شكَّل اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده الملقب بـ"أبو القنبلة النووية" في قلب طهران، مناسبة لإعطاء سلسلة من الاستنتاجات الأمنية الإسرائيلية بما فيها الدليل على قدرة الاستخبارات والعمليات الخاصة لجهاز الموساد.

وما سوف يترتب على الاغتيال من تأثيرات وارتدادات على مستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، لا سيما مع إدارتها الديمقراطية الجديدة.

لعل الاستنتاج الأول من اغتيال فخري زاده يتعلق بالإيرانيين ويذكِّرنا بكلمات الخميني حين وافق على وقف إطلاق النار مع صدام حسين بإعلانه الاستعداد لشرب كأس السم وعقد صفقات مع الشيطان، وهذا استحضار يشبه ابتلاع إيران لاغتيال عالِمها الأول والأخطر أمام حساباتها السياسية الدقيقة والحساسة.

الاستنتاج الثاني من الاغتيال يُظهر أن جهاز الموساد متغلغل بشكل عميق في الساحة الإيرانية، ويذكرنا بالعمليات التي نفذها داخلها خلال السنوات السابقة، لاستهداف العناصر الأكثر حساسية وأهمية بالمشروع النووي، ولذلك فإن تحديد مكان فخري زاده ثم إلحاق الأذى به يعد تعبيراً عن قدرات الاستخبارات والعمليات الاستثنائية للموساد. 

الاستنتاج الثالث يرتبط بأن العلاقة الاستخباراتية بين إسرائيل والولايات المتحدة باتت أقرب من أي وقت مضى، فاغتيال فخري زاده جرى بعد أيام قليلة فقط من اغتيال نائب زعيم تنظيم القاعدة "أبو محمد المصري" في طهران، وعلى الرغم من أنه لم يكن مدرجاً على قائمة أولويات أجهزة المخابرات الإسرائيلية، على الأقل وفق المزاعم الإسرائيلية، لكن وجوده تحت المتابعة المكثفة جعله معروفاً. 

من الواضح أن الموساد أمضى شهوراً طويلة، قد تزيد على عام أو عامين بمراقبة فخري زاده، لا سيما منذ إعلان بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية في 2018 عن شخصية الرجل في مؤتمر صحفي علني، واعتباره المسئول الأول عن تطوير البحوث النووية الإيرانية، وبالتالي إعلانه هدفاً "مشروعاً" للاغتيال والتصفية، مما يطرح تساؤلات محرجة أمام الإيرانيين عن إخفاقهم في تأمين حمايته، وتنفيذ عمليات التضليل والتمويه اللازمة لشخصية مثله، من أجل التعمية عنه أمام الأجهزة الاستخبارية التي تلاحقه وتترصد تحركاته على مدار الساعة. 

صحيح أنه يمكن افتراض أن فخري زاده اتخذ احتياطات مختلفة كتغيير الشقق والسيارات، لكن طريقة الاغتيال وفي وضح النهار وبلا بصمات دامغة تعني أن عملاء الموساد استطاعوا الحصول على فرصة تشغيلية لإلحاق الأذى به. 

مع العلم أن هذا الاغتيال الموصوف بالحدث الدرامي والمهمّ الذي أثار انتباه العالم يقع في صلب معركة حامية بين إسرائيل وإيران، واستمراراً للقضية الرئيسية والصراع المستمر بينهما، ومن الواضح أنهما لم تقولا كلمتهما النهائية بعد. 

في الوقت ذاته يمكن الحديث عن أهم الأسباب التي قد تساهم بتعجيل إيران أو تأخيرها رد هذا الاغتيال، ولعل أهمها أن أي رد إيراني لا سيما إن كان قوياً ومؤثراً ومؤذياً لإسرائيل، قد يضر فرصها لفتح صفحة جديدة مع الرئيس الأمريكي جو بايدن، ولذلك ربما تنتظر إيران ردها الانتقامي وقد تستخدم بنيتها التحتية حول العالم، أو تلجأ إلى استخدام ترسانتها الجديدة مثل صواريخ كروز ومُسيَّرات وطائرات شراعية، وقد يكون الحوثيون في اليمن مقاول التنفيذ لهم. 

من الدوافع الأساسية للرد الإيراني أن الاغتيال يضاف إلى تصفيات أخرى في السنوات الأخيرة لأبرز علمائها النوويين والباحثين العسكريين، من دون رد رادع ضد إسرائيل، على الرغم من أن الاستماع إلى نصوص ونبرات تصريحات كبار مسؤولي النظام حول الاغتيال تفيد بأنهم ليسوا فقط غاضبين ويبحثون عن الانتقام، بل يخشون أيضاً التأثيرات النفسية داخل إيران لهذا الاغتيال، وعمليات سابقة ينسبونها إلى المؤسسة الإسرائيلية لأنها أظهرت هشاشة إجراءاتهم الأمنية في الداخل. 

المخاوف الإيرانية من تكرار هذه العمليات الإسرائيلية والمؤلمة تشير إلى أنها قد تقوض هيبة إيران لدرجة تهدد بقاءها، بالتزامن مع محاولات تشكيل جبهة إقليمية فعالة لتقويض الردع الاستراتيجي الإيراني ووقف سعيها للهيمنة الإقليمية، ولهذه الأسباب ترى طهران نفسها مطالَبة باتخاذ إجراءات انتقامية ضد إسرائيل. 

محاولة تَعَرُّف طبيعة الرد الإيراني تعيدنا إلى بداية العام الجاري حين ردت على اغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري، من خلال قصف قاعدة أمريكية في العراق، لكن أيديها مقيدة في هذه الأيام، فوضعها الاستراتيجي يتطلب منها حساب خطواتها بعناية، وهي تقدر أن إسرائيل تخلصت من فخري زاده وفي هذه المرحلة بالذات ليس فقط لتصفية الحسابات معه وتعطيل البرنامج النووي الإيراني لفترة من الوقت، ولكن أيضاً لإلحاق الضرر بفرص الإيرانيين بفتح صفحة جديدة مع بايدن عندما يدخل البيت الأبيض. 

امتناع إيران عن تنفيذ الانتقام انطلاقاً من أراضيها مباشرة، لا يعني عدم ردها نهائياً، مما قد يسلط الضوء على إمكانية فرص تكليف حزب الله بذلك عبر استهداف الجيش الإسرائيلي بعملية خاطفة، على الرغم من أن الأخير سيرد بسرعة وبشكل غير متناسب، وهذا آخر ما يمكن للبنان أن يستوعبه الآن، مما يجعل فرصة هذا الخيار ضئيلة، لا سيما مع تسرب الأحاديث بشأن زيارة إسماعيل قآني قائد فيلق القدس إلى بيروت ولقائه حسن نصر الله، وطلبه تسكين الجبهة اللبنانية-الفلسطينية، لا سيما بمرحلة ما قبل تنصيب بايدن. 

بالانتقال إلى سوريا يبدو بشار الأسد أقل الناس رغبة في أن تكون بلاده مسرحاً لتبادل العمليات بين إيران وإسرائيل، كذلك فإن روسيا صاحبة التأثير الكبير على المجموعات المسلحة المنتشرة في الأراضي السورية ستمارس ضغوطها عليها بعدم مهاجمة إسرائيل، فضلاً عن كون الأهداف الإسرائيلية على الحدود السورية تبدو صغيرة للغاية، مما يجعلها جبهة غير مرجحة لتنفيذ الانتقام الإيراني. 

في المقابل يمتلك الإيرانيون بنية تحتية واسعة النطاق في أجزاء مختلفة من العالم، وقد يستخدمونها ضد المؤسسات الإسرائيلية واليهودية كما حصل بتفجير مقر الجالية اليهودية في بيونيس آيرس بالأرجنتين في التسعينيات. 

يوجد مسار عمل آخر للإيرانيين يكمن بالاستفادة من ترسانتهم الجديدة من صواريخ كروز والمركبات الجوية غير المأهولة والطائرات الشراعية التي صنعوها بأنفسهم، وقد يحاولون إعادة تنفيذ الهجوم على منشآت إنتاج النفط السعودية في سبتمبر/أيلول 2019، فقد كانت ضربة دقيقة ومميتة بصواريخ كروز وطائرات من دون طيار مسلحة بتوقيت جيد، وهي ضربة وقفت نصف إنتاج النفط السعودي لأسابيع من دون وقوع إصابات. 

فضلاً عما تقدم، تعرف إيران كيفية إلحاق الضرر بالسفن التجارية الإسرائيلية التي تبحر في البحر الأحمر، وربما يطلقون صواريخ كروز وطائرات من دون طيار على إيلات، وقد يعتقدون أن مثل هذه العملية لديها فرصة جيدة لمفاجأة إسرائيل وتحقيق الهدف، على الرغم مما يحمل ذلك من مخاطرة مكلفة وخطيرة، وبالتالي فلا تبدو أنها طريقة مرجحة في الرد والانتقام. 

بات واضحاً أن اغتيال فخري زاده يمثل بداية فصلٍ جديد أشد خطورة في حروب الظل المستمرة بين إسرائيل وإيران، وقد يغير قواعد اللعبة فعلاً، مما يشير إلى تحوُّل أحداث الشرق الأوسط بصورة أشد تصادميةً ولا يمكن التنبؤ به، وتشترك مع السياسة الأمريكية بالقضاء على مكاسب إيران الإقليمية، وترسيخ سياسة عدم التسامح مطلقاً مع ممارساتها الرمادية منخفضة الحدة، مثل الهجمات الصاروخية المتقطعة التي يفعلها حلفاء إيران. 

لقد حمل الاغتيال الإسرائيلي إشارات سياسية، فضلاً عن تلك العسكرية والأمنية، ويهدف إلى منع إحراز تقدُّم بشأن أيٍّ تقارب أمريكي-إيراني مستقبلي بعد رحيل ترمب ومجيء بايدن ومنع إيران إحداث تغيير في سلوكها الإقليمي، أو التوصُّل إلى اتفاق نووي جديد وحرمان إيران من تعزيز مكانتها وحلفائها وشرعيتهم وتقويض موثوقية قدرتها في المنطقة. 

يؤكد ذلك أن الاغتيال يحمل جملة دلالات إسرائيلية هامة، بخاصة أنه شكَّل إهانة قاسية لإيران، وأرسل إلى العالم رسالة مفادها أن العبث مع "ملك الغابة" قد يعود بنتائج سلبية، مما يؤكد أن الاغتيال وسيلة مهمة لتخفيض أي توتر عسكري قد ينشب وصولاً إلى حرب شاملة. 

لعل أولى الدلالات الإسرائيلية من اغتيال فخري زادة مفادها المفاجأة وعدم فهم العدو، لأن الخطأ في التقدير الاستخباري الإسرائيلي نابع من عدم فهم أحد أطراف اللعبة بصورة صحيحة، وفي هذه الحالة ربما لم يتوقع الإيرانيون جيداً اندفاع إسرائيل باتجاه رأس مشروعهم النووي في المجال البحثي والدراسي، وهنا جاءت المفاجأة. 

تتعلق الدلالة الثانية بطبيعة الاغتيال ذاته، لأنه تحقق خلال دقائق معدودة بصورة لم تتخيلها إيران أو تتوقعها، فالاغتيال أهانها فعلياً وتسبب بأذى كبير لأنصارها حول العالم. 

الرسالة الإسرائيلية الأخطر في الاغتيال أنه شكل عقبة كأداة حقيقية في طريق تحقيق إيران لتطلعاتها الإقليمية، وجاء رسالة إلى كل حلفاء إسرائيل والولايات المتحدة مفادها أنه يمكنكم الاعتماد علينا ولن نترك المنطقة ولن نتخلى عن أصدقائنا وحلفائنا، لا سيما أن الاغتيال جرى بعد أيام قليلة من اللقاء السري في مدينة نيوم السعودية وجمع بنيامين نتنياهو ومحمد بن سلمان ومايك بومبيو. 

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.   

TRT عربي