاعتصام ومنعه بكل الطرق.

الدولة خائفة من سيناريوهات "الرابع 2017"

حينما أتحدث عن الدولة، أقصد دوائر صنع القرار ومنها الحكومة، هؤلاء جميعاً، في ظلّ الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتشابكة، تخشى بعناية، استغلال الإضرابات المطلبية لأغراض سياسية وأمنية، مِن ثَمَّ خلق مناخات تشبه ما جرى عام 2017 على الدوار الرابع، والتي أسفرت عن إسقاط حكومة هاني الملقي.

لذا، يبدو أن هناك قراراً مرجعياً بمنع الاعتصامات، لا سيما أن الحكومة باتت أكثر عجزاً عن تلبية المطالب الاقتصادية لكثير من القطاعات. هنا قرّرَت دوائر صنع القرار نقل صراع المعلمين من "الشارع والاعتصام" إلى "المدرسة والإضراب".

حكومة عمر الرزاز.. خزائنها عاجزة وخطابها السياسي هزيل

موازنة الحكومة تعاني عجزاً وشحّاً في الموارد وتضخُّماً في النفقات، ولا تبدو قادرة على الوفاء بمصروفاتها، بل على العكس هي ترغب بأن "تأخذ ولا تعطي"، فجميع ممارساتها منذ تشكيلها تقول إنها متخبطة وبالكاد تنجح في الحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي.

من هنا، تبدو الحكومة غير قادرة على الاستجابة لمطالب المعلمين لسبيين:

الأول يتعلق بعجز حقيقي بقدراتها المالية. لكنها ربما تستطيع الاتفاق مع المعلمين على عملية "تحقيب زمني" لمستحقاتهم من العلاوات المالية.

ثانياً يُخشَى أن تصيب عدوى إضراب المعلمين قطاعات نقابية أخرى، فتبدأ بالتلويح بخطوات مماثلة للمعلمين. وهنا ستكون الحكومة أمام معضلة كبيرة وستعرّض الدولة بأكملها لساعات عصيبة. من هنا يرى التيَّار الصقوري ضرورة إفشال مطالب المعلمين خوفاً من العدوى والتراكم.

في المقابل تفتقر الحكومة إلى خطاب سياسي حكيم "محنَّك" قادر على مخاطبة المعلمين وإقناعهم بمنطق "فنظِرة إلى ميسرة". على العكس من ذلك، أظهرت الحكومة حالة إنكار وشيطنة للمعلم، كما أنها احتمت وراء الحل الأمني.

نقابة المعلمين.. أقوياء ولكن!

نقابة المعلمين الأردنيين تأسست عام 2011 استجابةً لحراك الربيع العربي الذي ضرب الأردن، حاله كحال كثير من البلدان العربية.

مَن يعرفْ حال المعلمين في الأردن ويحاولْ أن ينظر بحيادية، يعرفْ جيداً أنهم يستحقون على الأقلّ الزيادة التي يطالبون بها، خصوصاً مع زيادة الأسعار الكبيرة التي طرأت على المشهد الأردني خلال الأعوام الأخيرة الماضية.

ما جرى يوم فضّ الاعتصام، أعطى النقابة زخماً شعبيّاً متعاطفاً، كما أنه ساهم بتصميغ الهيئة العامَّة للمعلمين وراء نقابتهم بشكل لم تعهده حالة اعتراضية في تاريخ الدولة الأردنية.

في المقابل تواجه كل ذلك تحديات، أهمها أن نسبة حساسية أجهزة الدولة تجاه المكاسرة مع نقابة المعلمين باتت أشد وطأة، مِمَّا يعني أننا سنكون بصدد منازلة لا يُستهان بأطرافها.

التحدي الثاني الذي تواجهه النقابة، هو المواجهة مع الرأي العامّ المتأتية من الأضرار الواقعة على أهالي الطلبة جراء عدم ذهاب أبنائهم للمدرسة.

فمن غير الواضح أيهما سينجح، الحكومة أم النقابة، في توجيه الأهالي "الرأي العامّ" نحو تحميل الحكومة أو النقابة مسؤولية ما يجري من تعطل لأبنائهم.

من مصلحة دوائر صنع القرار الابتعاد تماماً عن تحميل المشهد حمولة سياسية كما أن مطالبات النقابة بإقالة وزير الداخلية يجب أن تتوقف وتتلاشى أمام المطالب المعيشية للمعلمين.

عمر عياصرة

ستتعاظم ضغوط مع مرور الوقت على النقابة والحكومة، وستظهر جليّاً لعبة عض الأصابع، فأيهما سيصرخ أولاً سيخسر، إلا إذا جرى الاحتواء وجلس الجميع على الطاولة.

الدعاية والدسم السياسي في خلفية المشهد

الحكومة حرّضَت أدواتها الإعلامية على بثّ معادلة "النقابة في قبضة الإخوان" مستندةً إلى وجود التيَّار الإسلامي الوازن في مجلس النقابة.

هذا التسييس خطير وليس بمصلحة الدولة، فالحمولة السياسية إن تراكمت في مشهد الصراع بين الحكومة والمعلمين، ستغيب المطالب وتظهر السياسة بوزن لا يمكن احتواؤه.

كل ذلك سيفتح شهية أحزاب سياسية وفاعليات نقابية وشعبية للتعبير عن تضامنها مع المعلمين، ما يعني تطوير ديناميكية جديدة للحراك في الشارع، تولّد حركة سياسية وشعبية واسعة النطاق على وقع مزاج عامّ محتقِن، وظروف اقتصادية صعبة ومعقَّدة.

لذلك من مصلحة دوائر صنع القرار الابتعاد تماماً عن تحميل المشهد حمولة سياسية، كما أن مطالبات النقابة بإقالة وزير الداخلية يجب أن تتوقف وتتلاشى أمام المطالب المعيشية للمعلمين.

الاعتراف سيد الحلول.. ورئيس الوزراء غائب

خطوة الحلّ الأولى للأزمة تبدأ من اعتراف الحكومة بعلاوات المعلمين بعيداً عن ربطها بأداء الطلبة، من ثم يمكن الحديث عن عملية جدولة وتنازلات متبادلة.

اللافت أن رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز غائب عن الاشتباك المباشر مع الملفّ، ولا نعرف أسباب هذا الاختفاء. لعلّ ذلك يؤكّد عجز الحكومة واعتمادها على مؤسَّسات أخرى كي تخرجها من المأزق.

الحوار هو الحلّ.. ولا داعي لسفك المنظومة الأخلاقية

قناعة الجميع أن طاولة الحوار قادمة لا محالة، وأنها الحل النهائي المؤكَّد، في أثناء ذلك يحاول كل طرف تقوية أوراقة وزيادة وزنه في لعبة الأوراق وقيمتها.

تجمع مئات المعلمين في الميدان بالقرب من مبنى الحكومة في عمان ، العاصمة الأردنية ، في مظاهرة طالبوا فيها بزيادة الرواتب بنسبة 50 في المائة وسط انتشار أمني كثيف. 
تجمع مئات المعلمين في الميدان بالقرب من مبنى الحكومة في عمان ، العاصمة الأردنية ، في مظاهرة طالبوا فيها بزيادة الرواتب بنسبة 50 في المائة وسط انتشار أمني كثيف.  (AA)

لذلك، عامل الوقت مهمّ، وجولات الحوار السابقة التي فشلت أرسلت برسائلها الواضحة أن "مكاسرة الميدان" ستكون لها الكلمة العليا في حسم شكل الطاولة.

في الأثناء يتمنى كثيرون أن لا تذهب الأطراف لا سيما الحكومة نحو ممارسات تهدر الأخلاق عنوانها شيطنة المعلّم وإظهاره بصورة لا تليق بمدرس الأجيال. فليكن الصراع مطلبياً أخلاقياً، وليبتعد الجميع عن الدسائس.

ختاماً.. الأزمة الاقتصادية حبلى بأيام صعبة

في الختام، يحسن بمؤسَّسات القرار الأردنية إدراك أن الأزمة الاقتصادية "ولّادة" بطبيعتها لحراكات مطلبية، فكلما ضاقت مستويات المعيشة على الناس، ستجدهم يسعون إلى الاعتراض والإضراب والمطالبات.

من هنا لا بد من تفكير أردني يغادر الصندوق، ويتجنب الأمننة. لا بد من حلول خلاقة تبدأ خطوتها الأولى بمصارحة ومكاشفة يقوم بها سياسيون محترفون تحتاج إليهم السلطات على عجل.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي