الرئيس التركي رجب طيب أردوغان  (Others)

بهذه الكلمات عبر الرئيس التركي أردوغان يوم الجمعة الماضي عن المعضلة المزمنة التي تواجه صانع القرار التركي في ما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل، وذلك بين الرغبة بإعادة ترميم العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب، والحفاظ على الموقف الداعم للقضية الفلسطينية.

تصريح أردوغان الأخير جاء بعد عدد من الخطوات التي فُهمت على أنها رسائل من أنقرة لتخفيف التوتر الدبلوماسي، والعمل على تحسين العلاقات الثنائية التي شهدت صعوداً وهبوطاً منذ حادثة "مافي مرمرة" في مايو/أيار 2010.

هذه الرسائل التركية كانت قد سبقتها رسائل من قبل الطرف الإسرائيلي أشارت إلى رغبة تل أبيب بترميم العلاقات الثنائية التي طغى عليها التوتر في السنوات الأخيرة، حيث جاءت آخر حلقات التوتر بين الطرفين في منتصف 2018، بُعيد مسيرات العودة التي أطلقها الفلسطينيون في قطاع غزة، والتي دفعت تركيا لدعوة سفيرها في تل أبيب إلى أنقرة للتشاور، والطلب من السفير الإسرائيلي مغادرة تركيا، احتجاجاً على استخدام إسرائيل للعنف المفرط وفق بيان وزارة الخارجية التركية.

غياب السفراء في كلا البلدين، واقتصار التمثيل الدبلوماسي على مستوى القائم بالأعمال، عبّر عن حالة البرود التي خيمت على العلاقات، فضلاً عن التراشق الإعلامي المستمر، وإن كان التعاون في بعض المجالات الأخرى، كالمجال الاقتصادي، استمر على ذات الوتيرة السابقة.

أهم الرسائل الإسرائيلية لتركيا جاءت عبر القائم بالأعمال الإسرائيلي في أنقرة روي غيلاد، الذي كتب في الحادي والعشرين من شهر مايو/أيار الماضي مقالة تحت عنوان "المصالح الإسرائيلية-التركية المشتركة: بما فيها إدلب ومواجهة كوفيد-19"، إذ دعا غيلاد في مقالته إلى إعادة تطبيع العلاقات بين الطرفين، مدّعياً أن تطبيع العلاقات لا يتطلب التوافق في الملفات كافة، وأن قائمة المصالح المشتركة بين البلدين طويلة بما فيها الوجود الإيراني في سوريا، ومكافحة وباء كورونا، وخاتماً بالقول إن "الكرة الآن في ملعب الأتراك".

رسالة غيلاد الواضحة، التي جاءت مع تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، كان قد سبقها تغريدة نُشرت في السابع من مايو/أيار على صفحة تويتر رسمية تتبع للخارجية الإسرائيلية، وجاء فيها: "نحن فخورون بعلاقاتنا الدبلوماسية مع تركيا، ونتمنى أن تصبح علاقاتنا أقوى في المستقبل".

وفي ذات السياق جاء الاحتفاء الإسرائيلي باستئناف شركة العال الإسرائيلية رحلات الشحن الجوية إلى تركيا في أواخر شهر مايو/أيار.

في مقابل الرسائل الإسرائيلية الداعية إلى رفع مستوى العلاقات وإعادة تطبيعها، التزمت أنقرة الصمت إلى وقت قريب.

إلا أن انتخاب بايدن لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية -على عكس ما كانت تتمنى إدارة الرئيس أردوغان- أعاد ملفّ العلاقات مع إسرائيل إلى أجندة صانع القرار التركي.

حالة التنافر بين الرئيسين بايدن وأردوغان يُتوقع أن تُلقِي بظلالها على العلاقات الأمريكية-التركية المتوترة، وبذلك على الاقتصاد التركي، مما دفع بأنقرة إلى تخفيض حدّة المواجهة في عديد من الملفات وإرسال رسائل تجاه إسرائيل والاتحاد الأوروبي على حد سواء.

هذا فضلاً عن سعي أنقرة لتخفيض حدة التوتر في علاقاتها مع السعودية ومصر. وبهذا فإن التقارب التركي المحتمَل يختلف في دوافعه وسياقاته عن حركة التطبيع الأخير التي شملت كل من الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والسودان، والمغرب، التي تمّت تحت رعاية إدارة ترمب.

أولى الرسائل التركية المقابلة جاءت عبر ترشيح سفير تركي جديد في تل أبيب، وذلك في إطار حركة التعيينات الأخيرة التي جرت في بداية الشهر الجاري، التي تم قراءتها على أنها جزء من محاولات أنقرة إعادة التموضع الدبلوماسي في ظل التحضيرات لتولّي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.

ترشيح أفق أولوتاش سفير تركيا الجديد، الذي لم يتم اعتماده رسمياً بعد، تم قراءته على أنه رسالة من أنقرة بنيتها ترميم العلاقات، إذ يُعرف عن أولوتاش قربه من دوائر صنع القرار في تركيا، كما أنه يتمتع بخبرة أكاديمية وبحثية في ما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية التركية وقضايا الشرق الأوسط على وجه التحديد، إضافة إلى معرفته للغة العبرية.

تعيين أولوتاش تلاه تصريحات من قبل مسعود جاشن عضو لجنة الأمن والخارجية في رئاسة الجمهورية التركية، أكد فيها وجود محادثات ثنائية بين الطرفين، كما عبّر فيها عن أمله بعودة العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء بين الطرفين في شهر مارس/آذار القادم.

وفي السياق نفسه تحدثت تقارير عن محاولات أذربيجانية يقودها الرئيس الأذربيجاني علييف لتحسين العلاقات بين حليفيه التركي والإسرائيلي،اللذين ساهما بإمداده عسكرياً خلال حربه الأخيرة مع أرمينيا.المحاولات الأذربيجانية أكدها وزير الخارجية الأذري في اتصاله الهاتفي مع نظيره الإسرائيلي مؤخراً.

وبالتوازي مع التحرك الرسمي، تدفع أوساط في تركيا باتجاه ترميم العلاقات بين تل أبيب وأنقرة، بحجة أن ذلك سيساهم في تحسن موقف تركيا في شرق المتوسط، وهي المنطقة التي أصبحت في الآونة الأخيرة على سلّم أولويات المؤسسات الأمنية والسياسية، بل وحتى الاقتصادية في تركيا.

وعلى رأس الداعمين لهذه الرؤية الأدميرال المتقاعد جهاد يايجي، الذي تُنسب إليه هندسة اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، التي تم توقيعها في تشرين الثاني/نوفمبر 2019. وحسب هذه الرؤية فإنه من الممكن توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بين أنقرة وتل أبيب، تماثل الاتفاقية بين أنقرة وطرابلس، ما قد يساهم في قلب الموازين لصالح أنقرة في شرق المتوسط.

لكن في المقابل، وفضلاً عن أن هذه الرؤية تستند إلى تفسير إشكاليّ للقانون الدولي وترسيم الحدود البحرية، فإنه من غير المتوقع أن تقوم إسرائيل بالتخلي عن الاصطفاف الإقليمي الحاصل في شرق المتوسط الآن، الذي يعزّز حضورها الإقليمي والدبلوماسي، بغية ترميم علاقاتها مع أنقرة.

وفي السياق نفسه فإن محور "منتدى غاز شرق المتوسط" تَعزَّز في الآونة الأخيرة على حساب تركيا، كما بدا واضحاً من انضمام الإمارات العربية المتحدة مؤخراً للمنتدى بصفة مراقب. وعليه فإن المصلحة والرغبة الإسرائيلية في التقارب مع تركيا على حساب المحور المقابل تراجعت عما كانت عليه سابقاً قبيل تشكيل المنتدى، فضلاً عن أن الفجوة في الثقة بين الطرفين تَعمَّقت في السنوات الماضية إلى درجة يصعب ردمها.

إضافة إلى ذلك فإن الانفتاح غير المسبوق الذي قامت به بعض الدول العربية تجاه إسرائيل، سيساهم في تراجع الثقل الاستراتيجي للعلاقات الدبلوماسية مع أنقرة بالنسبة إلى تل أبيب، التي خطت خطوات هامة في تجاوز حالة العزلة السياسية التي كانت تعاني منها في الماضي.

إضافة إلى محدودية التعاون في مسألة شرق المتوسط فإن العلاقات بين كل من تل أبيب وأنقرة تعاني من مشكلات هيكلية.

هذه المشكلات الهيكلية لا يمكن تجاوزها إلا في حالة وجود نظام حكم غير ديمقراطي في تركيا، كما كان عليه الحال في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، حين وصل التعاون بين الطرفين إلى مرحلة الذروة.

أهم هذه المشكلات الهيكلية تتعلق بالسلوك الإسرائيلي الاستيطاني تجاه الشعب والأراضي الفلسطينية، إذ تلتزم تركيا بشكل واضح رؤية حل الدولتين، ودعم الشعب الفلسطيني في هذا الإطار، وهو ما يمثل رافعة سياسية هامة لصانع القرار التركي سواء على الصعيد الداخلي، أو على الصعيد الخارجي.

وقد كان التدهور الأخير الذي شهدته العلاقات بُعيد الاستهداف الإسرائيلي للمتظاهرين الفلسطينيين في مسيرات العودة في صيف 2018، مثالاً واضحاً على هشاشة أي تقارب بين الطرفين في ظلّ استمرار السياسات الإسرائيلية الحالية.

وفي السياق ذاته فإن العلاقات بين البلدين لا تتمتع بدعم شعبي، بخاصة لدى الأوساط الشعبية التركية، وتحديداً الشريحة الناخبة للعدالة والتنمية الحاكم.

وفي المقابل فإن صعود اليمين واليمين المتطرف في السياسة الإسرائيلية المضطربة، والتي ستتوجه للانتخابات الرابعة خلال عامين، يعمق من الفجوة بين النخب الحاكمة في الطرفين.

الرسائل الأخيرة من قبل الطرف التركي تأتي مدفوعة بالدرجة الأولى بإعادة التموضع الدبلوماسي، والمتعلقة بانتخاب بايدن لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن أنقرة تشعر بحاجتها لتخفيف التوتر مع عدد من اللاعبين في شرق المتوسط، ولهذا فإن محاولات تحسين العلاقات لم تقتصر على الجانب الإسرائيلي، بل تعدتها إلى الجانب المصري في الفترة الماضية.

هذه المحاولات قد تنجح برفع مستوى التمثيل الدبلوماسي وتبادل السفراء بين الطرفين، مما يعني أن العلاقات قد تعود إلى مرحلة ما بعد الاعتذار الإسرائيلي عن حادثة "مافي مرمرة"، لكن الهشاشة ستبقى الصفة الأبرز لهذه العلاقات الثنائية.

وكما قال السفير التركي المرشَّح لتل أبيب أفق أولوتاش في إحدى دراساته السابقة عن العلاقات الثنائية بين البلدين، فإن "مشكلة إسرائيل الوجودية" كدولة قائمة على الاحتلال والهوية اليهودية، ستبقى أهم العقبات التي من الصعب تجاوزها، أمام نسج علاقات طبيعية ومستدامة بين أنقرة وتل أبيب.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي