يشارك الأردن في ورشة البحرين ممثلاً بأمين عام وزارة المالية. وهو تمثيل متواضع يعكس حضوراً مكرهاً للأردن ومشاركة تكتيكية.

قناعتنا الأكيدة في الأردن (معارضة وموالاة) تكاد تصل إلى حد اليقين، بأن الدولة الأردنية، لحظة اتخاذ قرارها المشاركة في ورشة البحرين الاقتصادية، كانت مكرهة ومضطرة، ولم تذهب إلى هناك راغبة أو مشاركة بالمخطط كما يرى آخرون.

ولعلي أنقل إليكم عبارات تؤكد ما قدمت له آنفاً، عبارات جاءت من كتابة الأستاذ محمد داودية، الوزير السابق، ورئيس مجلس إدارة أهم الصحف الأردنية المملوكة للحكومة "جريدة الدستور".

يقول داودية معلقاً على مشاركة الأردن في البحرين: "أعلم علم اليقين أن قرار المشاركة الأردني في ورشة البحرين مثل تجرع السم، ومثل حضور ميتم لشخص قبيح كريه، وحال صبيّة أكرهوها على فراش كهل دميم ثري".

أعلن الأردن مشاركته في ورشة البحرين بسبب عدم قدرته على مواجهة الضغوط الأمريكية، وعدم رغبته في افتعال أزمة مع حلفائه.

عمر عياصرة

وهنا أكاد أجزم أن متخذ القرار الأردني بالمشاركة، قد سخّر حتى اللحظة الأخيرة، طاقاته وجهوده وصلاته وعلاقاته ومكانته ونصحه المخلص للسلام والعدل والحق، من أجل إلغاء أو إرجاء هذه الورشة البلاء.

إذاً... لماذا شارك الأردن؟

أعلن الأردن مشاركته في ورشة البحرين بسبب عدم قدرته على مواجهة الضغوط الأمريكية، وعدم رغبته في افتعال أزمة مع حلفائه تأتي مبكرة ويمكن تفاديها.

الولايات المتحدة الأمريكية لم تتلق استجابة سريعة ومثالية من الأردن كما هو حال السعودية والإمارات، لكن التمنع كان سمة أردنية، ولعل في ذلك رسالة إلى كوشنير وإدارة ترامب أن ما يُقبل اليوم لا يعني التنازل عن "جملة المواقف" غداً.

من هنا جاءت المشاركة الأردنية في ورشة البحرين شكلية، وبمستوى متواضع، إذ سيمثل عمّان في المؤتمر أمين عام وزارة المالية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الممثل الأردني اقتصادي ولا عنوان سياسياً له.

اللاءات الثلاث الملكية بين التصدع والترميم

من الهامّ هنا أن نعيد التذكير بالموقف الأردني الرافض لتسريبات الخطة الأمريكية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، والمسماة "صفقة القرن".

حيث الملك الأردني في إطار تعليقه على التسريبات والهمهمات التي كانت هنا وهناك، أعلن بوضوح لاءاته الثلاث الكبيرة والموجهة: "لا للتوطين، لا للوطن البديل، لا للتنازل عن الوصاية في القدس".

هذه اللاءات تعبر عنها الدبلوماسية الأردنية من خلال التمسك بالقرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وحل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، كما أنها تعالج حق العودة تحت عناوين "العودة والتعويض".

هذه اللاءات الثلاث واجهت اختباراً وتحدياً وسؤالاً بعد قرار الدولة الأردنية الذهاب إلى ورشة البحرين، وهنا يمكن القول إن الملك يشعر بذلك، وإنه بعد الفروغ من ورشة البحرين لا بدّ من تحديث وترميم حقيقي لتلك اللاءات.

الفلسطينيون يرفضون ويتفهمون المشاركة الأردنية

يجد الموقف الفلسطيني عند الرسمي والشعبي الأردني ارتياحاً حقيقياً، فالرفض والصمود القادم من رام الله، يجعل الأردن أكثر اطمئناناً بأن الورشة جنباً إلى جنب مع الصفقة لن تسيرا بخير ما دام أصحاب القضية غائبين ومتمنعين.

في الأبواب المغلقة يقال إن الأردن وضع سلطة رام الله بصورة ومبررات مشاركته وأبلغهم أنه لم يركع لصفقة القرن وأن المشاركة لا تخرج عن كونها تكتيكاً مرحليّاً.

عمر عياصرة

لكن بالمقابل يحرص الأردن على عدم النيل من معنويات الفلسطينيين نتيجة مشاركته في الورشة التي رفضها الفلسطيني، وها هو ذا يخرج في تظاهرات عامة لتأكيد أنها جزء من الغدر بالشعب الفلسطيني.

وفي الأبواب المغلقة، يقال إن الأردن وضع سلطة رام الله بصورة ومبررات مشاركته، وأبلغهم أنه لم يركع لصفقة القرن، وأن المشاركة لا تخرج عن كونها تكتيكاً مرحليّاً لا علاقة له باستراتيجية الموقف الرافض لتصفية القضية الفلسطينية.

لكن حتى الآن، ما نراه من موقف فلسطيني تجاه المشاركة الأردنية في ورشة البحرين، يمكن وصفه بالمتفهم، الذي لا يشكك ولا يهاجم المشاركة الأردنية.

نعم في عمّان ورام الله وغزة قناعة بأن المصير المشترك هو في أسخن حالاته اليوم، بالتالي لا بد من تنسيق وتفهم وتجاوز العثرات.

الجماهير الأردنية تراقب بحذر

بالنسبة إلى الرأي العام الأردني فهناك إجماع على رفض المشاركة في ورشة البحرين. لكنه وعلى الرغم من بعض إشارات التشكيك في الاستراتيجية الرسمية فإن الناس قانعة بموضوع الإكراهات، وعندهم حالة عدم يقين من قدرتنا على الصمود مستقبلاً.

لعن الله حساب الكميات والإكراهات التي تتعرض لها الأنظمة حين تخالف خيارات الشعوب، وفي الحالة الأردنية تبدو الإكراهات كبيرة وعميقة لكنها لا تعني أنها تساوي المصير.

على النظام السياسي في الأردن البدء بترميم ما تصدع نتيجة المشاركة بورشة البحرين أي إعادة إنتاج الموقف الأردني الواضح من أي خطة لا تأخذ بحلّ الدولتين إطاراً حاسماً.

عمر عياصرة

يعرف الرأي العام الأردني أن الدنيا ليست "قمرة وربيعاً" أمام متخذ القرار، وهناك وعي بالدوافع التي أكرهته على الحضور بممثل مالي غير سياسي، هو أقرب إلى المراقب منه إلى المشارك.

لكن على الرأي العام، والقوى السياسية، مساعدة الملك والدولة لغايات إنعاش وترميم اللاءات الثلاث، وإبقائها في حيز اللمعان، فبغيرها ستكون الأمور منفلتة وسائلة لا سمح الله.

ما بعد ورشة البحرين

بانتظار مخرجات ورشة البحرين، التي يرى الأردن أنها ستكون أقرب للفشل منها للنجاح، والسبب الرئيس في ذلك غياب الفلسطيني من جهة، واعتمادها -أي الورشة- على الاقتصاد قبل السياسة.

بعد الورشة، هناك، وفق وجهة نظر الأردن، فترة التقاط أنفاس تساعد فيها انتخابات إسرائيل من جهة، وربما انتخابات الرئاسة الأمريكية أيضاً.

مع ذلك، على النظام السياسي في الأردن البدء بترميم ما تصدع نتيجة المشاركة بورشة البحرين، أي إعادة إنتاج الموقف الأردني الواضح من أي خطة لا تأخذ بحلّ الدولتين إطاراً حاسماً.

الحضور التكتيكي لا ينال من الموقف الاستراتيجي

ختاماً، تبدو الأمور واضحة لا تحتاج إلى تعقيد أو اتهام، فالأردن ذاهب إلى البحرين تحت عنوان الإكراه، أو قل تحت عنوان ملاعبة الحليف الأمريكي ومداراته.

والأهم أن محطة المنامة لا تعني للأردن أكثر من سلوك تكتيكي لا ينال ولن يؤثر في الموقف الاستراتيجي الرافض لأي مساس بالمصالح الحيوية الأردنية وعلى رأسها موضوع اللاجئين والقدس والهوية الوطنية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي