مخطط توضيحي لقناة إسطنبول المزمع إنشاؤها والتي ستربط بين البحر الأسود وبحر مرمرة (Others)

وترجع بداية الأحاديث عن المشروع إلى عام 2011، ومع الشّروع في اتخاذ خطوات ملموسة نحو تنفيذه مؤخراً عبر إقرار الحكومة له، تصدّر المشروع من جديد المناقشات في تركيا، الأمر الذي ساهم في حدوث استقطاب جديد بين السلطة الحاكمة والمعارضة على خلفيّة الآثار السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتوقعة للمشروع.

وقبل الشّروع في الحديث عن الآثار المتوقعة لقناة إسطنبول، ينبغي فهم المقاربات الرئيسية لكلٍ من السّلطة الحاكمة والمعارضة حول هذا الملف.

يؤكّد الرئيس رجب طيب أردوغان بشكل متكرر أنّ المشروع يهدف إلى توفير الأمن لمضيق البوسفور في إسطنبول، وحماية نسيجه التاريخي والثقافي، وتقليل حركة مرور السفن في المضيق، وتمهيد الطرّيق أمام إنشاء مناطق سكنية حديثة مقاومة للزلازل تعتمد على نظام بناء أفقي. ومن شأن المشروع أيضاً مضاعفة رقم السّفن المارة من إسطنبول، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على الصّعيد الاقتصادي.

في المقابل، تؤكّد أحزاب المعارضة أنّ مشروع القناة سينجم عنه نتائج مخالفة تماماً لأهدافه المعلنة. وتعبّر عن هذه المقاربة بشعار "إمّا القناة أو إسطنبول". وتتداول المعارضة حججاً تتحدّث عن أنّ تنفيذ المشروع سيمتدّ إلى عشر سنوات حتى استكماله، ويتوقّع أن تبلغ تكلفته 140 مليار دولار. كما تشير إلى أن المشروع سيُفسد التّوازن البيئيّ في المنطقة المخطط تنفيذه فيها، وسيزيد من مخاطر وقوع زلازل، ويقلل مِن مساحات الأراضي الزراعية.

وفي إطار هذه المقاربات، تحوّل مشروع قناة إسطنبول إلى أهمّ ملفات المناقشات السياسيّة الداخلية في تركيا، بينما تم تجاهل آثار هذا المشروع لمدة طويلة من ناحية جيوسياسيّة وعلى صعيد العلاقات الدولية.

غير أنّ بدء أحاديث في الأسابيع الأخيرة حول اتفاقية المضايق البحرية التركية المعروفة باسم "مونترو"، ساهم في انضمام البُعد الدوليّ للملف إلى دائرة المناقشات حول مشروع القناة.

فاتفاقية مونترو الموقعة عام 1936 تمنح تركيا حقوق السيطرة على مضيقي إسطنبول (البسفور) وجناق قلعة (الدردنيل)، وتنظيم مرور السفن الحربيّة عبرهما.

وقد تمّ تداول أحاديث عن أنّه ومع تنفيذ مشروع قناة إسطنبول، ستنسحب أنقرة من اتفاقية مونترو. ويلاحظ أنّه تمّ تداول وتصعيد هذه الأحاديث، لا سيّما من طرف المعارضة، ومن ثمّ تحويل الملف إلى قضية أمنية بالنسبة لتركيا. يُلاحظ أيضاً مواصلة الأحاديث عن أن قناة إسطنبول ستُبطل اتفاقية مونترو، وأنّ قناة إسطنبول لن تخضع للقيود المفروضة على مرور السّفن والرحلات الجويّة الواردة في مونترو، إضافة إلى أن السّفن الحربية ستمر بسهولة من قناة إسطنبول عبر دفع رسوم، على عكس ما يحدث عند مرورها من المضايق.

كما يُلاحظ التركيز على موقف الولايات المتحدة المحتمل من قناة إسطنبول. ففي الوضع الحالي، تسمح اتفاقية مونترو للولايات المتّحدة الدخول إلى مياه البحر الأسود بأحمالٍ وأسلحةٍ محدودةٍ ولمدّة زمنيةٍ معينة. وتدور الأحاديث عن أنه في حال عدم خضوع قناة إسطنبول لمثل هذه القيود، ستزيد الولايات المتحدة من وجودها في البحر الأسود، الأمر الذي ستنجم عنه نتائج سلبيّة على صعيد العلاقات التركيّة الأمريكيّة والتركيّة الروسيّة.

وهنا ينبغي الإشارة إلى أنّ كلّ هذه الحجج افتراضية ولا تستند إلى أية بيانات حقيقية. فتركيا حمت أمنها وسيادتها في اتفاقية مونترو متعددة الأطراف، والافتراض أنّ تركيا لن تستخدم حقوق سيادتها عند تنفيذ مشروع قناة إسطنبول، هو في الحقيقة أمر لا يستند إلى مقاربة عقلانية.

ثمّة نقطة أخرى غُضّ الطرفُ عنها في هذه المناقشة، وهي تتمثل في أنّه خلال التكهّن بالآثار المحتملة لقناة إسطنبول تمّ تجاهل الإسهامات المتوقعة للمشروع على الصعيدين الدولي والجيوسياسي.

فمرور السّفن التجاريّة والعسكريّة عبر القناة سيساهم في تعزيز العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف. وسيؤثر إيجاباً على وضع تركيا الجديد على الساحة الإقليميّة والدوليّة.

ومع ذلك، لا تزال المناقشات النظريّة متواصلة حول الآثار الدولية والجيوسياسية للمشروع. وهذا الأمر يمهّد الطريق أمام مناقشات متعددة الأوجه حول قناة إسطنبول في السياسة الداخلية التركية.

وفي الختام، ينبغي الإشارة إلى البيان الذي نشره 104 ضباط متقاعدين برتبة أميرال منتصف ليل الأحد الموافق 4 أبريل/نيسان الجاري، حيث أدانوا فيه فتح باب اتفاقية مونترو أمام المناقشات، وهو الأمر الذي قوبل بانتقاد حاد من السلطة الحاكمة والهيئات الحكومية، بسبب تضمّنه تلميحات بانقلاب.

وهكذا فتداول قناة إسطنبول في إطار اتفاقيّة مونترو تسبب في حدوث مناقشة عديمة المعنى لا أساس لها. وقد حسم الرئيس أردوغان هذه القضيّة بتصريحاته في 5 أبريل/نيسان الجاري عندما قال إّن "ربط قناة إسطنبول باتفاقية مونترو خطأ كبير، فقناة إسطنبول ستخفف العبء عن مضايق إسطنبول، وستُتيح لتركيا بدائل سيادية أخرى بمعزل عن القيود التي فرضتها اتفاقية مونترو".

وأكد الرئيس أردوغان على أنّ مشروع قناة إسطنبول لن يُضعف حقوق تركيا السيادية بل على العكس سيعززها.

وعلى هذا النحو، يتبيّن أنّ المناقشات الدّائرة حول آثار قناة إسطنبول سواء على صعيد محليٍ أو على صعيد دوليّ في إطار اتفاقية مونترو، ما هي إلا أحاديث تستند إلى حجج افتراضية لا أساس لها.

وثمّة حاجة لمزيد من المعلومات من أجل خوض مناقشات أكثر شمولاً حول هذا الملف. وفي هذا الصدد، أُعلن في 5 أبريل/نيسان استكمال الاستعدادات الأوليّة وخطط الإعمار لمشروع قناة إسطنبول وسيُبدأ قريباً في عملية طرح المناقصات.

لذا يمكن القول إنّه خلال العام القادم ستتوفر إمكانية الحصول على مزيد من المعلومات حول المشروع وستكتسب المواضيع الخلافيّة المتداولة بالرأي العام، مزيدا من الوضوح. وفي هذه الأثناء، من المهم من أجل سلامة المشروع، تجنّب المناقشات النظريّة والحجج الملفّقة كما هو الحال فيما يتعلّق باتفاقية مونترو.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي