ما الشارع في الثقافة العربية؟ وأي معنى ينطرح به في التداول اليومي؟ وما الذي عرفه من تحولات وديناميات؟ وهل يتعلق الأمر بمجال جغرافي خالص؟ أم أنه استحال، على الأقل منذ الطبعة الأولى من حراك الربيع، إلى متن احتجاجي مثقل بالرمزية والفارقية؟

وما الذي تعنيه"استراتيجية الشارع" التي ينفذها المواطن العربي لمواجهة الأنظمة السلطوية؟ وأية فعالية تحوزها هذه الاستراتيجية في تغيير قواعد اللعب وإجبار الأنظمة على تقديم المزيد من التنازلات؟

من المؤكد أن الشارع باعتباره فضاء عاماً، لا بد وأن يتجاوز مدلوله الفيزيقي الموزع بين رصيف المشاة وممر الراكبين، وذلك إلى معان ثقافية ورمزية وطقوسية أخرى، تجعل منه مَتْناً مجتمعياً، يستجمع المشترك والذاكرة والهوية والانتماء.

فالشارع لا ينحت حيزاً مجالياً خالصاً يدل على التنظيم العمراني للمدينة، كما أنه لا ينحصر عند مستواه الوظيفي الذي يصل ويربط مجالاً بآخر، ويؤمّن الانسيابية المرورية للراكبين والمشائين، وإنما يعد فضاء عبورانياً محتضناً للعلاقات والتواصلات والتفاعلات.

إنه أكبر من أن يكون شكلاً عمرانياً خاماً، أنتجته التهيئة الحضرية للفضاءات العامة، إنه فضاء مفتوح يضمن للجميع إمكان العبور والفعل والتفاعل. كما أنه، وهذا هو الأهم،"مؤسسة" لارسمية من مؤسسات التنشئة الاجتماعية، تؤدي دوراً فاعلاً في تشكيل المخيال وبناء الفُهُوم والتصورات والمواقف؛ فالشارع يسمنا ويبصمنا ويؤثر فينا بروائحه وعلاماته وحكاياته وأوشامه وأطراسه وعنفه وكافة احتمالاته.

إن التنشئة السياسية التي يتعرض لها المواطن العربي، تُعلمه منذ البدء أن الشارع للدولة، وألا حق له في احتلاله أو تملكه أو حتى التصرف فيه، فكل ما يتجاوز الملك الخاص يعد ملكاً للدولة، وليس ملكاً للمجتمع.

وهي القادرة على استعماله كمجال للاحتفالات والاستعراضات التمجيدية أو الحركات المرورية أو المسيرات المناسباتية (كعيد العمال مثلاً). ولهذا يلاحظ كيف تعمل الأجهزة الأمنية على تفريق كل التجمعات المفاجئة وغير المرخصة؛ فالدولة تتهيب من كل تجمع بشري، ولو كان مؤيداً لها وبإيعاز منها. وعليه فليس مطلوباً من المواطن العربي، إلا أن ينسحب من الشارع، وألا يستعمله في غير الهتاف بحياة مالكي وسائل الإنتاج والإكراه، أو الحرص على استعماله الوظيفي/العبوري/المُتْعَوِي المفرغ من أي بُعد سياسي.

يوماً ما قال معمر القذافي لآل ليبيا: "تظاهروا كما تشاءون، ولكن لا تخرجوا إلى الشوارع والميادين"، لقد كان العقيد المخلوع يعي جيداً معنى الاستعمال السياسي للشارع من قبل المواطنين، ولهذا لم يسمح لهم بتجريب الخروج إليه، إلا احتفاءً بالفاتح وتمجيداً لـ"ثورة" العقيد.

ومع ذلك فالمواطن العربي لم يعدم الوسيلة في التحايل على واقع القمع والترهيب، لاجئاً إلى الكتابة على الجدران والخرائب والمراحيض، لإسماع صوته المخنوق، مدشناً أولى بدايات هذا الاستعمال السياسي للأفضية العامة.

الشارع العربي لم يعد مقابلاً للتبضع والاستعراء الجسدي والبيع الجائل. وإنما بات يحتمل معاني سياسية تحيل على المطالبة بالتغيير.

عبد الرحيم العطري

يمكن للأنظمة السلطوية ذاتها أن تسمح بالاستعمال الاجتماعي للشارع، في إطار البيع الجائل والأنشطة الاقتصادية غير المهيكلة، ولو أدى ذلك إلى اختناقات مرورية ومشاكل بيئية، وجمالية تسير في اتجاه "ترييف المدن".

كما أنها ترحب باستعماله الاحتفالي، تمجيداً للزعيم واحتفاء ببعض الانتصارات الرياضية والفنية العابرة. لكنها لا تقبل بالمرة، الاستعمال السياسي للشارع عبر التظاهر والاحتجاج على سياساتها اللاشعبية.

لقد عملت الأنظمة السلطوية في الوطن العربي، ومنذ زمن بعيد، على إبرام صفقة غير معلنة مع مواطنيها، أساسها الترهيب لأجل الإخضاع والهيمنة، والترغيب لأجل الطاعة والولاء، علماً بأن "المِنَح" التي تجود بها الأنظمة ذاتها على مواطنيها لا تتم في إطار سجل الحقوق والتعاقد، بل تظل متصلة بالعطايا والرضا، وخارج أي إطار مؤسساتي، وهو ما يعني أن العلاقة بين المواطن ودولته في ظل هذه الأنظمة السلطوية هي، وبالضرورة، علاقة تبعية خضوعية لا تقبل أي "خروج" أو استعمال ممكن لاستراتيجية المطالبة والمواجهة، وفي الشارع تحديداً.

إلا أن بركات الربيع العربي لم تكن لتسمح للدولة باحتكار الشارع طويلاً، فقد "هرمنا جميعاً من أجل هذه اللحظة التاريخية"، ليصير "الشارع الدامي لنا مهما رشوا عليه من جنود"، عفواً "معين بسيسو".

فلم تعد هناك من ممكنات لتصريف الغضب العربي، سوى اللجوء إلى"استراتيجية الشارع". لم تعد هناك من قنوات وساطة وتدبير للأزمات إلا من خلال الوقوف صراحة في مواجهة الدولة.

فقد بات واضحاً أن الطبعة الثانية من الربيع الديمقراطي، التي تتواصل بصيغ متنوعة، ستمنح الشارع أفقاً نضالياً خارج احتمالاته السوسيولوجية الأصلية المتوزعة بين "الاندفاع الصباحي السريع" و"التمشي المسائي البطيء".

فالشارع العربي لم يعد مقابلاً للتبضع والاستعراء الجسدي والبيع الجائل، وإنما بات يحتمل معاني سياسية تحيل على المطالبة بالتغيير، والدفع بالوقائع نحو "خيار الحافة"، في السودان ولبنان والمغرب والجزائر والأردن والعراق، والقائمة مرشحة لمزيد من الاتساع الكمي والكيفي.

إن استراتيجية الشارع التي صارت أسلوباً احتجاجياً أثيراً لدى الشعوب العربية، ليست إلا دليلاً قوياً على فشل أدوات الترهيب والترغيب، وعلى فقدان الثقة في المؤسسات الوسيطية، كالبرلمان والأحزاب والنقابات وباقي الهيئات التي يُفترض فيها أن تحمي المواطن من شطط السلطة.

كما أن الاستراتيجية النضالية ذاتها تدل على سقوط جدار الخوف، وأن المواطن العربي الذي عانى طويلاً من سياسات القاف (القمع والقهر والقتل البطيء)، لم يعد لديه ما يخسره أو حتى ما يربحه، ولهذا وجد في الشارع "برلماناً" لإسماع صوته والجهر بمعاناته.

إلا أن الدولة في الوطن العربي لا تقبل بهذا التملك الجديد للأفضية العامة، ولهذا لا تتردد في استعمال العنف لتفريق المتظاهرين، وذلك عن طريق خراطيم المياه، والهراوات، والغازات المسيلة للدموع، وكلاب الحراسة، والذخيرة الحية والمطاطية.

فالدولة العربية كما يقول العروي: "مازالت لاعقلانية، واهنة، وبالتالي عنيفة ومرتكزة على بنية عتيقة". ولهذا يمكن القول: إن الاستعراض المتواصل لوسائل القوة والعنف، من قبل الأنظمة السلطوية، يخفي ضعفاً وخوفاً وفشلاً ذريعاً في تدبير العلاقة بين المواطن والدولة.

إن رجال الأمن المكلفين بتدبير ومراقبة الزمن الاحتجاجي يحرصون على عدم السماح بالتجمهر؛ فالدولة تتهيب من التجمعات الكبرى ولو كانت تأييدية، لهذا تهرع إلى تطويق الحركة الاحتجاجية بالحواجز الحديدية، وإعلان حالة الطوارئ وحظر التجول بكل الطرق المؤدية إلى زمن الاحتجاج، وذلك من أجل عزل المحتجين ومنع الاتصال بهم، وتفادي إمكانات التضامن معهم؛ فالتجمهر يخلق الحدث ويؤجج الانفعال والتفاعل مع ذات الحدث.

يمكن القول ختاماً: إن النزول إلى الشارع يظل متناً قرائياً حابلاً بالرسائل الواضحة لا المشفرة، إنه تأكيد مباشر على أنها "وصلت للعظم"، وأن المواطن ما عاد قادراً على تجرع المزيد من مرارات الظلم والقهر.

كما أنه يُقرأ على أساس فقدان الثقة في الطبقة السياسية الحاكمة، وانتهاء مبكر لصلاحيتها الجماهيرية، وأنها لا تمثل الشعب ولا تعنيه في شيء. أما ثالثة الأثافي، وهي الأهم، فإنه يدل على أن الشعوب العربية اقتنعت بأن آخر العلاج هو الكي، وألا سبيل لمواجهة التسلط والتحكم إلا بالاحتجاج والممانعة والمواجهة، وأن الحقوق تنتزع، في أفق إعادة توزيع الثروة وإعادة ترتيب العلائق على أساس التعاقد المؤسساتي.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي