قد يصعب على إيران أن تمرر الإهانة الأمريكية باغتيال سليماني الذي يمثل الشخص الثاني من حيث الأهمية بعد المرشد خامئني، وتقبل الرد بعمل محدود أو عدم الرد. ولكنها في الوقت ذاته قد لا تتمكن من تحمل الكلفة العالية للقيام بتصعيد كبير على الولايات المتحدة.

فقد هددت إيران بالرد القاسي على الضربة الأمريكية، وجاءت التهديدات على لسان مرشد الجمهورية وقادة بالحرس الثوري، ونفذت تهديداتها بإطلاق صواريخ سقطت على قاعدة عين الأسد وقاعدة عسكرية بأربيل.

وفيما قال الحرس الثوري إن الصواريخ على عين الأسد قتلت 80 جنديّاً أميركيّاً، فإن الرئيس الأمريكي ومسؤولاً أمريكيا نفى سقوط أي قتلى أمريكيين في العراق، مشيراً إلى أن بلاده تلقت تحذيراً قبيل الضربات الإيرانية، وأن الجنود دخلوا الملاجئ قبل وقوعها.

وأكد ذلك متحدث باسم رئيس وزراء العراق عادل عبد المهدي، الذي قال إنه تلقى رسالة شفوية من إيران بعد منتصف الليل (قبل الضربة الإيرانية) تقول إن الرد على قتل سليماني بدأ أو سيبدأ بعد قليل.

هذا الأمر فسره مسؤول بالخارجية الأمريكية بقوله إن إيران أرادت توجيه رسالة أنه "كان بإمكاننا القيام بذلك ولم نفعل" معتبراً أنها "خطوة ذكية" من الإيرانيين الذين أثبتوا أن لديهم "المزيد ليخسروه" إذا قتلوا الأمريكيين. وإثر ذلك صرح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بأن رد بلاده على مقتل سليماني انتهى، كما نشر تغريدة على تويتر تقول إن بلاده لا تريد الحرب.

أما الجانب الآخر من الرد الإيراني، فكان باعتبار أن الهجمات الإيرانية ستؤدي إلى طرد أمريكا من المنطقة، حسبما قال قائد فيلق القدس بالحرس الثوري إسماعيل قآني.

وبدوره اعتبر يحيى رحيم صفوي مستشار المرشد الإيراني أن مقتل سليماني سيؤدي إلى تغييرات سياسية وأمنية وثقافية في المنطقة، دون أن يوضح ماهية هذه التغيرات المقصودة.

وفي موقف مختلف عما أعلنه وزير الخارجية الإيراني قال القائد البارز بالحرس الثوري الإيراني عبد الله عراقي إن بلاده ستنفذ "انتقاماً أشد قريباً" بعد هجومها الأخير.

وجاءت تصريحات عبد الله عراقي بعدما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أمس إن إيران "تتراجع" فيما يبدو عقب الهجوم.

دور وكلاء إيران في المواجهة

وأثبتت ردود إيران حتى الآن، أنها تتحاشى التصعيد الشامل أو ذلك الذي يؤدي لوقوع خسائر بشرية في صفوف الأمريكية، خصوصاً بعد تحديد ترمب لـ52 هدفاً داخل إيران لقصفها بقوة إن سقط جنود أمريكيون في الردود الإيرانية.

وفي الوقت ذاته ابتلع ترمب قصف قاعدة عين الأسد ولم يرد عليه، لأنه ببساطة لا يريد التعرض لسلسلة من الردود الإيرانية قد توقع خسائر تؤدي لخسارته في الانتخابات القادمة وتعزز من احتمالات عزله بسبب الاستجواب الذي يتعرض له في الكونغرس.

إلا أن إيران لا تبدو خالية الوفاض من خياراتها العسكرية والسياسية، إذ إنها لا تستطيع الاكتفاء بالرد الحالي المباشر الذي نفذته، وتستطيع اللجوء لوكلائها للاستمرار في المهمة.

ووفقاً لتقرير لوكالة المخابرات الدفاعية الأمريكية، فإن القوة العسكرية الإيرانية تعتمد ثلاث قدرات أساسية هي برنامج الصواريخ الباليستية والقوات البحرية، ووكلاء الفصائل التابعة لها.

وربما تقصر طهران استخدام الصواريخ الباليستية على مليشياتها بحيث لا تتسبب في وقوع قتلى أمريكيين، أما القوات البحرية فمفيدة في استنزاف الوجود الضخم للقوات الأمريكية وليس مواجهته.

ويشكل الحشد الشعبي الذراع القادرة على استهداف الأمريكيين في العراق، حيث نفذ عدداً من الهجمات حول السفارة الأمريكية في بغداد والمنطقة الخضراء ضد القوات الأمريكية. كما قد يهدد السفارتين الأمريكيتين في الكويت وقطر.

ويستطيع الحوثيون قصف منشآت أمريكية في السعودية واستهداف منشآت نفطية لحلفاء أمريكا في السعودية والإمارات. وفي كلتا الحالتين، قد ينكشف الدور الإيراني وتصبح طهران في مواجهة مفتوحة مع واشنطن.

وقد يتدخل حزب الله في المعركة ولكن بشكل محدود مخافة أن ينهار اتفاق 2006 للهدنة ويدفع إسرائيل لمهاجمة لبنان، وهو ما لا تطيقه الأوضاع هناك التي تشهد تحركات ضد الأحزاب السياسية بما فيها حزب الله.

أما الوجود الإيراني في سوريا فضعيف ولا تريد طهران في هذه المرحلة استثارة إسرائيل من خلاله. في حين تتخوف المقاومة في غزة من انهيار التهدئة مع العدو إذا حصل اختلال أمني وعسكري مع الاحتلال.

كما قد تلجأ إيران عبر وكلاء لها وتحت مسميات وهمية لتنفيذ عمليات خارجية ضد مصالح أمريكية في الخارج، ولكن هذا السلوك يبقى خطراً في حالة انكشافه أو اعتقال المنفذين.

تحركات سياسية وعسكرية

وبالإضافة إلى تشغيل إيران لوكلائها في المنطقة، فإن طهران ستعتمد حزمة من التحركات، من بينها تشجيع حلفائها في العراق من حركات وسياسيين للضغط على الولايات المتحدة لإنهاء وجودها في العراق، وهو ما تحقق سياسيّاً باتخاذ البرلمان العراقي بياناً بهذا الشأن، وقد تتبعه خطوات شعبية تحول الاحتجاجات على الأوضاع الاقتصادية باتجاه الوجود الأمريكي في السفارة وغيرها.

كما قد تلجأ لإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، ما قد يتسبب في أزمة عالمية، حيث سبق وأن قال ترمب متهرباً من حماية المضيق إن مسؤولية أمنه تقع على عاتق الدول التي تستفيد منه.

وأخيراً، أعلنت طهران عدم التزمها بالقيود على برنامجها النووي، وأبقت الباب مفتوحاً للحل السياسي باستمرار التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكي تتفاوض لإبقاء الاتفاق النووي. وحينها ستطلب طهران بأن يكون ذلك مقروناً برفع الحظر وانتفاع إيران من فوائد الاتفاق.

وسيعزز هذا الأمر من دور القوى السياسية العالمية للتدخل لحل الأزمة، وسيقوى دور الصين في حربها التجارية مع أمريكا وروسيا في مواجهة الحصار الأمريكي لها، ويشجع أوروبا في مطالبتها بإعادة الالتزام بالاتفاق النووي مع إيران والموقَّع في 2015.

الاستنزاف بدل المواجهة

ويبدو أن إيران لجأت لاستنزاف الأمريكيين بما يسمى سياسة الهاوية التي تجيدها، بما قد يقود لخسائر أمريكية تضعف حظوظ ترمب في تجديد رئاسته لأربع سنوات قادمة مالم يخفف الحصار عن إيران أو يضطر لحرب معها، تضيع فرصة إعادة انتخابه لأربع سنوات قادمة كرئيس للولايات المتحدة. ويحمل هذا المنهج في المقابل مخاطرة قد تُعرّض مستقبل إيران ككل للخطر.

ولذلك فإن إيران ستستخدمه بحذر شديد، وستواجهه واشنطن هي الأخرى بنفس الطريقة. وفي هذا السياق قال ترمب إنه سيطلب من حلف شمال الأطلسي "الناتو" القيام بدور أكبر في الشرق الأوسط، في محاولة لدفعه للاشتراك في مواجهة إيران، وهو منهج لن يلقى استجابة كبيرة من الحلف.

وسيكون الزمن كفيلاً بتبيان نتائج هذه المرحلة وتطوراتها الممكنة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي