رواية استسلام  (Dominique Faget/AFP)
تابعنا

في الوقت الذي ترى فيه دويتشه فيله الألمانية أنه "الكاتب الأكثر نجاحاً"، وهو الروائي "الأكثر قدرة على التعبير عن أزمة التعبير" حسب تعبير الروائي والناقد اللبناني إلياس خوري.

وصدر أواخر العام السابق كتاب "الانتحار الفرنسي" الذي يناقش انهيار فرنسا أمام الدين الإسلامي، ومؤلفه هو الصحافي المعروف بعدائه للمسلمين، إريك زمور (يهودي من أصول جزائرية)، والذي أعلن مؤخراً خوضه الانتخابات الرئاسية، ويطلق عليه (ترمب فرنسا)، ويشكل كتابه المذكور خلفية لرواية ويلبيك الذي حصل في العام 2010 على جائزة "غونكور" أرقى الجوائز الأدبية الفرنسية، عن روايته "الخارطة والأرض".

ويفيد نقاد ومعلقون سياسيون بأن ما أثارته رواية "استسلام" من مخاوف وما تضمنته من تحذيرات، تجلّى واضحاً في خطابات مرشحي انتخابات 2017، التي كسبها الرئيس ماكرون لأنه بدا حينها أقل عدوانية وتطرفاً من منافسيه فرانسوا فيون ومارين لوبان.

تتكون الرواية من 300 صفحة، وبطلها أستاذ جامعي يدعى (فرانسوا)، ويبلغ من العمر 44 عاماً، حصل على الدكتوراه في الأدب، وعُيّن في جامعة باريس الثالثة، ليس له أصدقاء، وحياته العاطفية تقتصر على مغامراته الجنسية مع بعض تلميذاته.

يخترع المؤلف حزباً لمسلمي فرنسا، اسمه "الأخوة المسلمة"، يؤسسه محمد بن عباس، (والده بقّال تونسي)، وينسج شبكة علاقات واسعة مما يوسع قاعدة جمهوره، ولأن بطل الرواية أستاذ جامعي فهو يكثر من الحديث عن العرب والمسلمين الموجودين في الجامعة، ويشكلون "شبيبة الأخوة المسلمة"، التي تنتشر فروعها في كل مكان تقريباً.

ولمواجهة الخطر المزعوم، يخترع ويلبيك كتلة موازية، هي "كتلة السكان الأصليين"، أو "المتعصبون للهوية الواحدة"، تتلخص فكرتهم في كونهم أول من استوطن هذه الأرض، لذلك يرفضون "الاستعمار الإسلامي"، كما يرفضون الشركات الأمريكية والرأسماليين القادمين من الهند والصين.

ميشيل ويلبيك (AFP)

من قاعات الجامعة حيث تنتشر هذه الشبيبة ويتكاثر عدد أعضائها، إلى شوارع باريس وأحيائها، يلاحظ فرانسوا أن ثمة تغيراً لصالح الحزب الإسلامي وعلى حساب خصومه، ليبدأ البطل البحث بين زملائه عن التيار المناهض لمسلمي فرنسا، فيجد "كتلة السكان الأصليين" التي تقاسمه المخاوف ذاتها، وتتعهد بالدفاع عن الهوية الواحدة، بالطريقة نفسها التي يتبناها ويلبيك نفسه وزمور ولوبان.

تتطور أحداث الرواية بشكل متسارع، إذ يتزايد عدد المسلمين أكثر من بقية السكان، ومقابل ذلك يأخذ السكان الأصليون في حشد طاقاتهم وتشكيل أنفسهم في مجموعات سرية لمواجهة الخطر المرتقب.

في الرواية، كما في كثير من كتاباته ومقابلاته الصحفية، يثير ويلبيك المخاوف من تنامي عدد المهاجرين والأجانب في فرنسا، خصوصاً المسلمين، لكنه في الرواية تحديداً، يدفع بالأحداث حتى تصل إلى حافة "الحرب الأهلية"، بين السكان الأصليين والمهاجرين، بعدما راجت أفكار الكتلة المتعصبة التي تعتقد أن نشوب الحرب ضرورة لابد منها، ومن مصلحة المتعصبين أن تندلع الحرب في أقرب وقت، لأن تأخرها ليس في صالحهم.

تتراوح مواقف بطل الرواية تجاه التيارات السياسية بين الانعزال تارة، والانخراط مع المتعصبين تارة أخرى، وهو هنا يتبنى كثيراً من أفكار المؤلف لا سيّما تلك التي تأتي ضمن حملة الكراهية والتحريض ضد المسلمين، أما حينما يؤْثر الانعزال، فإن الأفكار المتطرفة والمواقف المتعصبة تظهر لدى شخصيات أخرى، زملائه في الجامعة أو ندمائه في المقهى، أو عشيقته اليهودية التي تنقل له أن المخاوف التي دفعت كثيراً من العائلات اليهودية إلى مغادرة فرنسا إلى إسرائيل، تتعلق باحتمال وصول الحزب الإسلامي إلى الحكم.

وتتخيل الرواية أن يكون التنافس على الرئاسة في انتخابات 2022 قوياً بين مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، ومرشح الحزب الإسلامي محمد بن عباس، الذي يتمكن من الفوز بالرئاسة في الجولة الثانية بعد حصوله على دعم الحزب الاشتراكي والأحزاب الليبرالية وتيارات الوسط واليمين.

بعد وصول الرئيس المسلم إلى قصر الإليزيه، يواصل الكاتب تخيله، أن فرنسا ستدخل في مرحلة جديدة، تبدأ معها أسلمة الدولة والمجتمع، وفرض قوانين مناهضة للمبادئ الجمهورية، مثل إجبار النساء على البقاء في المنازل وارتداء الحجاب، وحرمانهن من العمل والسماح بتعدد الزوجات، وإلزام الجامعات الفرنسية، بما فيها السوربون، تدريس القرآن.

ويبدأ الحكام المسلمون العمل على إقناع الكاثوليك باعتناق الإسلام، مع استمرار التضييق على اليهود لإجبارهم على الرحيل من فرنسا.

أما في السياسة الخارجية فسوف تعمل الحكومة الجديدة على توسيع الاتحاد الأوروبي ليشمل الدول العربية والإسلامية المطلة على البحر الأبيض المتوسط: تركيا ومصر ولبنان والمغرب والجزائر وتونس، تمهيداً لنقل مركز الحضارة جنوباً، والاستفادة من سكان هذه الدول في أي تصويت قادم داخل الاتحاد الأوروبي لتحقيق ما تصبو إليه فرنسا الجديدة.

وإجمالاً نلاحظ أن أفكار اليمين المتطرف ونظرياته، تنتقل على يد ويلبيك وأمثاله إلى مجال الرواية، حيث يُوظف الخيال السياسي لتسويق المخاوف والتحذير من أخطار مزعومة، والدفع بالمجتمع بعيداً عن القضايا والمشاكل الحقيقية، وهو جنوح يسيء للأعمال الأدبية ولا يخدم المشهد السياسي، بقدر ما يزيد في احتقانه، ويقوض مقومات التعايش بين مكونات المجتمع الواحد.

ووفقاً للوران جوفران مدير صحيفة ليبيراسيون فإن رواية الخيال السياسي تبقى محطة في تاريخ الأفكار تؤشر إلى غزوة نظريات اليمين المتطرف للأدب الراقي.

يصف الروائي إلياس خوري مسار الرواية بأنه "مسار إبهاري ينطلق من الإسلاموفوبيا كي يصل إلى خواء المعاني في زمن ما بعد الحداثة"، وتصير الرواية- وفقاً لخوري "صدى للحدث السياسي المباشر"، ويخلص إلى أن "النتاج الثقافي أصبح اليوم جزءاً من منحدر السقوط في سياسات الهوية التي تلغي السياسة والأدب.

من جهته يقول الكاتب والناقد المغربي المعطي قبال الذي يكتب باللغتين العربية والفرنسية إن العالم الذي يدور في فلكه ويلبيك مسكونٌ بهلوسات دائمة تؤرق باله بلا كلل، وإحداها الإسلام، وتتكرر أعراض هذه الهلوسات في أكثر من رواية، حيث يفصح أبطال ويلبيك عن عدائهم الصريح للإسلام والمسلمين، أما في رواية "استسلام" فقد نزل إلى دركٍ أسفل في شتم الدين الإسلامي.

ومع أن حملة الكراهية للإسلام والمسلمين أخذت تتوسع في أوروبا عامة، فإنها في فرنسا تحديداً باتت أكثر تطرفاً، وتجاوزت مربع السياسة إلى فضاءات الأدب والثقافة، ففي حين تهيمن هذه الحملة على المشهد السياسي فإنها تتسلل إلى المشهد الأدبي والفكري عبر كتابات إيريك زمور وروايات ويلبيك وغيرها، مثلما تسللت قبل ذلك إلى رسوم الكاريكاتير التي طاولت أهم شخصية في الدين الإسلامي وهو الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهي اليوم تطغى على خطابات الساسة وبرامج الأحزاب والمرشحين، لا سيّما وقد أصبحت تياراتهم يميناً لا يسار فيها، لتمهد لسلسلة من القوانين والإجراءات التي تنتهك الحقوق وتعتدي على الحريات، وتشكل تهديداً حقيقياً لمبادئ الحرية والمساواة، شعار الجمهورية الفرنسية وأهم مبادئها.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي