نصب تذكاري لضحايا الإبادة الجماعية المزعومة للأرمن إبان الحرب العالمية الأولى  (Karen Minasyan/AFP)

لا شكّ أن الأحداث التي وقعت في عام 1915 كانت مأساة لكل سكان منطقة شرقي الأناضول من المسيحيين والمسلمين على حد سواء، لا سيّما وأنها أتت في خضم الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، بيد أنه لا بد من التأكيد على أن قفز رجال السياسة اليوم، خصوصاً المناهضين لتركيا، على الحقائق التاريخية وسعيهم لاستغلال مثل هذه الوقائع الحساسة من أجل تحقيق مكاسب سياسية، لن يعود بالنفع على أي طرف.

فعند دراسة هذه القضية في ضوء السياق الزمني والجغرافي الذي وقعت فيه، تظهر أمور كثيرة تسعى لوبيات الضغط الأرمينية إلى إخفائها، ولعل أول هذه الأمور أن تركيا ليست هي الجهة الوحيدة المعنية في تلك الأحداث، بل لعل الدور الأساسي الذي تسبب في حدوث هذه الواقعة هي روسيا والعصابات الأرمينية المسلحة التي كانت خنجراً في ظهر الدول العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى.

وفق وثائق تاريخية تركية، تبدأ قصة الأحداث المأساوية معوقوف العصابات القومية الأرمينية إلى جانب القوات الروسية في الحرب العالمية الأولى ضد بلدهم الدولة العثمانية التي كانوا مواطنين يعيشون في أرضها وينعمون بخيراتها.

وكانت تهدف العصابات الأرمينية عبر دعم الروس إلى إسقاط الدولة العثمانية ومن ثم إنشاء دولة أرمنية مستقلة في منطقة الأناضول.

وعندما نجح الجيش الروسي في احتلال أجزاء من شرقي الأناضول، زاد تعاون الأرمن القوميين مع روسيا وانشق عديد من الجنود الأرمن عن الجيش العثماني وانضموا إلى جيش العدو.

وفي تلك الأثناء، كانت العصابات الأرمينية، تعطّل طرق إمدادات الجيش العثماني اللوجستية، وتعيق تقدمه لمواجهة الجيش الروسي من ناحية، كما كانت ترتكب مجازر ضد المدنيين المسلمين في المناطق التي احتلوها، وتمارس شتى أنواع الظلم بحق سكان المنطقة على اختلاف عرقيّاتهم.

وكردِّ فعل على هذه الممارسات، حاولت الحكومة العثمانية، ثني قادة الأرمن بالمنطقة عن دعم الروس، إلا أنها لم تنجح في ذلك، ومع استمرار هجمات العصابات الأرمينية، قررت الحكومة في 24 أبريل/نيسان عام 1915، إغلاق ما يُعرف باللجان الثورية الأرمينية، واعتقال ونفي بعض الشخصيات الأرمينية البارزة. واتخذ الأرمن من ذلك التاريخ ذكرى لإحياء "الإبادة الأرمينية" المزعومة في كل عام.

ومع تواصل اعتداءات العصابات الأرمينية، قررت الحكومة العثمانية، في 27 مايو/آيار من عام 1915، تهجير الأرمن القاطنين في مناطق الحرب، والمتواطئين مع جيش الاحتلال الروسي، ونقلهم إلى مناطق أخرى داخل أراضي الدولة.

ومع أن الحكومة العثمانية، خططت لتوفير الاحتياجات الإنسانية للمهجّرين، إلا أن عدداً كبيراً من الأرمن فقد حياته خلال رحلة التهجير بسبب ظروف الحرب، والجوع، والأوبئة، والقتال الداخلي، إضافة إلى سعي السكان المحليين بشكل فردي للانتقام مما أصابهم وذويهم من العصابات الأرمينية.

وتؤكد الوثائق التاريخية، عدم تعمّد الحكومة وقوع تلك الأحداث، بل على العكس، حُوسب المتورطون وعوقبوا على الانتهاكات ضد الأرمن أثناء تهجيرهم، رغم ظروف الحرب.

وبحسب اتفاقية 1948، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، فإن مصطلح الإبادة الجماعية، يعني التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية.

وتؤكد تركيا عدم إمكانية إطلاق صفة الإبادة العرقية على أحداث 1915، بل تصفها بـ"المأساة"لكلا الطرفين، وتدعو إلى تناول الملف بعيداً عن الصراعات السياسية، وحلّ القضية عبر منظور"الذاكرة العادلة"الذي يعني باختصار التخلي عن النظرة أحادية الجانب إلى التاريخ، وتفهّم كل طرف ما عاشه الطرف الآخر، والاحترام المتبادل لذاكرة الماضي لدى كل طرف.

كما تقترح تركيا إجراء أبحاث حول أحداث 1915 في أرشيفات الدول الأخرى، إضافة إلى الأرشيفات التركية والأرمينية، وإنشاء لجنة تاريخية مشتركة تضم مؤرخين أتراك وأرمن، وخبراء دوليين.

ورغم ذلك،يواصل الأرمن مزاعمهم حول أحداث عام 1915، إلا أنهم في الوقت ذاته، يرفضون إتاحة كامل وثائق أرشيفهم لمختصّين وأكاديميين، مستثنين من ذلك من يؤيدون مزاعمهم.

والأمر لا يقتصر على الأرمن وحسب، بل إن عديداً من الدول التي تدعم وصف "الإبادة الأرمينية" لا توافق على فتح أرشيفها أمام الباحثين والمؤرخين كما تفعل تركيا لإظهار الحقيقة.

فكما تذكر مصادر تاريخية أنّ الدول الاستعمارية في مطلع القرن العشرين وعلى رأسها بريطانيا وروسيا وفرنسا، كانت تتبع سياسة إثارة اضطرابات داخلية في المناطق التي تريد التدخل فيها، والسيطرة على خيراتها، ومن أجل ذلك كانت تستخدم عصابات من المواطنين تلعب دور الخنجر في ظهر الدول المستهدفة.

يقول الكاتب الفرنسي إيف بينارد في كتابه"نظرة جديدة على وجهات النظر التركية الأرمينية"إنّ دولا مثل فرنسا وبريطانيا وروسيا ترفض المطالب المتعلقة بفتح أرشيفاتها، لأنها تخشى من حقيقة عدم ارتكاب تركيا لأي إبادة بحق الأرمن، والحقيقة أن الأرمن لم يكونوا "القط الوديع"، خلال أحداث 1915، بل ارتكبوا فظائع عديدة بحق المسلمين بين عامي 1914-1915".

وتأكيداً لرأي بينارد، عثر فريق علمي تركي من مركز دراسات العلاقات التركية الأرمينية التابع لجامعة أتاتورك في عام 2015 على 185 مقبرة جماعية، تعود لمدنيين تعرضوا للقتل على يد العصابات الأرمينية مطلع القرن العشرين في ولايات أرضروم، وبيتليس، وغيراسون، وأرداهان، وقارص، وأغدير، شرقي الأناضول.

وعن الدوافع الحقيقية للحملات الأرمينية خلال السنوات الأخيرة، يؤكد المؤرخ الأمريكي، جاستين مكارثي في ندوة عُقدت عام 2015 بمناسبة نشر كتابين له تحت عنوان"صورة التركي في أمريكا"و"الأتراك العثمانيون من 1280 إلى 1923"، أن "القوميين الأرمن يسعون لتحقيق ثلاثة أهداف عبر تصعيد ملف أحداث 1915، أولها اعتراف تركيا بوقوع إبادة، وثانيها إلزام تركيا بدفع تعويضات تتجاوز 80 مليار دولار، وأخيراً تنازل تركيا عن جزء من أراضيها شرقي الأناضول، ومن ثم ضمها إلى الجمهورية الأرمينية الكبرى".

من جانبه، كشف البروفسور التركي خلوق سلفي، مدير مركز أبحاث العلاقات التركية الأرمينية في جامعة سقاريا، في تصريحات إعلامية عام 2018 أنّ "نحو 300 لوبي أرمني حول العالم، يعتمدون في معيشتهم على المتجارة بمزاعم أن الأتراك ارتكبوا مجازر ضدّ الأرمن عام 1915، رغم افتقارهم للأدلة والوثائق التاريخية التي تثبت ذلك، فمثلاً الأرقام الواردة بالأرشيف التركي تشير إلى وجود مليون و100 ألف أرمني كانوا يعيشون في تركيا عام 1915، لكن اللوبيات تدّعي تعرّض نحو مليون ونصف أرمني للإبادة في تلك الحقبة الزمنية".

يُذكر أنّ عام 2009 شهد تطوراً مهماً من أجل تجاوز أزمة أحداث 1915، حيث وقّعت تركيا وأرمينيا على بروتوكولين يقضيان بإجراء دراسة علمية محايدة للمراجع التاريخية والأرشيفات، من أجل بناء الثقة المتبادلة وحلّ المشاكل الراهنة، غير أن المحكمة الدستورية في أرمينيا رفضت البروتوكلين بذريعة أنهما "لا يتماشيان مع نص الدستور وروحه".

وبررت المحكمة قرارها بإعلان الاستقلال الذي ينصّ على "مواصلة الجهود من أجل القبول بالإبادة الجماعية في الساحة الدولية"، والذي يعتبر شرقي تركيا جزءاً من الوطن الأرمني، تحت مسمى "أرمينيا الغربية".

ورغم كل ذلك وفي خطوة غير مسبوقة، أعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عن تعازيه لمواطني الدولة العثمانية الذين فقدوا حياتهم إبان الحرب العالمية الأولى، وعلى رأسهم الأرمن، ووجه دعوة من أجل السلام والتصالح، في رسالة بتاريخ 23 أبريل/نيسان 2014، عندما كان رئيساً للوزراء.

فيما أكد وزير الدفاع التركي في مقال صدر له هذا الأسبوع في صحيفة "ريل كلير ديفينس" العسكرية الأمريكية، حول "أحداث 1915" أنّ "اختلاق العداوات من التاريخ ليس مقبولاً وغير مُجدٍ لبناء مستقبل مشترك، وأن تركيا لطالما دعت أرمينيا إلى تشكيل لجنة مشتركة تضم مؤرخين وعلماء لدراسة أحداث 1915. لكن الأخيرة لم ترد على مقترح تركيا الساري حتى الآن".


TRT عربي