الأردن أبلغ إسرائيل، رسميّاً وخطّيّاً، بأنه ليس بوارد تجديد "اتفاق الانتفاع" لكل من منطقتَي الباقورة والغمر. إسرائيل راهنت على تراجع عمّان، لكن المفاجأة أن عمّان لم تتراجع، وكان الإنجاز المحتفى به من قبل الرأي العامّ الأردني.

قبل ذلك بأيام، استدعى الأردن سفيره في تل أبيب، وهدد بإجراءات تصعيدية دبلوماسية ما لم تفرج إسرائيل عن أسيرين أردنيين هما هبة اللبدي وعبد الرحمن مرعي.

حكومة تل أبيب استجابت بسرعة معقولة، وأطلقت سراح الأسيرين، وأعلنت عودة السفير الأردني إلى مكان عمله، ويرى المراقبون أن الخطوة كانت انتصاراً لافتاً للدبلوماسية الأردنية.

"مأتم" في إسرائيل

كما يقول الكاتب الأردني عريب الرنتاوي، ثمة مأتم في إسرائيل، لا تنقصه إلا حلقات الندب واللطم، وتتخلله لحظات الغضب والخيبة والصدمة.

فالمواقف التي تعيشها الطبقة السياسية في إسرائيل تحتاج إلى تحليل وقراءة معمقة، والسبب إصرار الأردن على استعادة الباقورة والغمر، ومن قبله التصعيد الأردني بسبب الأسيرين "اللبدي – مرعي".

الهستيريا الإسرائيلية من الخطوة الأردنية، سببها أنهم اعتادوا بلع عمّان التجاوزات والإهانات الإسرائيلية، فلم يعجبهم ما جرى ولم يتوقعوه.

بعض الساسة الإسرائيليين طالب بمعاقبة الأردن من خلال حرمانها من الماء الذي تشربه، وآخَرون اتهموا الإخوان والنقابات بحكم الأردن واتخاذ القرارات، وهذا يدلّ على حجم الخسارة التي يشعر بها المجتمع السياسي الإسرائيلي.

كل ما قام به الأردن: تنفيذ اتفاقية السلام

الأردن لم يفعل شيئاً سوى أنه قام بتنفيذ اتفاقية السلام الموقعة مع إسرائيل عام 1994. لم يأتِ بشيء من خارجها، فقد استخدم أدواتها من أجل استرجاع أراضيه.

في منتصف التسعينيات حاول الموساد الإسرائيلي اغتيال خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في عمّان، ذلك من خلال حقنه بمادة قاتلة.

يومها هدّد الملك الراحل، الحسين بن طلال، بأنه سيلغي اتفاقية السلام ما لم تقم إسرائيل بتوفير الترياق الذي ينقذ مشعل، وهو ما كان.

لذلك يمكن اعتبار تلك الحادثة وما جرى اليوم في الباقورة والغمر أمرين متشابهين، من ناحية استخدام أسلحة الاتفاقية لغايات ردع إسرائيل عن الاعتداء على السيادة الأردنية.

لماذا صعّد الأردن مع إسرائيل الآن؟

في الآونة الأخيرة كان السلوك الإسرائيلي تجاه الأردن استعلائياً. لا يقيم وزناً لعمّان، ولا أهمية لموقعه ودوره. فما جرى في القدس والمسجد الأقصى من انتهاكاك وإدارة الظهر للوصاية الهاشمية، أشعر الأردن بالإهانة والحاجة إلى الردّ.

سياسة "الأردن طرف مضمون" لا تروق الملك والحكومة والرأي العامّ الأردني، لكن الممارسات الإسرائيلية في الآونة الأخيرة كانت تدور في ذلك الفلك، مما أغضب الأردن، وجعله أكثر رغبة في إرسال رسالة الخشونة.

أيضاً لعبة القفز عن الأردن في القدس، ومحاولة ادخال دول أخرى عربية للمسجد، ناهيك بسلسلة التطبيع المجاني لبعض دول الخليج، كل ذلك أشعر القيادة الأردنية بالعزلة، ممَّا أعطى دافعاً أقوى للقول: "نحن هنا".

القدس والوصاية في عين التوتر

الأردن، ممثَّلاً بالملك، ومرجعيات الدولة كافة، يدركون أن إسرائيل في الآونة الأخيرة بدأت تعبث في موضوع الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية.

انتهاكات واقتحامات مكثفة لم تراعِ الاتفاقية مع الأردن. أضف إلى ذلك تصريحات نتنياهو عن ضم أراضي الغور وشمال بحيرة طبرية، كما أن اليمين عاد للحديث عن "الوطن البديل".

بمعنى أن إسرائيل تريد فصل المسار الأردني عن الفلسطيني، وتريد أن تجعل الأردن ضحية لعبثها مع الفلسطينيين، وهذا التجاوز لا يعجب الأردن، وجعله أكثر قابلية لتوجيه الرسائل الرافضة والتصعيدية.

الرأي العامّ الأردني بات لاعباً في رسم السياسات

من يراقب المشهد الأردني، تحديداً في جزئية العلاقة مع إسرائيل، يلحظ أن "الرأي العامّ الأردني" بات لاعباً رئيساً في توجيه تلك العلاقة ورسم معالمها.

الرأي العامّ الأردني قرر قبل عام ضرورة استعادة الباقورة والغمر، قام بتذكير السلطات الأردنية بذلك، ضغط وانتقد ومارس كل أنواع الفاعليات لاستعادة الأراضي.

حتى في قضية الأسيرين "مرعي–اللبدي" أعتقد جازماً أن الرأي العامّ الأردني كان حاسماً في المسألة، فحجم الضغط الذي مارسه على الخارجية الأردنية كان كبيراً ومكثفاً.

طبعاً، هناك تقاطعت الإرادة الشعبية العارمة مع "رغبة" الملك والدولة في انتهاز سانحة الرد على الغطرسة الإسرائيلية، واستثمار اللحظة سياسيّاً وشعبيّاً، وهو ما كان.

الأردن ليس ضعيفاً 

ثمة درس يجب على الأردن تعلمه مما جرى في قضتي استعادة الباقور والغمر، وإطلاق سراح "اللبدي-مرعي"، الدرس يقول إن اسرائيل لا تسمع إلا للأقوياء، ولا تصغي إلا إلى رسائل القوة والخشونة.

الأردن ليس ضعيفاً. لديه أوراق قوة حقيقة لا متوهَّمة، لكنه يحتاج إلى الرغبة والإرادة لاستخدامها. ولعل أهم أوراقه تلك الاتفاقية مع إسرائيل التي يمكن استغلال عملية إلغائها بأحسن طريقة.

العلاقة مع الفلسطينيين نقطة قوة أردنية، كما أن التصالح مع الرأي العامّ الوطني يشكّل عامل قوة وذخيرة حية لإخضاع إسرائيل في ملفات كثيرة.

ومرة أخرى، يجب على الأردن أن يكون حاسماً في أنه ليس مجرد طرف مضمون وداخل الجيبة الإسرائيلية، وأنه لن يقبل بعد اليوم لغة الاستعلاء والإهانة الإسرائيلية.

في قادم الشهور مواجهات استراتيجية أهم مع اسرائيل، لا بد من الاستعداد لها، فما جرى إنجاز وطني كبير، ورؤية العلم الأردني يرفرف على أراضي الغمر والباقورة مشهد يؤسّس للحظة قادمة.

العبرة الرئيسية تقول: إن ما جرى يؤسس لمرحلة تتدحرج، وتتنامى فيها رغبة وقدرات الأردن لمواجهة الغطرسة الإسرائيلية، لا سيما في ملفات معقدة كالقدس والتسوية مع الفلسطينيين.

لحظات القوة يجب أن لا تُبدَّد، يجب قراءتها بتمعُّن عميق، فهناك دروس يجب تعلُّمها، فما جرى تمرين تعبوي ناجح، سيكون من الخطأ عدم البناء عليه واستثمار لحظاته الزاهية.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي