في ظل مقاطعة الفلسطينيين لورشة البحرين التي يَعُدها الكثيرون فاتحة لتطبيق "صفقة القرن" أعلنت بعض العواصم العربية مشاركتها في الورشة كان على رأسهم كل من عمّان والقاهرة.

تحت عنوان منقوص "السلام من أجل الازدهار" على أرض مُحتلَّة ووسط مقاطعة فلسطينية وقوى دولية كروسيا والصين والأمم المتحدة وبعض دول الاتحاد الأوروبي التي ترى في ورشة البحرين والمشروع الأمريكي للسلام تقويضاً للقاعدة القانونية الدولية التي تقوم على تسوية الصراع على قاعدة حل الدولتين، يهرول الأردن المرتبط استراتيجيّاً بالقضية الفلسطينية نحو المشاركة في ورشة أشبه بأن تكون مزاداً علنيّاً قسريّاً لتاريخ وأرض وحقوق شعب دفع ثمن صموده فلسطينيون وعرب وحتى يابانيون.

قد يتساءل البعض عن سبب مشاركة الأردن في ورشة البحرين التي تُعتبر الغطاء الاقتصادي لمشروع السلام الترامبي الأمريكي الذي يوزّع الخسائر مناصفةً على الشعبين الأردني والفلسطيني، ولماذا استثمرت الدولة الأردنية كل أقلامها ورجالها لتبرير المشاركة وإبراز أهمية المشاركة، هل لأنه يرى ما لم ترَه السلطة الوطنية الفلسطينية وفصائل منظمة التحرير في ورشة البحرين؟ الإجابة قطعاً: لا.

مشاركة الأردن في ورشة البحرين نتيجة طبيعية لعدم قدرة صانع القرار الأردني على مواجهة التنمر الأمريكي بعد فقدانه أوراقه الضاغطة كافة داخل الضفة الغربية وقطاع غزة.

سعيد المومني

الأردن الذي حارب مصر عبد الناصر في عهد الملك حسين للسيطرة على الملفّ الفلسطيني، تَحوَّل اليوم إلى تبنِّي سياسة أخرى تُعنى بمحاربة الإرهاب والتطرُّف في شكل يمكن تفسيره على أنه ترتيب للأولويات في السياسة الخارجية على حساب ملفات كانت تُعَدّ من ركائز السياسية الخارجية الأردنية في عهد الملك حسين.

فمشاركة الأردن في ورشة البحرين نتيجة طبيعية لعدم قدرة صانع القرار الأردني على مواجهة التنمر الأمريكي بعد فقدانه أوراقه الضاغطة كافة داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، وتجاهل أهمية تلك المفاتيح الضاغطة التي قد صنعها الملك الراحل داخل الضفة الغربية وأعطته مساحة للمناورة، وبدلاً من ذلك فقد وُجّه الأردن نحو إرسال الخبراء إلى أفغانستان والمشاركة إلى جانب حليفه الولايات المتحدة في حروب عناوينها الإرهاب وباطنها صراع على الطاقة، تلك الحروب التي لم تنعكس إيجاباً على واقع الأردن الاقتصادي الذي يعاني ارتفاع المديونية نتيجة الطاقة.

لقد أهمل الأردن الضفة الغربية التي تُعَدّ عمقه الاستراتيجي، وخطّ دفاعه الأول أمام عدوه إسرائيل، تاركاً الساحة في الضفة الغربية لأطراف خليجية تهدّد اليوم استقراره الديموغرافي والسياسي، وتعمل على عزل الأردن من وصايته على القدس، وتحاول تحوير الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى أرقام بالدولار على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، ولا يمكن عزل الإهمال الأُردني المقصود للضفة الغربية عن القطيعة المقصودة مع حماس بعد إغلاق مكتبها وطرد كوادرها وعلى رأسهم خالد مشعل ليخسر أوراقه الضاغطة في الملف الفلسطيني.

قرار المشاركة في ورشة البحرين اليوم وتعاطي الخارجية الأردنية مع الملف الفلسطيني طوال عشرين عاماً لم يكُن نتيجة أخطاء أو سوء تقدير، بل كان ضمن استراتيجية مدروسة، عبّر عنها صانع القرار الأردني قبل 10 سنوات بضرورة تشكيل "بنلوكس"، أي اتحاد اقتصادي بين الأردن وفلسطين وإسرائيل وتحويل الأردن إلى منطقة حرة اقتصادية تُنهِي الهُويَّة الأردنية والفلسطينية معاً.

سيسجَّل على الأردن مشاركته في ورشة البحرين، التي سوف تفشل بدورها لسببين رئيسيين: الأول الحضور الباهت المتمثل بغياب ومقاطعة الطرف الرئيسي والمعني بهذا الصراع وهو الفلسطينيون، أما السبب الثاني فهو منطلقات مشروع الإدارة الأمريكية للسلام الذي يعتقد في أن المفتاح اقتصادي لا سياسي.

قرار المشاركة في ورشة البحرين وتعاطي الخارجية الأردنية مع الملف الفلسطيني طوال عشرين عاماً لم يكُن نتيجة أخطاء أو سوء تقدير بل كان ضمن استراتيجية مدروسة.

سعيد المومني

وفي مواجهة اللا منطق الأردني المؤمن بضرورة المشاركة وإثبات نفسه في ورشة البحرين، علينا أن نذكّر صانع القرار الأردني بمبادرة وزير الخارجية الأمريكي جورج شولتز في عام 1986 التي كانت دليلاً على فشل هذا الطرح عندما تقدم بمبادرة تقوم على "تحسين حياة الفلسطينيين" كمدخل لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فكانت الانتفاضة الأولى عام 1987 الردّ على هذه المبادرة.

فالشعب الفلسطيني لم يخرج في حياته في أي مظاهرة أو أي انتفاضة ليطالب بإنشاء مطارات أو طرق سريعة أو مولات تجارية أو مشاريع تنموية، بل كان يخرج مطالباً باسترداد حقوقه ومدافعاً عن كرامة أرضه المحتلة.

ورشة البحرين لن تحقق نتائجها المباشرة على القضية الفلسطينية، لكنها سوف تؤثّر على الأردن بشكل مباشر، فسوف ينتقل شكل التطبيع بين دول الخليج وإسرائيل نحو مرحلة جديدة مرتبطة بالتطبيع السياسي الذي سوف يؤثّر على دور الأردن في المنطقة كوسيط وممرّ، أما على الصعيد الداخلي فقرار الذهاب إلى ورشة البحرين سيكون مسماراً آخَر في نعش الثقة بين صانع القرار الأردني والشارع الذي لا يرى تطابقاً بين تصريحاته المعلنة من جهة والقرارات التي يتخذها من جهة أخرى.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي