صورة تظهر مبنى متضررا بهجوم صاروخي استهدف أربيل عاصمة إقليم شمال العراق (AFP)
تابعنا

وعلى عكس الهجمات السابقة التي ضربت قاعدة حرير والقنصلية الأمريكية، اعترف الحرس الثوري بشنّه هذا الهجوم، معللاً ذلك باستهداف مقرّ للموساد الإسرائيلي، الأمر الذي نفته السلطة الحكومية في كردستان، واصفة الهجوم بـ"الجبان والغادر"، وهو ما وضع حلفاء ووكلاء إيران أمام مأزق صعب، لا سيما في ظل انفراجة حقيقية شهدتها مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة، بعد إجراء زعيم التيار الصدري اتصالاً هاتفياً مع رئيس ائتلاف دولة القانون والقيادي في الإطار التنسيقي الشيعي نوري المالكي، وعقد اجتماع بين قيادات في الإطار التنسيقي وتحالف السيادة، إذ يشكّل الصدر والسيادة عمودين من ثلاثة أعمدة للتحالف الثلاثي المتمسك بأحقيته في الكتلة النيابية الأكثر عدداً داخل مجلس النواب والتي من المتوقع أن تذهب لتشكيل الحكومة بصحبة ثالثهما، وهو الديمقراطي الكردستاني الذي وقع عليه القصف الصاروخي الإيراني الأخير، إذ يترأس الديمقراطي حكومة إقليم كردستان، وتعدّ أربيل مركز ثقله السياسي.

لكن ما الذي دفع إيران إلى تغيير أسلوب هجماتها في العراق، بعد أن كانت تعتمد بشكل شبه كلي على وكلائها لتنفيذ مهماتها -نقصد هنا "الفصائل الشيعية المسلحة" المعروفة باسم الفصائل الولائية- التي انضوت جميعها في هيئة الحشد الشعبي وشنّت خلال السنوات الأخيرة عشرات الهجمات في بغداد والمحافظات، طالت قواعد عسكرية توجد داخلها القوات الأمريكية، ومقارّ البعثات الدبلوماسية الأمريكية في بغداد وأربيل، بالإضافة إلى أرتال الدعم اللوجستي التابعة لقوات التحالف الدولي.

لكن معظم تلك الهجمات لم تعلن الفصائل الشيعية الكبيرة عن تبنيه بشكل رسمي على الرغم من وجود لمسات فصائل مثل "عصائب أهل الحقّ وكتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء" على بعض تلك الهجمات، لكنها نسبتَها إلى جماعاتٍ وهمية مثل "أهل الكهف وكريم درعم وأحرار سنجار وفيلق الولاية وذو الفقار وغيرها"، بل واستنكرت جهات سياسية مرتبطة بفصائل شيعية مسلحة بعض الهجمات، لا سيما تلك التي أصيب خلالها مدنيون، خصوصاً في ضربات استهدفت المنطقة الخضراء ومبنى السفارة الأمريكية في بغداد.

قد يكون الهدف من لجوء طهران إلى تنفيذ هجماتها بنفسها هذه المرة هو إيصال رسالة مباشرة إلى الداخل العراقي والخارج (الدولي) وبشطرين: أحدهما أن إيران لا تخشى توجيه ضربة مباشرة بنفسها داخل العراق وقصف أي هدف تريد والإعلان عن ذلك، وليست بحاجة إلى وكلاء، وهذا بلا شك تغيُّر وتطوُّر لافت في أسلوب الهجمات الإيرانية.

والثاني: أن طهران لا تبالي بقضية الاتفاقات السياسية وتطورات مباحثات تشكيل الحكومة، لا سيما بعد أن رفضت الأطراف السياسية الفاعلة الخيارات التي طرحها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قآني، الذي زار العراق مؤخراً عدة مرات، في هذا الصدد، وأنها (أي إيران) بضربها لأربيل تؤكد أن مصلحة أمنها القومي فوق كل اعتبارات سياسية عراقية وأن أمنها خط أحمر، ولن تسمح بأي تقارب عراقي مستقبلي مع إسرائيل أو من تراه إيران عدواً لها مثل بعض الدول العربية والغربية، وأن الصواريخ البالستية ستدمّر أي موقع ترى فيه طهران تهديداً لأمنها القومي داخل العراق، وما قصفُ أربيل إلا رسالة شديدة اللهجة لما قد تُقدِم عليه الأحزاب والكتل السياسية العراقية خلال وبعد تشكيل الحكومة الجديدة. نحن إذاً أمام نهج إيراني جديد في توجيه الضربات الصاروخية معبَّأ بالرسائل إلى جميع الأطراف.

وعلى الرغم من أن القصف الصاروخي الإيراني طال المبنى الجديد للقنصلية الأمريكية في أربيل، فإن بيان الإدانة للقصف تأخر ساعات من دول مثل بريطانيا وفرنسا وتركيا وألمانيا، ولعل ذلك يفسر بشكل واضح طبيعة رد الفعل الأمريكي، وهي رسالة سلبية إلى الحكومة المقبلة وإلى رئاسة إقليم كردستان نفسها، وحتى الاتصال الهاتفي الذي أجراه بعد ذلك وزير الخارجية الأمريكي مع رئاستَي الإقليم والحكومة العراقية لم يتضمن رسائل تليق بمستوى الحدث، وكما هو معلوم فإن الصواريخ البالستية الإيرانية لم تهزّ السيادة العراقية وحدها، فسيادة واشنطن على أرض قنصليتها في أربيل حفرتها صواريخ "فاتح-110" الإيرانية وسقطت مع جدران مبناها أسطورة "نحرك أسطولاً من أجلك".

ومع الحديث عن المكتسبات التي حصدتها طهران أمام واشنطن في العراق، لا بد من استدراك سلبيات عملية القصف الصاروخي تلك على إيران، إذ أرسلت طهران مع صواريخها رسالة سلبية إلى أتباعها في العراق، مفادها أن أوراق تشكيل الحكومة المقبلة خرجت من يدها وأن العراق صار يشكّل تهديداً لأمنها القومي، وهذا ما دفعها إلى شنّ هذا الهجوم الصاروخي والإعلان عن تبنّيه على الرغم من التقارب بين الإطار التنسيقي والتحالف الثلاثي.

أما الفصائل الشيعية المسلحة فهي الأخرى قد تفضّل الانصهار في مؤسسة الحشد الشعبي -المهيّأة في أي وقت لإعادة الهيكلة- على تخلي إيران عن خدماتها في العراق، خصوصاً إذا خرجت تلك الفصائل من مباحثات تشكيل الحكومة بـ"خُفَّي حُنين"، وهذا يعني أن الهجوم لم يؤثر في التحالف الثلاثي خصوصاً الديمقراطي الكردستاني فحسب، بل انعكس سلباً على حلفاء طهران قبل غيرهم.

وفي الوقت الذي أعلنت فيه الخارجية الإيرانية عن إرسالها عدة رسائل إلى الحكومة العراقية بشأن وجود تهديد مباشر لأمن إيران قادم من العراق والتلميح إلى هجمات أخرى مستقبلاً، زار رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي بصحبة وفد أمني رفيع مدينة أربيل وتجول في المناطق المستهدفة في القصف والتقى في زيارته سلطات الإقليم، ولم يتطرق مكتب الكاظمي إلى أي معلومة بشأن تفاصيل الزيارة سوى نشر صور وعناوين مقتضبة للزيارة، أما سلطات الإقليم فأعلنت في وقت سابق عن خلوّ مناطقها من أي قواعد أو مقارّ إسرائيلية وكذّبَت الرواية الإيرانية، ولعل نتائج اللجنة التحقيقية التي اتفق مقتدى الصدر ومسعود بارزاني عليها ستكون هي الموقف الرسمي للحكومة العراقية الذي من المتوقع أن يكون مطابقاً لرواية حكومة إقليم كردستان العراق، لا سيما أن الكاظمي التقى خلال زيارته صاحب البيت الذي طاله القصف الإيراني وادّعت طهران أنه كان قاعدة للموساد الإسرائيلي.

تغيير إيران لاستراتيجيتها في ضرب المواقع التي تعدّها معادية لها داخل العراق، له تبعاته خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، واعتماد طهران ضرب أهداف في العراق ردّاً على الاستهدافات الإسرائيلية لمواقعها في سوريا تطوّر إذا لم يضع العراق وحلفاؤه له حداً فقد يكون بداية لهجمات أشدّ فتكاً لا سيما في بغداد وأربيل والأنبار.

أما الموقف الأمريكي ومعه التحالف الدولي وحتى الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية فعليها ألف علامة استفهام، وفي ظلّ ذلك لا نستغرب عدم تَطرُّق أي جهة سياسية إلى ذكر اسم "إيران" بصريح العبارة في بيانات إدانة القصف، كما لم يعقد مجلس النواب جلسة طارئة لمناقشة هذا التطور الخطير، مما يعني أن لا أحد في الداخل متشجع للمجازفة وتحمُّل ردود الفعل غير المحسوبة للفصائل المسلحة وربما حتى الحرس الثوري، خصوصاً مع الموقف الدولي الهزيل تجاه الحدث. والسؤال: إلامَ قد تلجأ طهران إذا جاءت حكومة عراقية لا تلبّي طموحاتها، وتكون أقرب إلى المحور المعادي لها؟

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي