أردوغان يعلن اكتشاف أكبر حقل للغاز الطبيعي بالبحر الأسود وقد يعثر على غيرها (AP)

وهو الأمر الذي أنعش الآمال والتوقعات ليس فقط حول استمرار التعافي الكبير الذي حققه الاقتصاد التركي في أعقاب أزمة كورونا، وإنما أيضاً التغلب على الكثير من المصاعب التي واجهها خلال السنوات الأخيرة، وتحقيق طفرات مهمة تتعدى تأثيراتها المكاسب الاقتصادية إلى المكاسب الجيوسياسية والاستراتيجية.

ومنذ أيام زف أردوغان بشرى اكتشاف 135 مليار متر مكعب إضافي من الغاز الطبيعي قبالة سواحل البلاد في البحر الأسود، ليصبح بذلك إجمالي احتياطي الغاز المكتشف في منطقة البحر الأسود حوالي 540 مليار متر مكعب، تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 120 مليار ليرة تركية تقريباً، وبما يقارب 15مليار دولار، وبما سيتيح لتركيا تلبية احتياجاتها المنزلية من الغاز الطبيعي محلياً لمدة 30 عاماً، وتلبية كامل احتياجاتها الكلية من الغاز لمدة تزيد عن العشر سنوات.

وتتجلى أهمية تلك الاكتشافات في العديد من النقاط الاقتصادية والاستراتيجية المحورية والتي تشكل دعماً مهماً ليس فقط لأنشطة الاقتصاد التركي الكلية بل لميزانية المواطن التركي البسيط كذلك، ومن أهم تلك النقاط تخفيف الأعباء على الميزان التجاري بخفض قيمة الواردات التركية من منتجات الطاقة، ولا شك أن ذلك سيدعم قيمة واستقرار الليرة التركية.

ورغم القفزات الكبرى في قيم الصادرات التركية خلال الأعوام الأخيرة إلا أن الميزان التجاري لا يزال يحقق عجزاً، فعلي سبيل المثال ووفق مكتب الإحصاء التركي، فإنه بنهاية عام 2020 اتسع عجز الميزان التجاري لتركيا بنسبة 69.1%، حيث تراجعت الصادرات بنسبة 6.3% إلى 169.5 مليار دولار، وارتفعت الواردات بنسبة 4.3% إلى 219.4 مليار دولار في العام الماضي نفسه، ليبلغ العجز بذلك 49.9 مليار دولار.

ولأن الدولة التركية تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها النفطية من الخارج، وبما يضعها على رأس قائمة البلدان التي تدفع فاتورة الوقود على مستوى العالم، والتي تبلغ في المتوسط حوالي 40 إلى 45 مليار دولار سنوياً، فإن الاكتشافات الجديدة ستوقف نزيف تلك الفواتير، بما يعني تقليص هذا العجز، وتخفيض الاحتياج للعملات الأجنبية، وتحقيق الاستقرار المنتظر للعملة الوطنية.

ويدعم ذلك أن ما يقارب ثلث التعاقدات التركية طويلة الأمد لاستيراد الغاز الطبيعي تنتهي قريباً، من بينها بعض الاتفاقيات مع روسيا وأذربيجان وإيران، وبذلك فإن الاكتشافات الجديدة ستعزز من قوة تركيا في مفاوضات عقود الاستيراد الجديدة لا سيما من ناحية الأسعار.

كما أن تدفق الغاز من الآبار الجديدة سيعني تخفيض فاتورة الغاز على المصنعين، والتي باتت أهم عناصر رفع التكاليف، مما سيؤدي إلى خفض تكلفة المنتج الوطني وإلى المزيد من ارتفاع مستوى تنافسيته محلياً وعالمياً، وبالتالي زيادة الصادرات التي تعمل على توليد المزيد من فرص العمل وخفض معدل البطالة، وبما يستوعب شباب الأمة التركية الذين يشكلون ما يقارب 60% من إجمالي السكان، وبخاصة في ظل توجه الدولة بالتشجيع على زيادة المواليد.

تركيا.. سفينة "بربروس خير الدين باشا"،  للتنقيب عن الغاز، تصل إلى البحر الأسود (AA)

وسيعمل خفض تكلفة الإنتاج كذلك على انخفاض الأسعار المحلية، وهدوء ملموس سيشعر به الجميع لا سيما الطبقات الفقيرة والمتوسطة في معدلات التضخم التي طالما كانت مثار شكواهم، خاصة بعد الانخفاض المنطقي والمتوقع في قيمة فاتورة الغاز المنزلي جراء الاكتشافات الجديدة وخفض الأسعار الذي بشر به الرئيس.

وبذلك ستتعاضد الزيادة في عائدات الصادرات بالعملات الأجنبية المتوقعة كنتيجة لارتفاع التنافسية، وتحسن قيمة الليرة كنتيجة لخفض عجز الميزان التجاري، وانخفاض قيمة فواتير الغاز المنزلي، وانخفاض أسعار المنتجات في السوق المحلية، وهو ما سيؤدي إلى إحداث خفض ملموس ومستدام لمعدلات التضخم، وربما في سعر الفائدة كذلك، بعد انخفاض طلب القطاع الخاص على الاقتراض لمواجهة أعباء زيادة التكاليف، وسيشكل ذلك نصراً مهماً على جملة من التحديات الكبرى التي واجهت الإدارة الاقتصادية التركية خلال الفترة الأخيرة.

كما ينتظر أن تعزز حقول الغاز الطبيعي المكتشفة مؤخراً في منطقة البحر الأسود من المكانة الجيوسياسية والاستراتيجية للدولة التركية، من خلال تحول الأراضي التركية من مجرد ممر لأنابيب الغاز من خطوط غازبروم الروسية وسوكار الأذرية والغاز الطبيعي المسال من نيجيريا، إلى كونها منتجاً يكفي محلياً وربما يتجه إلى التصدير مع توالي الاكتشافات، لا سيما مع الإعلان عن المزيد من الاستثمارات وعمليات الاستكشاف والتنقيب في المناطق الواعدة.

كما ستدعم التطورات الأخيرة في ملف غاز شرق المتوسط هذه المكانة الجيوسياسية وبالتالي المكاسب الاقتصادية.

فالانفراجة الأخيرة والتطور الملحوظ في العلاقات مع مصر، بالإضافة إلى بداية التشاور المباشر مع اليونان، وتأكيد السلطة الجديدة في ليبيا استمرار العمل بالاتفاقية البحرية، تشكل جميعها مبشرات على تأكيد حصة تركيا من الغاز في هذه المنطقة الثرية بحقول الغاز الضخمة.

كما ستعزز الاكتشافات الجديدة قدرات صانع القرار التركي في المناورة السياسية مع كل روسيا وإيران في العديد من الملفات الإقليمية المتشابكة مع الأمن القومي التركي، لا سيما بعد خفض الاعتماد عليهما في توريد الغاز، والذي بدأ مؤخراً بتنويع مصادر الاستيراد إلى كل من قطر والجزائر والولايات المتحدة الأمريكية.

وبذلك فإن النتائج الإيجابية المستمرة لأعمال التنقيب في البحر الأسود، ودخول تركيا نادي منتجي الغاز العالمي، والتطورات المتسارعة التي تشهدها منطقة شرق المتوسط، والنجاح في إعادة تشغيل النفط من آبار مغلقة جرى ردمها سابقاً بحجة أنها لا تحتوي على نفط، تشير جميعها إلى الواقع والقدرات التي تملكها تركيا لتكون مركزاً رئيسياً لتجارة ليس الغاز الطبيعي فقط بل ربما المشتقات البترولية في المنطقة.

وعليه، ستخلق اكتشافات الغاز المتوالية واقعاً اقتصادياً وجيوسياسياً واستراتيجيا جديداً، سينقل تركيا إلى مرحلة مهمة على المستويين الإقليمي والدولي، ويجعلها مرشحة بقوة لأن تكون بين الدول العشر الأكبر اقتصاداً في العالم بمجرد البدء في الإنتاج، وهو الحلم المشروع الذي طالما راود الإدارة والمواطن التركي، والتي عملت هذه الاكتشافات على إحيائه وانتعاشه مرة أخرى.


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً