لا يملك أحد تحليلاً دقيقًا حول دوافع الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، حينما أعلن، أواخر أيلول/ سبتمبر، الماضي، من على منبر الأمم المتحدة، عن عزمه إجراء انتخابات تشريعية في الضفّة الغربية وقطاع غزّة والقدس.

وبالرغم ممّا يراه البعض من اتجاه الأمور بالفعل إلى هذه الانتخابات، ولاسيما مع حلّ المجلس التشريعي، والحديث، الذي لا يبدو مؤكّدًا، عن ضغوط أوروبية على الرئيس عبّاس لإجراء هذه الانتخابات، فإنّ تصوّرًا سائدًا، يفيد أنّ هذا الإعلان لا يعدو أن يكون مناورة، حتّى لو انزلقت في النهاية إلى انتخابات.

تعتقد حركة حماس، أنّها بموافقتها على الانتخابات، وبشروط الرئيس عبّاس، وتنازلاتها عن كلّ مطالبها السابقة، أنّها بذلك ردّت الكرة إلى ملعب الرئيس وحركة فتح، وربّما سجّلت هدفًا في مرماهم، فقد قطعت الطريق على مادّة كانت كافية لإحراج الحركة إعلاميًّا، وإعادة تسميم المجال السياسي بالسجال حول التنصّل من المصالحة، والتهرّب من الاحتكام للشعب. كما أنّها أحرجت الأوساط الفتحاوية وأدخلتها في أزمة، حيث تقدّر حماس أنّ فتح كانت تراهن على رفض حماس لمقترح الانتخابات، أو تقديم شروط ستمنح فتح الفرصة لاتهام حماس بالتهرب من الانتخابات، والسعي للانفصال بقطاع غزّة.

من ذلك تبدو هذه الانتخابات وكأنّها تدور على أرضية المناورة، من الطرفين الرئيسين في الساحة الفلسطينية، إلا أنّ ذلك لا يمنع أن تتحوّل المناورة إلى واقع، تقول حماس، على وجه الخصوص، إنّها لا تخشاه، وإنّه قد يُشكّل مخرجًا من حالة الشلل السياسي المركّب، فمشروع التسوية وصل نهايته المأساوية، بينما يُحاصر قطاع غزّة، وفيه المقاومة، بلا أفق ظاهر، مع عجز مستحكم عن إنجاز المصالحة.

فالانتخابات من وجهة نظر الأطراف التي ترى فيها احتمالية لمخرج وارد، بما في ذلك حماس، وبالإضافة إلى كونها حقًّا للشعب، وأصلاً ينبغي الاحتكام إليه، قد تَخلِق حركة، وسط هذا الانغلاق والجمود، من شأنها أن تفتح على مخارج للجميع من أزماتهم المستحكمة.

فالاستمرار في الواقع القائم، والذي من معالمه مشاريع تصفية القضية الفلسطينية، المستفيدة من عجز الفلسطينيين وانقسامهم، أخطر من الذهاب إلى انتخابات تفتقر إلى جملة الضمانات التي لا بدّ منها لأيّ انتخابات، أي انفساح المجال أمام الحرّيات، وتحييد السلطة السياسية وأجهزتها المتعدّدة، والتي تكرّست خلال فترة الانقسام، عن التحكّم في العملية الانتخابية، ثمّ الضمانات الأهمّ، وهي القدرة على التعامل الإيجابي مع نتائج الانتخابات، ووضعها، فلسطينيًّا، على برنامج التطبيق، لتجاوز المرحلة السابقة عليه.

هذه هي أهمّ مبرّرات الدافعين نحو هذه الانتخابات، والمخفّفين من التخوّفات والانتقادات التي تُوجّه لهذا المُقترَح، مع إقرارهم بوجاهتها، ومع توقّعاتهم بإمكانية تذليل العقبات التي ستعقب هذه الانتخابات، دون أن تقول لنا كيف يمكن تذليل تلك العقبات، وعلى أيّ أساس تنهض تلك الآمال بإمكانية تذليل العقبات، وإذا كان الأمر برمّته مرهونًا بإرادة الأطراف، فلماذا لا تتوفّر هذه الإرادة الآن لإنجاز المصالحة، أو وحدة وطنيّة يستند إليها برنامج نضالي يواجِه به الفلسطينيون مخاطر تصفية القضية الفلسطينية؟ 

ثم لا تقول لنا هذه المبرّرات، أيّ شيء عمّا سيأتي بعد الانتخابات، وما هي الخطط المعدّة للاحتمالات كافّة، كأن تفوز حماس، أو تخسر حماس، بمعنى أنّ النقاش يغرق في لحظة التدبير السياسي الراهن على أرضية المناورة، ثم انتظار ما قد يحصل، وكأنّ الجميع يشتري الوقت، على أمل أن يتوفر لديه في الأثناء ما يعزّز مواقفه.

بالتأكيد، لا يخفى عن أصحاب هذه المبرّرات أن الجميع ذهب إلى انتخابات في العام 2006 في ظروف أحسن ممّا هي عليه الآن، فلم تخضع الأطراف، حينها، لسابق خبرة انقسامية، وكان الجميع خارجًا من انتفاضة الأقصى التي بَرَزَ فيها شعار "شركاء في الدمّ.. شركاء في القرار"، وكان ثمّة تقاسم سلطوي حينما تُرِك منصب الرئاسة لفتح، وتحديدًا للرئيس عبّاس الذي لم تربطه قبل ذلك علاقة مأزومة بحماس.

وبالرغم من ذلك، لم يقبل العالم نتيجة الانتخابات، وثَبَت لحركة حماس أنّه لا يمكنها حكم الضفّة الغربية، ولا حتّى تثبيت تنظيمها فيها، على الأقلّ دون تقديم تنازلات سياسيّة تتجاوز ما قدّمته فتح، كما أنّ فتح لم تكشف، حينها، عن نزعة ديمقراطية مفاجئة، وإنّما تصرّفت على العكس من ذلك تمامًا، وبطاقة استحواذيّة إقصائيّة متضخّمة للغاية، فما الذي سيجعل الأمر هذه المرّة مختلفًا؟ لاسيما، وكلّ المُقدّمات الظاهرة حتّى الآن لا تعكس احتماليّة قبول النتائج القادمة، أو التعامل معها بإيجابيّة تمنح القوى الفلسطينية القدرة على الخروج من هذه الأزمة المظلمة.

الرهان على أنّ "الحركة بركة"، وأفضل من حالة العجز الشامل والمطبق التي نعانيها الآن، رهانٌ غير كافٍ، بل يجب على كلّ من يرى في هذه الانتخابات احتمالية ولو ضئيلة بأن تحرّك المياه الراكدة، وبالتالي أن تحمل معها حلولها أن يجيب عن أهمّ أسئلة ماذا بعد؟!

ماذا لو فازت حماس وعجزت عن إدارة مؤسّسات السلطة في الضفّة، أو رفضت الأجهزة الأمنية، بل والجهاز البيروقراطي برمّته، الخضوع لها، كما حصل بالضبط بعد العام 2006؟ ما الحلّ في هذه الحالة، سواء فازت حماس بمفردها، أو بالتحالف مع المستقلّين، أو بقوائم مشتركة مع آخرين، حتّى لو اشتركت في قائمة واحدة مع فتح؟ ليس فقط لأنّ الاحتلال لن يقبل بذلك، وهو الأهمّ، ولكن لأنّ نخبة السلطة ليست في وارد التخلّي عن مكاسبها، وكلّ المقدّمات الجارية الآن تثبت ذلك.

وفي مقابله، ماذا لو خسرت حماس، وطولبت بالتمكين للفائز في غزّة، تحت شعار "السلطة الواحدة، السلاح الواحد"، فهل سندخل في دورة انقساميّة جديدة، ولكن دون أن تتمتّع حماس هذه المرّة بالشرعيّة الانتخابيّة التي أخذتها بعد فوزها في الانتخابات السابقة؟!

وأيًّا كانت المقدّمات والكيفيّات التي ستجري فيها هذه الانتخابات، وطبيعة القوائم والتحالفات، ففي كلّ الأحوال، ستبقى هذه هي السيناريوهات الأبرز، حتّى لو جمعت حماس وفتح قائمة واحدة، فنخبة فتح الآن، ليست في وارد المواجهة مع الاحتلال، ومن كان يفتقد الإرادة الآن، سيفتقدها غدًا، فلا معنى للتعويل على الإرادة لتذليل عقبات ما بعد الانتخابات، أو التعويل على أنّ مجرد الحركة قد يجلب معه حلوله ومخارجه.

هذا، وينبغي أن يدور النقاش أيضًا حول قضايا ومسائل أساسية، بعضها أكثر جوهريّة، وأخرى إجرائيّة أساسيّة، إذ كيف يمكن أن يكون تكرار التجربة في أساس المشكلة حلّاً؟ والمعني بأساس المشكلة وجود سلطة في ظلّ احتلال، وهل تملك حماس جهازًا تنظيميًّا قادرًا على القيام بعبء الانتخابات في الضفّة الغربيّة؟ وهل فعلت الحركة ما بوسعها لاستنهاض هذا الجهاز من جديد، والذي كان الأكثر تضرّرًا منذ انتخابات العام 2006 وما تلاها من انقسام؟

لا شكّ أنّه سيقال، فهل الحلّ في مراوحة المكان، والاختناق فيه، وانتظار المجهول من العدم؟! والإجابة الصحيحة، بلا تردّد، هي لا، لكن ينبغي والحال هذه، ألا يكون الحلّ رهانًا على المجهول والعدم كذلك، وانتظار المخارج من الغيب أيضًا، وهذا ما يبدو من فكرة الانتخابات، بيد أنّه، وبصرف النظر عن ذلك، ينبغي، بالنسبة لصاحب الرأي وصانع القرار، تعبئة النقص؛ بتصوّر الاحتمالات كلّها والاجتهاد في معالجتها سلفًا.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRTعربي.

المصدر: TRT عربي