يعيش الفلسطينيون في غزة أحداثاً قاسية وصعبة تخللها اندلاع مظاهرات احتجاجية تطالب بتحسين ظروف المواطنين الاقتصادية والمعيشية الصعبة، في ظل معدلات غير مسبوقة من البطالة وشح السيولة النقدية وتردّي أحوال الناس مع اشتداد الحصار المزدوج من إسرائيل والسلطة.

لم يكن متوقعاً من الفلسطينيين في القطاع أن يبقوا مسلِّمين بهذا الوضع إلى ما لا نهاية، بل كان الانفجار متوقعاً، وكل التقديرات أشارت إلى أن يوم الانفجار يقترب أكثر فأكثر، وكلما زادت جرعات الحصار والعقوبات بدأ العد التنازلي لهذا الانفجار الشعبي.

يمكن الإشارة إلى جملة من المعطيات التي تجعل من هذه الاحتجاجات مظهراً عادلاً وأسلوباً طبيعياً للتعبير عن ضيقهم بهذه الأحوال، وعدم وجود بصيص أمل في إمكانية حدوث حلحلة في هذا الانسداد على المدى القريب، بل إنه كلما مر وقت قصير باغتتهم أشكال جديدة من المعاناة والقسوة.

لم يكن سراً أن الحصار الإسرائيلي وعقوبات السلطة الفلسطينية هدفت في الأساس إلى إحداث حالة من الانفضاض الشعبي عن حماس، وصولاً إلى اندلاع ثورة شعبية ذات مطالب إنسانية معيشية بحتة.

عدنان أبو عامر

شملت هذه المعاناة: زيادة معدلات البطالة خاصة في أوساط الشباب والخريجين الجامعيين، وتراجع السيولة النقدية في أيدي المواطنين، ووقف رواتب عشرات آلاف الموظفين من قِبل السلطة الفلسطينية، بما في ذلك تأخر تدريجي لمستحقات الشؤون الاجتماعية التي تخص العائلات المستورة، وارتفاع في أسعار السلع الضرورية للعائلة الفلسطينية في غزة.

لم يكن سراً أن الحصار الإسرائيلي وعقوبات السلطة الفلسطينية هدفت في الأساس إلى إحداث حالة من الانفضاض الشعبي عن حماس، وصولاً إلى اندلاع ثورة شعبية ذات مطالب إنسانية معيشية بحتة، بعيداً عن أي تسييس لها، أو توجيه لمسارها الإنساني العادل.

منذ أن بدأ الحصار الإسرائيلي في 2006، وعقوبات السلطة الفلسطينية التي اشتدت في2017، شهد قطاع غزة بعض الأحداث والاحتجاجات المطلبية، تارة ضد انقطاع التيار الكهربائي ساعات طويلة، وتارة أخرى ضد ارتفاع بعض الأسعار، لكن احتجاجات مارس/آذار الأخيرة ربما شكلت ذروة هذه الاحتجاجات، على الأقل حتى كتابة هذه السطور، في ظل توفر جملة من الأسباب والدوافع والعوامل التي جعلت منها مسألة وقت ليس أكثر، بوصف معظم الحلول التي وُضعت بين حين وآخر كانت مؤقتة آنية ليس أكثر، تقترب من صيغة الإجراءات الترقيعية، لأن الحل الحقيقي في أساسه سياسي بحت، سواء مع إسرائيل أو السلطة الفلسطينية.

تجدر الإشارة إلى أن المعاناة الإنسانية وسوء الحال الاقتصادي في غزة ربما لم يستثن أحداً، حتى إن كوادر حماس وموظفيها يعيشون ذات المعاناة في ظل عدم قدرة الحركة على توفير مستحقاتهم المالية، بسبب الأزمة المالية الخانقة التي تعيشها، وشح الموارد المالية الذي تعانيه منذ سنوات، ما يعني أن الهم بات عاماً ولم يعد يستثني أحداً في غزة، امتثالاً للمثل القائل بأن: "البلاء يعم والرحمة تخص".

لعل نقطة الضعف القاتلة التي رافقت المظاهرات الشعبية والاحتجاجات الجماهيرية في غزة يومي 14-15مارس/آذار، ما صاحبها من تجييش حزبي وتجنيد سياسي وتوجيه واضح من السلطة الفلسطينية من رام الله، وقد تجلى ذلك في جملة الشعارات التي رفعها بعض المتظاهرين المطالِبة برحيل حماس، أو حالة تخريب بعض الممتلكات، ورشق أفراد الشرطة بالحجارة.

أن المعاناة الإنسانية وسوء الحال الاقتصادي في غزة ربما لم يستثن أحداً حتى إن كوادر حماس وموظفيها يعيشون ذات المعاناة في ظل عدم قدرة الحركة على توفير مستحقاتهم المالية.

عدنان أبو عامر

قبل ذلك وبعده أعلنت السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية حالة الاستنفار فور اندلاع هذه المظاهرات، من خلال التبني الكامل لها، والتعامل معها بوصفها مقدمة لـ"إسقاط" حكم حماس في غزة، وإنهاء لحقبة "الظلاميين"، والتخلص من سلطة "الانقلاب"، وعودة غزة إلى "الشرعية".

كان بإمكان هذه الاحتجاجات أن تمر مثل سواها من المظاهرات المطلبية السابقة التي شهدتها غزة خلال السنوات السابقة، إلى أن دخل عليها المسار السياسي والحزبي، ما أخرجها عن وجهتها الإنسانية، وعمل على تحويلها، رغماً عن المشاركين السلميين فيها، إلى محاولة خطوة جديدة لإزاحة حماس عن المشهد السياسي، في ظل ما تقول حماس عن امتلاكها معلومات ووثائق وتسجيلات صوتية وتحويلات مالية وصلت إلى غزة من السلطة الفلسطينية لتمويل هذه المظاهرات.

هل يبرر ذلك أن تتعامل حماس مع هذه المظاهرات بهذه القسوة والشدة؟ إطلاقاً لا، ولا كبيرة أيضاً، في ظل جملة من الأسباب: أولها أن القوة التي تحوزها حماس في غزة تقف مانعاً أمام أي مخطط للانقلاب عليها، فلا داعي للخشية المبالغ فيها من هذه المظاهرات، وثانيها أن مشاهد الملاحقة الميدانية للمتظاهرين والاعتداء عليهم مشهد لا يتساوى مع ما تعلنه حماس من شعارات ومبادئ حول احترامها للحريات في غزة.

ثالث هذه الأسباب أن هذا التعامل الأمني البحت قد يزيل الفوارق بين حماس والسلطة الفلسطينية، صاحبة السجل الطويل في القمع السياسي والأمني، ورابعها أن حماس استطاعت، لو أرادت، أن تعد خطة ميدانية للتعامل مع أي مظاهرات بمنطق العمل الاستباقي دون أي مظاهر تسيء إليها، وخامسها أن الحركة التي يعاني أبناؤها كباقي المواطنين من سوء الظروف، كان بإمكانها أن تدفعهم إلى المشاركة في هذه المظاهرات، وبذلك يكبح جماح أي حرف لمسارها الإنساني والمعيشي.

اليوم تبدو حماس أكثر من أي وقت مضى مدعوة لتلمُّس حاجات الناس وتفقُّد أحوالهم على الرغم من تشديد الحصار عليها من قِبل كل الأطراف، وتقديم لغة الحوار على الأمن.

عدنان أبو عامر

لا شك أن السلوك الأمني الذي رافق التعامل مع هذه المظاهرات أساء إلى حماس، هذا ما لا يختلف عليه اثنان، وأضر كثيراً بسمعتها التي عملت على بنائها سنوات طويلة، ولعل خروج بيان الحركة الذي قدم الاعتذار إلى من طالتهم أيدي الأمن بالاعتداء والأذى يحاول ترميم الصورة التي تضررت.

اليوم تبدو حماس أكثر من أي وقت مضى مدعوة لتلمُّس حاجات الناس، وتفقُّد أحوالهم، على الرغم من تشديد الحصار عليها، من قِبل كل الأطراف، وتقديم لغة الحوار على الأمن، والعمل على إشراك المزيد من شرائح المجتمع في تحمل أعباء الهم العام، على الرغم من بقاء أطراف معنية بإغراق حماس في مشاكل غزة ومعاناتها، وعلى رأسها السلطة الفلسطينية وإسرائيل.

لكن من الأهمية بمكان التأكد بعد اثني عشر عاماً على سيطرة حماس على غزة أنه لا يستطيع طرف وحده القيام بهذه المهمة دون الآخرين، على الرغم من عزوف هؤلاء عن مشاركة حماس، لأنهم قد يرون فيها خصماً سياسياً وندّاً إيديولوجياً، لكن المحاولة تلو المحاولة كفيلة بتجميع الناس حول الحركة، حتى لو اختلفوا سياسياً، لكنهم يشتركون في إدارة شؤون غزة المحاصرة، في انتظار ما قد تسفر عنه تطورات المرحلة القادمة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي