أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر مفوضية الاتحاد الأوروبي في بروكسل (Yves Herman/Reuters)

انعقدت القمّة بعد شهور من التهدئة الواضحة من جانب أنقرة في الملفات الحسّاسة بالنسبة إلى أوروبا، وهذا ما أقرّت به رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الجمعة 25 يونيو/حزيران، لكنّ القمّة قذفت بالكرة إلى الملعب التركي بدعوة أنقرة إلى "إزالة العقبات المتبقية" أمام إحياء العلاقات المتبادلة.

يبدو واضحاً من أعمال القمة ومخرجاتها أنّ الأوروبيين لا يريدون تأزيم العلاقة مع تركيا، لكنهم يتحدّثون بنبرة مشروطة ولا يُظهِرون استعداداً لفتح الباب أمام شراكة منفتحة على آفاق عضوية الأتراك في النادي، التي ما زالت بعيدة المنال رغم عقود الانتظار المديدة.

مما استجدّ في قمّة بروكسل أنّ قادة دول الاتحاد يحاولون الآن ربط الملفات المتعلقة بتركيا بعضها ببعض في محاولة لإحكام علاقة تعاون مشروط مع أنقرة، وأنّ أوروبا تسعى بهذه المعادلة الجديدة نسبياً لربط سلوكها في الملفات ذات العلاقة بسلوك تركيا ابتداء.

من شأن هذا التوجّه إضفاء مزيد من التعقيد على العلاقات الأوروبية-التركية وإدخالها في فصول جديدة من التوتّر المتعاقب، بخاصة في ملفات الجزيرة القبرصية، والتنقيب في شرق المتوسط، وتفاهمات اللاجئين، دون أن تفتح في المقابل أفقاً جدِّيّاً لعضوية تركيا في الاتحاد أو إحراز تقدُّم عملي في ملف الاتحاد الجمركي.

صار واضحاً بعد انتهاء أعمال القمّة أنّ قبرص ستتصدّر عناوين التوتّر المقبلة، فالاتحاد الأوروبي عبّر بوضوح عن رفض فكرة حل الدولتين في الجزيرة بصرامة وتَمسَّك بمقاربته الفيدرالية، وأعلن أنه يُراقب زيارة الرئيس التركي أردوغان المرتقبة إلى شمال الجزيرة في العشرين من يوليو/تموز.

جاء ملف اللاجئين ضمن أولويات الانعقاد أيضاً بعد أن أظهرت خبرات السنوات الست الماضية استحالة إدارة توافق داخلي في أوروبا بشأن هذا الملف الذي أثار خلافات حادّة بين الدول الأعضاء، وما يمكن الاتفاق عليه هو ببساطة الاستمرار في "تصدير الأزمة" بعيداً، وهذا يتعلق بتركيا أيضاً.

يتحقّق هذا المقصد بتجميع طالبي اللجوء على تخوم القارّة في ظروف بائسة كالتي يشهدها بعض الجزر اليونانية، والعمل مع دول عبور اللاجئين لمنع وصولهم إلى البرّ الأوروبي، وتعزيز قوّة الطرد عند "حدود أوروبا الخارجية"، من خلال وكالة الحدود وحرس السواحل الأوروبية "فرونتكس" التي تواجه انتقادات متزايدة باقتراف انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في عرض البحر.

خرجت القمة ضمن هذه المقاربة بقرارها القاضي بتقديم خمسة مليارات وسبعمئة مليون يورو حتى سنة 2024 لاستيعاب اللاجئين السوريين في دول الجوار السوري لدرء إمكانية وصولهم إلى أوروبا.

لا ترقى الاستجابة الأوروبية في هذا الشأن إلى المطالبة التركية، فمبلغ ثلاثة مليارات يورو منها وحسب المخصص لتركيا يعادل نصف ما تُطالب به أنقرة شركاءها الأوروبيين بالوفاء به، وهو يختصّ فقط باللاجئين السوريين دون غيرهم، مثل الأفغان الذي يمثّلون قسطاً معتبَراً من الساعين للعبور نحو أوروبا. ثم إنّ هذا المبلغ لن يُمنح للدولة التركية مباشرة التي تُدير هذا الملف، فهو سيُخصّص لمنظمات غير حكومية، في رسالة غير ودية نحو أنقرة بطبيعة الحال.

من الرسائل الشائكة التي حملتها القمة أنها عادت إلى التلويح بورقة القانون والحقوق في وجه القيادة التركية، معتبرة أنّ "سيادة القانون والحقوق الأساسية في تركيا لا تزال مصدر قلق كبير".

جاء ذلك رغم أنّ القمّة تزامنت مع تصاعد الانتقادات الحقوقية لسلوك عدد من دول أوروبا في ملفات عدّة، ومن بينها ملف طالبي اللجوء الذين يتكدّسون في ظروف مهينة في اليونان حيث تستهدفهم انتهاكات من جانب سلطاتها، علاوة على الانتقادات الموجَّهة إلى سلوك حرس الحدود والسواحل الأوروبية "فرونتكس". كما تتزايد الانتقادات الموجَّهة إلى بلدان أوروبية بممارسة تفرقة منهجية بحق مواطنيها المسلمين.

يعود توظيف ملف حقوق الإنسان، وبشكل انتقائي كما هو معهود، إلى الواجهة من جديد، بعد نهاية عهد ترمب وصعود بايدن إلى قيادة الولايات المتحدة، فما إن باشرت إدارة بايدن محاولة حشد موقف أوروبي وغربي خلفها في مواجهة روسيا والصين حتى استعملت خطاب الحريات وحقوق الإنسان من جديد لترسم خطوط الوصل والفصل في العلاقات الدولية على هذا الأساس.

لكنّ استدعاء ملف حقوق الإنسان يجري انتقائياً في خطابات السياسات الخارجية الأوروبية، كما تبيّن مثلاً من المواقف الأوروبية مع مصر مثلاً.

جاء ملف حقوق الإنسان ليُضاف إلى ملف اللاجئين، وشرق المتوسط، والجزيرة القبرصية، والاتحاد الجمركي، ومسألة العضوية في الاتحاد، وشؤون أخرى ذات صلة.

تحاول أوروبا -على ما يبدو- أن تربط هذه الملفات بعضها ببعض بشكل ما، ومن شأن هذا أن يزيد تشابكات العلاقات الأوروبية مع تركيا تعقيداً. يُوحِي الأمر عموماً بغياب الإرادة السياسية الموحَّدة ضمن الاتحاد لتحريك العلاقات مع تركيا في اتجاه إيجابي أو بالاستعداد للتعامل مع تركيا متجاوزة التوقعات النمطية الأوروبية، علاوة على صعوبة إحداث توافق ضمن الأسرة الأوروبية في ما يتعلّق بالعلاقة مع تركيا، وبهذه الملفات كل على حدة.

كما تكمن خلف هذا الموقف الأوروبي تحفّظات عميقة على الصعود الإقليمي التركي الذي صار يُوصَف بالتحدِّي لأوروبا، حتى إنّ القمة المشتركة بين المستشارة الألمانية ميركل والرئيس الفرنسي ماكرون في برلين يوم 18 يونيو/حزيران خلصت إلى أنّ روسيا وتركيا تحدّيان كبيران للاتحاد الأوروبي.

لا يتعلّق هذا التحدِّي بموسكو أو أنقرة وحسب، فهو متّصل بالواقع الذاتي لمشروع الوحدة المُثقَل بالأعباء.

فقد اجتمعت أوروبا الموحَّدة في قمّة بروكسل من جديد بعد أن خسرت قسطاً معتبراً من وزنها الاستراتيجي بخروج بريطانيا من الاتحاد، وبتزايد التنافر والتشرذم في الشؤون الداخلية وفي السياسات الخارجية لعواصمها.

أخفقت محاولات مشتركة بذلتها برلين وباريس قبيل القمَّة في إحراز توافق بين قادة الدول والحكومات الذين تباحثوا في بروكسل على عقد قمة أوروبية-روسية، بعد أن تصدّت بولندا ودول البلطيق لهذا المقترح.

كاد هذا المسعى يمنح الأوروبيين فرصة حوار مباشر مع الجار الروسي وإمكانية ضغط جماعي عليه، مع إظهار استقلالية نسبية عن المظلَّة الأمريكية التي تحاول حشد أوروبا خلفها في مواجهة روسيا والصين.

إنّ صعوبات صناعة القرار الجماعي الأوروبي على هذا النحو تؤكّد بالأحرى أنّ الاتحاد الأوروبي لن يكون قادراً غالبا على إنجاز حوار منفتح مع تركيا، بخاصة مع المواقف المتصلِّبة لبعض دوله الأعضاء مثل اليونان وقبرص اليونانية وفرنسا والنمسا.

لكنّ القارّة الموحدة تخسر أيضاً الرِّهان على استيعاب تركيا ضمن مشروع الوحدة المتثاقل بكل ما يعنيه هذا الاستيعاب من تعزيز الوزن الاستراتيجي للقارّة الموحدة ومن فرص اقتصادية واعدة للجميع.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي