لقد تكررت مؤخراً بشكل ملفت حوادث اغتصاب الأطفال، والاعتداء على النساء وقتلهن، وهو ما يجعل من الضروري البحث في جذور المشكلة اجتماعياً لفهمها ومن ثم العمل على وضع حدّ لها.

شهدت الفترة الأخيرة ارتفاع حالات اغتصاب الأطفال خصوصاً اللاجئين منهم. 
شهدت الفترة الأخيرة ارتفاع حالات اغتصاب الأطفال خصوصاً اللاجئين منهم.  ()

لقد سقط القناع عن القناع، ولم يعد ممكناً، في الحالة العربية، من الماء إلى الماء، إخفاء كثير من الأعطاب المقيتة والسلوكات المعيبة، التي تكشف أن الاحتباس القيمي والهدر البشري بلغ الزبى، وأن كل الخيبات والانكسارات إنما مردها إلى نمطنا التنشئوي التربوي، وإلى أنظمتنا السياسية التي لم تصنع الإنسان الذي لم يمت فيه الإنسان، وحرصت فقط على إنتاج "مسوخ" بشرية تستجمع في تصرفاتها المزيد من العنف والقهر والإيذاء.

فلم تقدنا التنشئة الاجتماعية ولا التدبيرات السلطوية المعطوبة إلى مصالحات مع الجسد والجنس والسياسة والدين، بل قادتنا إلى "تدبير" مأزوم لهذه الاحتمالات المؤسسة والفاعلة في بناء العلاقات بين الذات والآخر والنحن، وهو ما نراه واضحاً في سوء أحوالنا وشيوع فداحاتنا القصوى في الانتحار، واغتصاب الأطفال، والتحرش الجنسي وكل حالات "الجوائح الاجتماعية" التي تسير بنا نحو الهاوية، وتشيع في أوساطنا الأسرية والمجتمعية المزيد من الرعب واللاثقة واللايقين.

لم تكن واقعة اغتصاب الطفل السوري في لبنان إلا الجزء الظاهر من جبل جليدي عائم، يستجمع في أعماقه الكثير من التفسيرات التي تتجاوز الحالة الاغتصابية إلى مستوى عمالة الأطفال وأنظمة التربية وصيغ البناء الاجتماعي وطبيعة النظام السياسي.

فلا شيء خارج السياق، ولا يمكن بالمرة إلغاء الطابع السياسي عن الوقائع والأشياء. لم تكن تلك الواقعة/ الفاجعة إلا واحدة من آلاف الحالات التي تتواصل يومياً من الجرج إلى الجرح، وفي أكثر من قطر عربي، والتي تؤشر إلى "اغتصاب للمستقبل" وزراعة للريح.

فالطفل الذي يغتصب في طفولته، ويجر جراً إلى المعامل والورشات، ضداً لمنطق الأشياء الذي يفترض، بالفعل وبالقوة، أن يكون الطفل إياه في مقعد للدراسة لا في ورشة للعمل.

كما أنه، والحالة هذه، يُغتصب في طفولته، باعتبارها مرحلة للبناء النفسي، حيث يستخرج منها كرهاً إلى مرحلة الرشد، وهي مرحلة أكبر منه، ليطالب بإحضار النقود وتحمل المسؤولية، في حين أن طفولته المفتوحة على اللعب والتحصيل الدراسي والنمو الحسي الحركي تتعرض للإلغاء والمنع من الاستعمال. ولا يقف الأمر عند العنفين التربوي والاقتصادي، بل إنه يمتد إلى عنف جنسي، كما وقع مع الطفل السوري، ومع التهديد بالقتل في حالة التبليغ عن المعتدين.

إن ما يعانيه الطفل هنا والآن، هو عنف له ثمن باهظ، نؤديه من حاضرنا ومستقبلنا، وما التلكؤ في منع هذا العنف المقيت إلا زراعة للريح، ومن يزرع الريح يحصد العاصفة، وبالمثل العامي المغربي "اللي يزرع الشوك يمشي عليه حفيان".

فذات الطفل الذي تعرض للاغتصاب المتكرر، ومن أقرب الأقرباء، وتم تهديده بالقتل، وتم وصمه اجتماعياً من جراء البوح المكلوم، ما الذي ننتظره منه؟ هل سيبتسم في وجه المعتدين، ويقول لهم إنني أسامحكم على فعلتكم الشنيعة؟ ما الذي ننتظره منه؟

في دراسة عن مآلات الأطفال الذين تعرضوا للاغتصاب تتراوح الاحتمالات بين اعتلال بأمراض نفسية وبروز مشاكل تكيفية، فضلاً عن احتمال ممارسة الاغتصاب في حق أطفال آخرين، في محاولة للانتقام الرمزي والتعويض النفسي عمَّا لحق المعتدي/المعتدى عليه من أذى سابق.

كما أن هذه المآلات قد تنفتح في النهاية على وضعيات كارثية متصلة بالانتحار والعدوانية المفرطة، في إطار "تسديد الحساب" و"تصفية الدين" مع نظام مجتمعي لم يوفر الأمن والأمان لفائدة الصغار والكبار.

كم ينسى صناع القرار في الزمنية العربية الراهنة أن من ثلث عدد السكان إلى الثلثين هي من الأطفال والشباب، وأن حمايتهم من كل ممكنات الاغتصاب الجنسي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي هي ضرورة استراتيجية للبناء والتغيير، وأن لا مستقبل من دون أجيال مُعَافَاةٍ من كل صنوف القهر والهدر.

فلا يمكن أن نتوقع مواطناً منتصراً للديمقراطية وحقوق الإنسان وقيم المساواة والعدالة والحرية، وهو الذي لم يختبرها قبلاً في معيشه، بل اغتصب ومنع من الإفادة منها، إننا في النهاية نحصد ما زرعناه، ومن يزرع الريح يحصد العاصفة.

ففي المغرب مثلاً يشكل الأطفال دون18سنة نحو 33 بالمئة من مجموع السكان، بما يناهز11مليوناً ونصف مليون طفل، ولا يلتحق إلا 49 بالمئة منهم بالتعليم الأولي، وهذا أول اغتصاب للحق في التربية والتعليم.

وهو ما نراه بعد في صيغة اغتصاب اقتصادي، يتمثل في وجود حوالي247 ألف طفل، تتراوح أعمارهم ما بين 7 و 15سنة، يعملون ضداً للأعراف والمواثيق الدولية، في ورشات ومعامل وبأجور زهيدة وساعات عمل كثيرة، مع احتمال آخر لخطر الاعتداءات الجنسية، التي ترتفع أكثر لدى عينة أخرى من الأطفال يطلق عليهم "الأطفال في وضعية الشارع"، والذين تقول الأرقام الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط (هيئة إحصاء حكومية) إنهم يشكلون نحو 660 ألف طفل دون مأوى، وإن مدينة الدار البيضاء تضم على الأقل نحو 6000 طفل يبيتون في العراء.

لقد ختم غسان كنفاني روايته المميزة "رجال في الشمس" بسؤال وجودي حارق، على لسان أبي الخيزران الذي يستجمع في شخصيته وجسده وعمله كل الأعطاب والإخفاقات التاريخية للأمة العربية، قال بملء الصوت المكسور: "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟".

كانوا في عمق الخزان يموتون بالتقسيط، في جو حار وقاتل، ولم يمارسوا حقهم في الاحتجاج على سوء الأحوال وعبث الأقدار، وفي النهاية يأتي"مهرب البشر" وصانع جزء من مآسيهم ليتساءل لماذا لم يدقوا الجدران؟

ذلك الطفل السوري لم يدق الجدران بدوره ولم يكشف عن معاناته إلا بعد أن طفح الكيل، كان كما غيره من آلاف الأطفال يموت بالتقسيط غير المريح، يغتصب ويهدد، ويصور ويستلذ بتصويره وفضحه، في منتهى البشاعة ومطلق الصفاقة والحيوانية.

وفي الآن ذاته ليس من حقه أن يصرخ ويهد الجدران. ثمة حاجة اليوم للحديث بنفس حارق وجريء، والقول بكل وضوح بأن الطفولة العربية تشكل الحلقة الأضعف في المجتمع، وأنها تؤدي ثمن سياسات لاتنموية، كما أنها تستغيث ولا تغاث، نحن من يعجز عن قراءة رسائلها المشفرة، فالكل يعترف اليوم أننا في ورطة جماعية، وأن الحاجة باتت ماسة إلى نموذج سياسي جديد يعيد الاعتبار للإنسان، ويستثمر في البشر لا الحجر.

"السعادة هي سد الفراغ" بحسب رولان بارت الذي يقول موضحاً بأنني"أسد الفراغ عندما لا أعاني من أي حرمان، إنني أنتج أكثر، وفي هذا الأكثر يتحقق سد الفراغ".

وعليه فالحل يكمن في ملء الفراغات المنتجة للحرمان والإقصاء والتهميش، ولأن الطبيعة تخشى الفراغ، فما لا يملأ كرامةً وحرية وحقوقاً للطفل، ينغمر بالانحراف والاغتصاب والعنف ومجمل الأعطاب المجتمعية. فبدل أن ننشغل بقتل البعوض، كما يقول علي عزت بيغوفيتش، علينا أن نعمل على تجفيف المستنقعات التي أنتجت لنا واقعة اغتصاب الطفل السوري، والتي لا تَنْحَدُّ عند ظاهرة تشغيل القاصرين، بل تتجاوزها إلى التربوي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي المؤطر والمنتج للفُهُوم والتمثلات والخطابات والممارسات.

في النهاية، لا بأس من تأكيد أن المشكلة لا تتصل بانتمائنا إلى السجل الحضاري الذي نوجد فيه، بل تتصل طولاً وعرضاً وارتفاعاً بالمعنى والمبنى الذي نوجد فيه وعليه، داخل هذا الشريط الحضاري، أي كيف نوجد ونَنْوَجِدُ؟ مواطنون مع شرط حفظ الكرامة والحرية، أم مغتصبون في سياقات الهدر والقهر، كما حال الطفولة المغتصبة التي لا تدق الجدران؟

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي