لقاء القاهرة بين الفصائل الفلسطينية (Reuters)

ويبدو أن حركة فتح سعت لتطبيق هذه السياسة في اتفاقها مع الفصائل في القاهرة في 2021/2/9، سعياً منها لتمييع قضايا الخلاف الجوهرية مع الفصائل، وترحيلها إما إلى الحكومة والمجلس التشريعي القادمين، وإما إلى الرئيس الفلسطيني.

غموض وتأجيل

لم يضع الاتفاق أي ضوابط للمحكمة الدستورية المشكلة بشكل غير قانوني والتي اتخذت قراراً غير قانوني بحل المجلس التشريعي، بما يجعلها سيفاً مسلطاً على الانتخابات، واكتفى في المقابل بالاتفاق على دور وتشكيل محكمة الانتخابات من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة بدون تحديد نسب، وترك لعباس إصدار مرسوم رئاسي بتشكيلها استناداً إلى التوافق والقانون، ليكون هو المتحكم بها دون أي ضوابط أو قيود.

وأما القضايا المؤجلة والتي تم ربطها بعباس، فكان أبرزها:

- معالجة قضايا وآثار الانقسام عن طريق تشكيل (لجنة) تقدم تقريرها للرئيس عباس بافتراض أنه محايد ومتفق عليه من الكل!

- إطلاق الحريات العامة والإفراج الفوري عن المعتقلين على خلفية فصائلية أو حرية الرأي، وضمان العمل السياسي وعدم ملاحقة المواطنين على خلفية الانتماء السياسي، مع تجاهل أن كثيراً من المعتقلين اعتقلوا على خلفية مقاومة العدو، وهذه لا تندرج تحت البنود السابقة وتتيح لعباس استمرار اعتقالهم، كما لم يتضمن الاتفاق منع ملاحقة المقاومين وتقديم أسمائهم ونشاطاتهم للكيان الذي يقوم بدوره باعتقالهم!

كما ربط الاتفاق إطلاق المعتقلين بقرار من عباس عراب التنسيق الأمني وملاحقة الأطفال في مدارسهم بحثاً عن سكاكين قد يستخدمونها ضد الاحتلال!!

ويجعل ذلك تنفيذ متطلب أساسي من متطلبات نجاح الانتخابات محكوماً برغبات عباس، خصوصاً أن الاتفاق لم يضع إطاراً زمنياً لذلك، وترك تشكيل لجنة رقابة وطنية لمتابعة التنفيذ للمستقبل دون تحديد زمن أو آليات لها!

- تشكيل لجنة بالتوافق بين الفصائل لمعالجة إفرازات الانقسام، وبدلاً من تسمية أعضائها باتفاق مسبق وتحديد وقت لإنجاز تقريرها وتنفيذه قبل أو بالتوازي مع الانتخابات، فقد طلب منها تقديم تقريرها للرئيس الذي قد يحيلها أو لا يحيلها إلى حكومة ما بعد انتخابات المجلس التشريعي للتنفيذ!!

- والأكثر غرابة ممَّا سبق هو الاكتفاء برفع توصية، وليس اقتراحاً متفقاً عليه، بتعديلات على قانون الانتخابات لعباس لكي (ينظر) فيها، وهذا يرهن هذه القضايا بيد عباس ليقرر اعتماد ما يخدم منها تنظيمه فتح وتجاوز ما يضره منها!!

وبالإضافة إلى ما سبق، وبدلاً من أن يتفق على برنامج وطني للضغط على الاحتلال لإطلاق سراح النواب المعتقلين لدى الاحتلال، وضمان مشاركتهم في الانتخابات القادمة، فقد رفعت قضيتهم كتوصية للتشريعي القادم بمعالجة ملفهم!!

كما اتفق على أن تتولى الشرطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة تأمين مقار الانتخابات دون وضع قيود لتدخلها وممارساتها، ودون توضيح ما إذا كانت شرطة غزة هي المعنية أم سيتم الإتيان بشرطة الضفة لضبط الأمن، وهذا يبقي هذه القضية رهناً بمزاج السلطة وعباس، ويهدد فرص نجاح الانتخابات.

أما المجلس الوطني للمنظمة فقد تم إحالة موضوع الأسس والآليات التي سيتم من خلالها استكمال تشكيله من جديد، إلى جولة ثانية من المفاوضات في مارس/آذار، دون الاتفاق على الأسس التي ستحكم تشكيله.

مصلحة السلطة متحكمة

وهكذا، جاء اتفاق القاهرة مكتنَفاً بالغموض، ومرهون التطبيق بدرجة كبيرة بنيات عباس وبمصداقيته في تطبيق الاتفاقات، وذلك رغم أن عباس مختلَف عليه ولا يشكل مرجعية للكل الفلسطيني، وشرعيته الانتخابية منتهية.

وحقق الاتفاق رغبة فتح في انتخابات تخدم مصالحها في استعادة شرعية السلطة ورئيسها المفقودتين، ولتأهيلهما ليحصلا على دور سياسي في تسوية لا يبدو أنها تتمتع بقوة دفع في ظل الموقف الإسرائيلي المتجه أكثر إلى التشدد.

ولهذا الغرض تسعى السلطة لجر حماس إلى اتفاق إن لم يخرجها من اللعبة فسيجعلها، في أحسن الأحوال، معارضة لا تستطيع عرقلة الاتفاقات مع إسرائيل، وخصوصاً ما تعلق منها بالتنسيق الأمني الذي بات الشيء الوحيد المتبقي من اتفاقات أوسلو.

هل تحقق حماس مبتغاها؟

وفي المقابل، تسعى حماس لفرصة تؤهلها للمشاركة السياسية لتخفيف الضغط عليها في الضفة، والتخلص من عبء إدارة قطاع غزة الثقيل والمكلف.

إلا أن ذلك يشكل مقامرة غير محسوبة النتائج لحماس، لأن مشاركتها بشكل فاعل في النظام الفلسطيني فضلاً عن هيمنتها عليه مرفوضة أمريكياً وإسرائيلياً وعربياً ومن السلطة ذاتها التي ستمارس كل الحيل لتحول بالتعاون مع الاحتلال دون تمكن حماس من المشاركة الفاعلة في التشريعي، وقد لا تنفذ انتخابات الوطني أصلاً.

فالمطلوب جر حماس إلى المشاركة دون السماح لها بتحقيق أهدافها، ولذلك جاء اتفاق القاهرة غامضاً وملغوماً بالنصوص الفضفاضة وغير الواضحة، فضلاً عن التسويف والتأجيل وربط التنفيذ بقرارات ومراسيم من عباس.

وتستطيع السلطة ممارسة التزوير المنضبط، وتتعاون مع الاحتلال لتنفيذ حملة اعتقالات واسعة لحماس ورموزها، وترهيب مرشحيها ومنعهم من ترشيح أنفسهم، بهدف تخفيض نسبة فوز حماس من النسبة المتوقعة وهي 35% إلى نسبة 25%، وأما إذا تم تشكيل قائمة مشتركة، فلن يكون لحماس في الحكومة المقبلة مقاعد سيادية، وستقتصر على وزارات الخدمات دون أن تتمكن، عبر المجلس التشريعي أو الحكومة، من عرقلة مسار التفاوض العبثي والمدمر والتنسيق الأمني الذي يستهدف بالأساس أبناء حماس.

وما لم تدخل حماس والجهاد إلى المنظمة بوزن فاعل ومؤثر، فلن يكون لهما قدرة على تنفيذ برامجهما أو منع السلطة من التنسيق الأمني.

كما أن السيطرة الأمنية على قطاع غزة ستشكل عاملاً مفجراً إن أرادت السلطة الجديدة فرض سيطرتها عليه ومحاولة ضبط سلاح المقاومة.

يبدو أن المسار المغامر الذي دخلته حماس في ظل خلافات وتباينات في صفوفها حول هذا النهج، لن يساهم في تحقيق ما تصبو إليه، ما لم تنضوِ في التسوية والاعتراف، بل إن دخول الانتخابات دون اتفاق وطني وتجاهل الفصائل المعارضة والتحالف مع فتح المتناقضة معها في البرنامج، قد يؤدي إلى أضرار فادحة على مسار حماس ويلزمها بتنازلات ويفقدها مصداقيتها وحلفاءها في المعارضة.

فرص نجاح ضئيلة

ويبدو أن فرص نجاح اتفاق القاهرة ضئيلة، لأنه ترك القضايا الأساسية دون حل، ما يجعل بذور فشله قائمة فيه كما حصل تماماً مع اتفاق أوسلو!

فعند محاولة تطبيق أو تفسير النقاط العالقة، وفي حالة عدم التزام عباس بتطبيق ما أحيل إليه، وإذا شعرت حماس أن فتح تريد استغفالها وجرها، فسيكون لها موقف سلبي يحبط الاتفاق.

إن احتمالات الصدام والانقسام تبدو أكثر من احتمالات التوافق والانسجام، فالانتخابات تقوم على التنافس والخلاف، وما لم يسبقها مصالحة وتفاهم على برنامج وطني للحد الأدنى من الثوابت، فإنها ستزيد الانقسام، لا سيما أن عباس وسلطته متمسكون ببرنامج التسوية والارتباط والتعاون مع المحتل!

لذلك نرى أن الانتخابات لن تكون المدخل الصحيح لتحقيق الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال، والذي يستطيع أصلاً التأثير فيها أو منعها عبر الانحياز لطرف السلطة المتحالفة معه أمنياً.

البرنامج الذي نرى أنه هو الصحيح هو الاتفاق الوطني على المقاومة ودعمها، والتحلل من الاتفاقات الأمنية مع الاحتلال وتجريمها، وتفعيل مرجعية الشعب الفلسطيني في الخارج، وتحويل وظيفة السلطة لدعم صمود الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي