أهذا هو العراق الذي قال عنه سيدنا عمر ابن الخطاب بأنه "جمجمة العرب وكنز الرجال ومادة الأمصار ورمح الله في الأرض وحربة الإسلام وحصن الثغور"؟! فأين هو ذاك العراق الذي قال عنه الصاحب بن عبّاد بأن "الصناعة بالبصرة والفصاحة بالكوفة والخير ببغداد"؟

وهل من خبر يجيء حالياً من العراق خارج نص الدم والدمع والألم والإيلام؟! فقط هي الفداحة القصوى والجراح الغائرة ما يرشح من يوميات دجلة والفرات، لا شيء غير الطائفية المقيتة، والانهزامية الهوياتية، والقتل الرخيص.

لا شيء غير النهب المتواصل لخيرات الشعب العراقي، والتدخل الأجنبي السافر في شؤونه الخاصة، فهل استرخصوا العراق إلى هذه الدرجة البائسة؟

أَيَلِيقُ بعراق الحضارات والإنجازات، أن يصير دميةً تُحرَّكُ خيوطها كبريات العواصم العالمية؟ أيستأهل سليل حضارات بابل وسومر وآكاد وآشور، ومركز الخلافة الإسلامية في العصر العباسي، أيستأهل أن تُدارَ سياساتُه بالاحتكام إلى الطائفية والعرقية القاتلة؟ أليس مؤلماً أن تغدو بغداد مسرحاً للعنف والإرهاب والاقتتال والتجويع؟ أليس مريعاً أن تنتهي بغداد/بيت الحكمة إلى هذه الحال وهي التي وسمت قبلاً بدار السلام، وهبة الله وسامراء المنحوتة أصلاً من عبارة "سُرَّ من رأى"؟ فهل فيك ما يَسُرُّ الناظر اليوم يا بغداد؟

نبحث عن العراق في الكتب والموسوعات، فنجد العلماء والفلاسفة والشعراء، من أمثال نازك الملائكة، ومحمد مهدي الجواهري، وبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي ومعروف الرصافي.

ونبحث عنه في تاريخ نبوغه وشموخه، فنجد اليونسكو، وتحديداً سنة 1977، تشيد بنظامه التعليمي وتعتبره مثيلاً للتعليم في الدول الإسكندنافية، ونعود إلى طفولتنا ونتذكر كيف كانت بغداد تهدينا مجلة المزمار الجميلة وفي المغرب الأقصى بمبلغ زهيد.

هو العراق الذي كان الأول في إبداع الباص الأحمر ذي الطابقين، والذي تزدهي به لندن اليوم، لا نستدل عليه عبر "الريموت كنترول" إلا في خانة الأخبار الساخنة المتصلة بالموت والعنف والفساد السياسي. عفواً إنه العراق المغتصب الذي لا نعرفه ولا يعرفنا.

مُذْ أعدم صدام حسين ذات عيد أضحى، لم يكن حبل المشنقة سوى إيذان بإحكام القبضة على الشعب العراقي، وخنق مباشر لكامل حقوقه في كتابة أمجاد العراق الغابرة، كانت واقعة الإعدام بمثابة قص لشريط رسمي لانطلاق الاحتلال الأمريكي للعراق، واستباحة دماء مواطنيه ونهب خيراته وتاريخه، لقد انطلقت حينها عملية توزيع الغنائم تحت مسميات إعادة الإعمار، وضمان الأمن ومحاربة الإرهاب، وتوطين الديمقراطية، ولاشيء أسهل من إيجاد المبررات للتدخل والاستعمار.

فتنظيم القاعدة والطائفية والداعشية والفساد الإداري والديمقراطية المعيبة، كلها مبررات لإقامة القواعد العسكرية، واستنزاف المخزون النفطي، وكلها موجبة للتدخل الأجنبي. فهذه أمريكا تدافع عن مصالحها، وهذه إيران تدافع عن شيعتها، وتلك بلدان عربية وغربية أخرى تتاجر بآلام العراق وتعزز مواقعها في إطار صراعات حول الريادة الشرق أوسطية.

لقد تعرض العراق لعشرات الضربات السياسية والعسكرية والإيديودينية التي أوقعته أرضاً، ولا يزال يعاني من الضربات التخريبية المباشرة وغير المباشرة، الممهورة بتوقيع الجهات المرئية وغير المرئية، فبعض دول الخليج، كما الكثير من الدول الغربية، لا تريد للعراق أن يستعيد أمجاده، ولا أن يخرج من عنق الزجاجة، يُراد له فقط أن يبقى أسير أزماته الداخلية وصراعاته السياسية، حتى يبقى منصاعاً ومنفذاً للإملاءات التي تصاغ في طهران أو تل أبيب أو البيت الأبيض. والحال أنه بات مثل رقعة شطرنج دموية تتصارع فيها وعليها قوى خارجية، تصفي حساباتها وتسويها فوق جراح شعب لم تندمل.

لنعترف بأن مستقبل العراق ينبغي أن يكون قبلاً وبعداً بيد العراقيين، وألا يصير مرتهناً إلى صراعات إيران وأمريكا، وغيرهما من الدول الأخرى؛ فالعراق للعراقيين، ولا حل لإشكالاته إلا بحوار وطني ومصالحة شاملة، بعيداً عن أية وصاية استعمارية، وذلك بهدف معالجة جذور الصراع والعنف.

فالعراق جدير باستعادة أمجاده وتجاوز نكباته. وعليه فلا يفترض أن يبقى مجرد ساحة قتال خلفية لأطراف دولية وإقليمية، وهو ما لاح بوضوح تام في مسألة اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني.

إن ما يعيشه العراق اليوم من "بؤس" سياسي وتدهور تنموي، ما هو إلا نتيجة مباشرة للاحتلالين الأمريكي والإيراني. فالمحتل، ومهما كانت دفوعاته، يبقى محتلاً، وسيسعى جاهداً لإدامة احتلاله، عبر اختلاق الأزمات، وتعزيز شروط اللا استقرار، لتستمر الحاجة إلى قواعده العسكرية وحشده الشعبي.

ولهذا يُفهم كيف تستمر "الحرب الأهلية" المعلنة/المضمرة بين الشيعة والسنة والعرب والأكراد، وكيف تستعر الحرب مع الدواعش والثغور المفتوحة على سوريا. ففي الأزمة القائمة والمستدامة، تتأكد الحاجة إلى المحتل، إيرانياً كان أو أمريكياً، ولا يهم حينها، أن يجوع ويفقر ويقتل العراقي الحر، بالرغم من كونه منتمياً إلى أرض السواد التي تتفجر من تحتها آبار النفط.

يوماً ما قال علي الطنطاوي إن العراق ينام لكنه لا يموت. فبلاد الرافدين التي كانت موئلاً للأنبياء والصالحين، وموطناً للحضارات والثقافات، ومهداً للتلاقح الفكري والنضال الأبي، لا يمكنها أن تموت وتتداعى لمأدبة اللئام.

إنها البلاد القادرة على صناعة لحظتها التاريخية من جديد، وفق مخرجات الحراك الشبابي الهادر الآن، والذي يرنو إلى هزيمة "سياسة" المحاصصة والطائفية اللعينة، وإعلان استقلال العراق. 

وحده الربيع الديمقراطي قادر على طرد المحتل، أما المستفيدون فمصالحهم مع المحتل لا ضده، "فارسيّاً" كان أو "ساميّاً"، معه تستمر الأزمة وتتحصل المنافع جراء "الاستثمار في المحنة".

ألهذا أنشد بدر شاكر السياب يوماً بأن العراق الحبيب بعيد، وأني هنا في اشتياق إليه أنادي: عراق، فيرجع لي من ندائي نحيب. فلا خبر يجيء من العراق سوى الحداد والحزن والنحيب، أيامنا كلها محن وتاريخنا كله كربلاء، عفواً نزار قباني.

يورد عالم الاجتماع العراقي علي الوردي حكاية عن الإسكندر المقدوني الذي وجد صعوبة بالغة في إخضاع آل العراق سنة 331 قبل الميلاد، فما كان منه إلا أن استنجد بمعلمه أرسطو، كاتبا إليه: "لقد أعياني أهل العراق، ما أجريت عليهم حيلة، إلا وجدتهم قد سبقوني إلى التخلص منها، فلا أستطيع الإيقاع بهم، ولا حيلة لي معهم إلا أن أقتلهم عن آخرهم". فما كان من الفيلسوف المعلم إلا أن رد عليه بالآتي: "لا خير لك من أن تقتلهم، ولو أفنيتهم جميعاً، فهل تقدر على الهواء الذي غذى طباعهم وخصهم بهذا الذكاء؟ فإن ماتوا ظهر في موضعهم من يشاكلهم، فكأنك لم تصنع شيئاً".

لا يهم إن كانت الحكاية صحيحة أو متخيلة، المهم أنها تشير إلى أن الشعوب لا تموت، وإن تكالبت عليها الويلات والمليشيات والاحتلالات، فالعراق باقٍ وإن مزقوه إرباً.

فقط ارفعو أيديكم عن العراق، إنها العبارة الرامزة التي خرج بها الشباب العراقي محتجاً منذ أسابيع، في إطار موجة الغضب العربي، صارخاً في وجه الجميع: "كفى عبثاً بمستقبل بلاد مزقتها الطوائف والمليشيات والأيادي الأجنبية"، فقد نكأتم الجرح وأوغلتم النصل، وما بات العراقي قادراً على تحمل المزيد من الطعنات. كفوا أيديكم وارحلوا، فالعراق للعراقيين.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي