رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو  (Pool/Reuters)

تتوافق الأوساط الإسرائيلية على أنّ محاولة الاعتراض الفاشلة للصاروخ الذي انطلق من سوريا باتجاه المنطقة المحيطة بمفاعل ديمونا النووي جنوب فلسطين المحتلة، جاءت نتيجة ثقة إسرائيلية متزايدة بالنفس، وتقدير إسرائيلي خاطئ بأنّها لن تهاجم، بعد عشرات الضربات التي وجهت للمواقع الإيرانية في طهران ودمشق.

مع العلم أنّ المخاوف الإسرائيلية من هذا الهجوم على المنطقة القريبة من مفاعل ديمونا تذهب باتجاه احتمالية أن يؤدي ذلك إلى التصعيد غير المرغوب من الجانبين على حد سواء، إسرائيل وإيران معاً، والخوف الأكثر من ذلك هو حدوث أسوأ سيناريو ويتمثّل بنشوء ضرر غير مخطط، رغم أن الجيش الإسرائيلي ردّ من خلال تدمير البطارية التي أطلقت الصاروخ المضاد للطائرات في ريف دمشق، مع القناعة السائدة في إسرائيل بأنه في المرة القادمة لن يكون ذلك كافياً.

كشفت التحقيقات الأولية التي أجراها الجيش الإسرائيلي أن صاروخ أرض-جو الذي سقط في وقت متأخر في صحراء النقب مصمم لضرب طائرات سلاح الجو، واستمر في التحليق باتجاه الأجواء الإسرائيلية، وهذا حادث أزعج إسرائيل للكثير من الأسباب والعوامل.

أول هذه الأسباب تتمثل بالحاجة الإسرائيلية الملحّة لمعرفة سبب فشل الاعتراض، وهل يرجع ذلك إلى اختيار المعترض الخاطئ، أم لأسباب أخرى؟ لأنّ وصف رحلة صاروخ أرض-جو تعتبر تحدياً بشكل خاص، وكأنه كان يغيّر مسار رحلته أثناء الطيران، ويتطلع باستمرار للحصول على أهداف جديدة.

ورغم أنّ منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية لديها أكثر أنظمة الاعتراض تقدماً في العالم، وطُوّرت للتعامل مع تهديد الصواريخ، لكنّها لم تستطع الرد على التهديدات الجديدة التي تمثّلت بصواريخ كروز والطائرات بدون طيار، وأخيراً صواريخ أرض-جو.

تزيد خطورة مهاجمة ديمونا بالخشية من تشجع قوى أخرى معادية لإسرائيل بتكرار ذات الهجوم، لأن هذه الصواريخ المتطورة كالتي سقطت في النقب يصل مداها إلى مئات الكيلومترات، رغم أنّها غير دقيقة، وقد لا تلحق الضرر بهدف معين، لكنّها قد تدفع صناع القرار الإسرائيليين إلى التفكير بعصبية وانفعال.

في الوقت ذاته، فإنّ الهجوم يمنح مزيداً من الثقة للجهات المعادية لإسرائيل، على الجبهات العديدة: شمالاً مع لبنان وسوريا، وجنوباً مع قطاع غزة، وشرقاً مع إيران والعراق، في تكرار هذه الهجمات مستقبلاً، الأمر الذي يعني بالضرورة الاعتقاد بإمكانية إقامة توازن ردع جديد مع إسرائيل، لذلك جاء تدميرها للبطارية التي أطلقت الصاروخ قرب ديمونا ليس فقط لإحباط تهديد فوري، ولكن أيضاً للحفاظ على توازن الردع.

يذهب التقدير الإسرائيلي باتجاه أنّ السوريين والإيرانيين سيملؤون مخازنهم قريباً ببطاريات وصواريخ جديدة، بفضل روسيا، التي تواصل لعبتها في الساحة الشمالية بين مختلف الأطراف المتصارعة، رغم أنها تدّعي أن هذه الأسلحة مخصصة للدفاع عن نظام الأسد، إلا أنّها قد تؤدي عملياً إلى تصعيد يحذّر منه الروس أنفسهم.

لا تتورّع إسرائيل في الإعراب عن قلقها أنّ هذه الصواريخ لا تهدد طائرات سلاحها الجوي فحسب، بل تهدد جميع الطائرات المدنية، بما في ذلك تلك التي تطير من إسرائيل وإليها، وقد يؤدي التوجيه الخاطئ مستقبلاً إلى تصعيد شديد، غير مرغوب، مع العلم أنّ إسرائيل أرسلت جملة تحذيرات بهذه الروح إلى روسيا عدة مرات في الشهور الماضية، لكن الأخيرة دائما ما سعت لكبح ما تعتبره عدواناً إسرائيلياً على سوريا، وتعزيز موقعها كوسيط بين الأطراف.

يتزامن الهجوم على محيط ديمونا مع التوتر المتنامي بين إيران وإسرائيل، الذي أخذ أشكالاً من التصاعد مع اندلاع ما باتت تُسمّى "حرب السفن" بينهما، وآخرها التحرك خلال العامين الماضيين ضد سفن الشحن وناقلات النفط التي غادرت إيران إلى سوريا، لدعم الأسلحة والنفط لنظام الأسد وحزب الله، وتحذير خبراء العسكرية البحرية الإسرائيلية مما قد تنطوي عليه هذه العمليات من مخاطر متفاقمة.

عند التفكير الإسرائيلي في التحضير لأي عملية انتقامية ضد إيران، إن ثبت دورها الحقيقي في هجوم ديمونا، فإنّ الهجمات الجوية الإسرائيلية مؤخراً داخل الأراضي السورية، والاستهدافات السريّة في قلب الأراضي الإيرانية، قد لا تكون كافية للرد على هذا الهجوم، رغم أننا أمام مئات الهجمات في سوريا والشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، التي تركزت على قوافل الأسلحة.

في معظم هذه الهجمات، لم تتحمل إسرائيل المسؤولية عنها، ولكن من حين لآخر، عندما ينهي قائد سلاح الجو الإسرائيلي وظيفته، أو عندما يريد رئيس الوزراء نقل رسالة أمنية، أو عندما يُطلب من رئيس الأركان ووزير الحرب التحدث للجمهور الإسرائيلي، يكسر أحدُهم هذا الغموض، وينشر البيانات المتعلقة بتلك الهجمات المسلحة، وهنا يظهر السؤال مشروعاً عن السبب الذي دفع إسرائيل لكسر هذه السياسة الغامضة، ودفع إيران للرد بهذه الوتيرة غير المسبوقة.

ربما شكّل هجوم ديمونا فرصة لاستعادة ما نفّذه الطيران الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة لحوالي خمسمئة هجوم في الشرق الأوسط، وفي معظم الحالات لم يتحمّل المسؤولية عنها، ومع ذلك، هناك مشكلة في هذه الفرضية الإسرائيلية، لأنّ الدولة التي تريد الردّ على هجوم معادٍ لا تختبئ وراء التقارير الأجنبية، لكنّها في الحالات التي قررت فيها الردّ رسمياً على هجوم، ربما تلجأ لتخفيف الغموض، مع توضيحات للجمهور حول ما تم الهجوم عليه، ولماذا؟ وهو ما قد نشهده في قادم الأيام رداً على هجوم ديمونا.

وبين عدم تحمل إسرائيل المسؤولية عن تلك الهجمات على أهداف إيرانية من جهة، وعدم قيامها بإخفاء الدافع الحقيقي لهذه الهجمات من جهة أخرى، وآخرها استهداف منشأة نطنز النووية، وقبلها اعتراض وتفجير عدد من السفن البحرية الإيرانية، فإننا أمام استراتيجية إسرائيلية لافتة تتمثل بأنّ ما تعلنه إسرائيل عن استراتيجية مفادها عدم السماح للمنظمات والدول المعادية بتهديد الطرق الدولية، انقلب عليها في استهداف إيراني لأخطر أسرارها النووية المتمثل بمفاعل ديمونا.

وبعد أن كان الحديث يدور عن أنّ الهجوم على السفينة الإسرائيلية في بحر الخليج يعادل مهاجمة منشأة نووية مهمة في إسرائيل، فإنّ هذه الفرضية تحققت، وبقدرة قادر، وخلال فترة زمنية وجيزة، الأمر الذي قد يحتّم عليها، مضطرة مجبرة، أن تضع هذا الهجوم كخط أحمر، وبالتالي فإن مهاجمة عدة أهداف أخرى في سوريا بعد ساعات فقط من صاروخ ديمونا ليست استجابة مناسبة ممن يحددون الخطوط الحمراء في إسرائيل.

وحتى تكشف كامل التفاصيل عن هجوم المنطقة المحيطة بمفاعل ديمونا النووي، فإن ذلك يعني مزيداً من تآكل الردع الإسرائيلي في المنطقة، وإدراك إيران لذلك، لا سيّما وأنّ الاستقطاب الإيراني الإسرائيلي يتزامن مع ما تراه المنطقة من ضعف وتردد من الولايات المتحدة، ونقص في عزمها، وتراجع في إظهار القوة أمام مواجهة "تنمّر" أعدائها، مع زيادة الحديث عن قرب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان.

من الواضح أنّ الهجمات الإيرانية قد تصبح أكثر جرأة في الفترة القادمة، بالتزامن مع وصول مفاوضات الملف النووي في فيينا إلى مرحلة حرجة، فالإيرانيون ينظرون للإدارة الأمريكية على أنها معنية بهذا الاتفاق، وربما بأي ثمن، ولذلك يمكن ابتزازها، وتهديدها، وهذا ينعكس في السلوك الإيراني على الجبهة النووية، ولذلك أتى هجوم ديمونا للتأكيد أنّ الإيرانيين، وفق الرؤية الإسرائيلية، يفهمون لغة واحدة فقط، هي القوة، مما سيدفعهم لمزيد من الضغط، رغم التهديد الأمريكي بزيادة العقوبات عليها، والتهديد الإسرائيلي بالهجوم العسكري.

أخيرا.. فقد أشعل "الهجوم الإيراني" المفترض قرب مفاعل ديمونا الأضواء الحمراء في الأوساط العسكرية الإسرائيلية، مما دفع أصواتاً إسرائيلية لعدم السماح بما وصفته "تغيير قواعد اللعبة" في الساحة الشمالية، وهو أمر يعني باللغة العسكرية العملياتية تكثيف النشاط الهجومي في الفترة الحساسة الحالية ضد المواقع الإيرانية والسورية في البلدين، رغم أن جاهزية الجيش الإسرائيلي لن تكفي، إذا لم يكن هناك من يتخذ القرار الصحيح لدى المستوى السياسي المنشغل بخلافاته الحزبية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي