تتحمل السعودية الجزء الأكبر من عبء إنجاح "اتفاق الرياض"، فيما لو افترضنا أن هذا الاتفاق جزء من التدابير السعودية الرامية إلى توحيد الصف اليمني لمواجهة استحقاق دحر الانقلاب المدعوم من إيران في صنعاء.

مساءُ يوم الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 2019، الذي شهد التوقيع على "اتفاق الرياض"، في قصر اليمامة بالعاصمة السعودية، مرَّ كأي مساءٍ آخر بالنسبة إلى كثير من اليمنيين الذين شهدوا قبل هذا الحدث وقائع لا يمكن لهذا الاتفاق أن يتجاوز آثارها أو يمحو صورتها السيئة في أذهانهم.

قبل لحظة التوقيع على هذا الاتفاق بنحو شهرين وسبعة أيام تَعرَّض الجيش الوطني على مشارف عدن وفي محافظة أبين للقصف المباشر من طيران الإمارات مما أدى إلى استشهاد 300 جندي وضابط على الفور، عندما كان هذا الجيش على وشك تأمين المحافظتين وتطهيرهما من الانقلاب الانفصالي.

خرجت بعدها وزارة الخارجية الإماراتية لتصف ما حدث بأنه كان استهدافاً لمجاميع إرهابية شكلت تهديداً على التحالف في عدن. والحقيقة أن هذه المجاميع كانت تهدّد أكثر خيارات التحالف وأهدافه سوءاً على حاضر ومستقبل اليمن وعلى أولوياته الملحَّة المرتبطة بهذه الأهداف في عدن والمحافظات الجنوبية، والتي لن تتحقق إذا ما استعادت السلطة الشرعية ولايتها ومارست نفوذها بشكل كامل في الأراضي المحررة.

لأجل ذلك لا يمكن النظر إلى اتفاق الرياض على أنه "حدث تاريخي بمعنى الكلمة" كما وصفه وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش، ولن "يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون والشراكة، وتوحيد الجهود للقضاء على الانقلاب واستئناف عمليات التنمية والبناء، خاصة في المحافظات المحررة" كما جاء في ديباجة هذا الاتفاق.

قد تبدو هذه نظرة تشاؤمية في نظر البعض، لكنها في الواقع تستند إلى إرث مثقل بالأمثلة السيئة على التدخل السعودي في اليمن الذي لم يضمر الخير لهذا البلد مطلقاً.

وأضيف إليه في السنوات الأخيرة التدخل الإماراتي، الذي يأتي على خلفية وعيد أطلقه حاكمها السابق زايد بن سلطان، بإعادة الجنوب دولة مستقلة كما كان قبل 22مايو/أيار 1990، ردّاً على حرب صيف عام 1994 التي اندلعت في ذلك الوقت بين طرفي السلطة في الدولة الموحدة، وكانت السعودية والإمارات تمدّ يد العون فيها إلى الانفصاليين الجنوبيين قبل أن تجبرهم واشنطن على التراجع والتسليم بأحقية اليمنيين في الإبقاء على وحدتهم.

شارك محمد بن زايد في حفل التوقيع على "اتفاق الرياض"، وحفلت الكلمة المقتضبة لوليّ العهد السعودي بعبارات الثناء للتضحيات الإماراتية في حرب اليمن، في استرضاء لكبرياء إماراتية انكسرت أمام موجة الغضب الشديدة التي عبر عنها اليمنيون ردّاً على دعم أبو ظبي العلني والمكشوف للانفصال، وتدخلها المباشر في قصف الجيش الوطني، الأمر الذي عجّل انسحابها من عدن بعد انتفاء أي صيغة يمكن أن تستوعب بقاء الإمارات طرفاً داعماً للشرعية في الوقت الذي تحولت فيه إلى أكبر مصدر تهديد وجودي لهذه السلطة.

ليس هيّناً أن يقبل اليمنيون فكرة أن يجري تنصيب بن زايد راعياً لاتفاق سلام ينصرف إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي للشرعية، وهو الذي يتعين عليه أن يعتذر أولاً وقبل كل شيء عن الجرائم التي ارتكبها بحق اليمنيين، وعن السياسات التي عمّقت الانقسام اليمني، وحرّضت على الانفصال، وغذّت أسوأ موجة كراهية مناطقية بين المكونات اليمنية نجمت عنها حملة تهجير قسرية طالت آلافاً من اليمنيين من المحافظات الجنوبية التي يرتبطون فيها بمصالح اقتصادية واسعة بالنظر إلى أنهم يمثلون 80 بالمئة من الطاقة التشغيلية للسوق في تلك المحافظات.

في 23 من شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2011، أي في الشهر نفسه، شهدت الرياض حدثاً مهيباً وأكثر أهمية من هذا، حينها جرى التوقيع على "اتفاق المبادرة الخليجية" و "آليته التنفيذية"، وهو الاتفاق الذي حمل الرئيس السابق علي عبد الله صالح على التنازل عن السلطة لصالح الشعب اليمني الذي خرج في ثورة شعبية عارمة على نظامه في الحادي عشر من فبراير/شباط 2011.

لكن ذلك الاتفاق على أهميته لم يشكّل ضمانة كافية لليمنيين من غدر جارتهم الكبرى التي أصبحت بموجبه وصيّاً على اليمن، وهي وصاية استغلتها في تقويض النظام الانتقالي الهَشّ، عبر تشجيع الرئيس المخلوع لقيادة ثورة مضادة على النظام الانتقالي، بالشراكة مع الحوثيين الذين تم استدعاءهم ليكونوا أداة هدم للمرحلة الانتقالية، تسببت في ما بعد في الزج بالبلاد في أتون حرب أهلية عاصفة استدعت تدخلاً عسكريّاً من قبل الرياض رداً على رسوخ النفوذ الإيراني المجاني في عاصمة عربية رابعة هي صنعاء، بفعل المؤامرات والتدابير السيئة للرياض وحلفائها الإقليميين الأكثر سوءًا وفي مقدمتهم الإمارات.

ومن ملاحظة بسيطة لحفل التوقيع تتبدى صورةٌ جديرةٌ بالتأمل، هي أن عبد الناصر الخبجي عضو المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تولى التوقيع نيابة عن المجلس، حرص على وضع علم الدولة الانفصالية على صدره، وهو تصرف ما كان ينبغي أن يسمح به القائمون على البروتوكول في القصر الملكي السعودي.

أقول ذلك لأن هذا الاتفاق وُقع في إطار المرجعيات الثلاث الأساسية للتسوية في اليمن، وهي اتفاق المبادرة الخليجية وآليته التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن بشأن اليمن، وجميعها تُظهِر الاحترام غير القابل للتأويل للوحدة اليمنية ولسلامة التراب الوطني.

ومن أهم ما تضمنه "اتفاق الرياض" تأكيد التزام حقوق المواطنة الكاملة ونبذ التمييز المذهبي والمناطقي، ووقف الحملات الإعلامية المسيئة، وتوحيد الجهود تحت قيادة التحالف لإنهاء انقلاب الحوثي، ومواجهة تنظيمي القاعدة وداعش، وتشكيل لجنة من التحالف بقيادة السعودية لمتابعة تنفيذ الاتفاق، ومشاركة المجلس الانتقالي في وفد الحكومة لمشاورات الحل النهائي.

وقضى في ملحقه السياسي بعودة رئيس الحكومة وأعضائها إلى مدينة عدن بعد أسبوع من التوقيع عليه، وينصّ على تشكيل حكومة من 24 وزيراً مناصفة بين الشمال والجنوب، يكون المجلس الانتقالي إلى جانب مكوّنات جنوبية أخرى جزءاً منها.

كما يقضي الاتفاق بإدماج المكونات العسكرية والأمنية التابعة للمجلس الانتقالي والمدعومة من الإمارات في وزارتي الدفاع والداخلية.

وثمة علامة استفهام بشأن عودة الرئيس ونائبه إلى عدن، وهناك من يرى في عودة نائب الرئيس على وجه الخصوص إحدى الدلائل القوية على احترام هذا الاتفاق.

من المؤكد أن السلطة الشرعية ستعود إلى عدن، ولكن هذه السلطة حين تعود إلى عدن لن تكون هي نفسها السلطة الشرعية التي كانت في لحظة المواجهة الحاسمة مع المشاريع الهدامة، ومنها الانقلاب الذي نفّذه الانفصاليون بدعم إماراتي في عدن في العاشر من أغسطس/آب الماضي، لأن الانفصاليين أنفسهم سيكونون جزءاً من هذه الشرعية.

ومع عدم اليقين بنيَّات التحالف السعودي-الإماراتي فإن هؤلاء سيواصلون هدم الدولة بطريقتهم، ليكون هذا الاتفاق مجرد "حصان طروادة"، لأنه يوصلهم إلى مفاصل السلطة ويضمن إقصاء أكثر الوزراء والقيادات في السلطة الشرعية إخلاصاً للدولة اليمنية الاتحادية بحجة أنهم دافعوا عن الشرعية في سياق ما أوجبه عليهم الدستور في مواجهة انقلاب عدن الدعوم من الإمارات.

لقد سحب الاتفاق جزءاً مهمّاً من الصلاحيات السيادية لرئيس الجمهورية، التي كانت تتيح له تعيين وإقالة المسؤولين، وباتت رهن رضا الوصي السعودي.

لذا تتحمل السعودية الجزء الأكبر من عبء إنجاح "اتفاق الرياض" فيما لو افترضنا أن هذا الاتفاق جزء من التدابير السعودية الرامية إلى توحيد الصف اليمني لمواجهة استحقاق دحر الانقلاب المدعوم من إيران في صنعاء.

فقد أصبحت اللاعب الوحيد في الساحة الجنوبية، وعليه فإن أي إخفاق ستكون هي المسؤولة عنه، ما لم تلجأ إلى تفسيره بما يعزز قبضتها ويضعف الشرعية ويبرر مزيداً من التمرد وتقويض النفوذ المفترض للشرعية ويشل قدرتها على التعامل مع الاستحقاق الأهمّ وهو استعادة نفوذها على كامل الأراضي اليمنية.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي