جو بايدن (Reuters)

وأنا أتابع المقالات التي تُكتب في الصحافة الأمريكية عن هذه الخطوة، التي رفضتها تركيا وأدانتها بأشد العبارات، ولم أجد أي أسباب مقنعة تبررها بطريقة عقلانية، فكل ما يُكتب هو عبارة عن كليشيهات مستهلكة حول الأحداث، وعدد الضحايا، والأسباب التي أدت إليها.

وقد تعزز لدي هذا الانطباع من خلال الاتصالات التي أجريتها مع العديد من الأصدقاء القاطنين في واشنطن، والذين لم يجدوا أي مبرر حقيقي يدفع الولايات المتحدة إلى استفزاز أحد أبرز حلفائها في الناتو بهذه الخطوة، وخصوصاً أن الحادثة المشار إليها قد وقعت في القرن الماضي أي قبل 106 سنوات، عندما كانت هناك دولة هي غير موجودة على الخريطة الآن هي الدولة العثمانية.

ومن أبرزت هذه الكليشيهات التي سيقت في التبريرات لهذه الخطوة تلك المتعلقة بحرص إدارة بايدن على دعم وتعزيز مفهوم حقوق الإنسان. فإدارة الرئيس بايدن تريد أن تجعل من حقوق الإنسان في مركز اهتماماتها العالمية، وهناك من بات يصف عقيدة هذه الإدارة بأنها عقيدة حقوق الإنسان Human Right Doctrine. وأبسط رد على مثل ادعاء كهذا هو أن الوقت ما زال باكراً جداً للحكم على إدارة الرئيس بأنها إدارة حقوق الإنسان.

فلو كانت إدارة الرئيس بايدن جادة حقاً في أخذ حقوق الإنسان على محمل الجد فهناك الكثير والكثير من القضايا والأحداث والملفات المتعلقة بحقوق الإنسان حالياً، والتي تجري على مرأى ومسمع العالم، يمكن للإدارة الاهتمام بها بدلاً من الرجوع إلى أكثر من قرن ونيف، والاعتراف "بإبادة الأرمن" لكي تخادع نفسها بأنها من مناصري حقوق الإنسان والمدافعين عنها.

فهل أغفلت إدارة بايدن عينها عمّا يجري لأقلية الأويغور في الصين وما تتعرض له من إبادة جماعية بكل ما تحمل الكلمة من معنى؟ وهل انتبهت لما يجري لأقلية الروهينغيا في ماينمار، أو لما يجري للشعب السوري الذي ذُبح منه وهُجر أكثر من عشرة ملايين إنسان؟ والقائمة تطول.

الاعتراف الأمريكي بما يسمى بالإبادة الأرمينية، والرفض القاطع التركي لهذا الاعتراف لا يعني أبداً أن أحداثاً بشعة لم تكن قد ارتُكبت إبان الحرب العالمية الأولى، وهذا بالضبط ما حرصت تركيا على قوله مراراً، فليس هناك إنكار للقتل والتهجير بقدر ما هو دعوة لكل الجهات للبحث الموضوعي والعلمي عمَّا جرى في تلك الحقبة لإنصاف جميع الضحايا من الأتراك والأرمن على حد سواء. فكما أن هناك أعمالاً ارتُكبت ضد أرمن الدولة العثمانية، فقد ارتُكبت أعمال مثلها ضد مسلمي الدولة العثمانية أيضاً على يد العصابات الأرمينية. ومن شأن تحقيق جاد، وشفاف، وموضوعي، يراعي سياقات تلك المرحلة أن يحق الحق وينصف الجهات كافة التي كانت ضحايا لحرب عالمية راح ضحيتها عشرات الملايين من البشر.

يحاول أصحاب رواية حقوق الإنسان هذه تأكيد الدوافع الإنسانية لهذه الخطوة التي أقدمت عليها إدارة بايدن، من خلال إظهار أن الرئيس قد وضع المبادئ فوق المصالح السياسية والجيوستراتيجية. فأصحاب هذه الرواية يرون أن الأسباب التي منعت الرؤساء السابقين، من جورج بوش الابن إلى ترمب مروراً بأوباما، إنما كانت حرصاً منهم على علاقة بلادهم مع تركيا التي تعد حليفاً استراتيجياً، وخصوصاً إبان بعض الأحداث المفصلية كالحرب على تنظيم داعش الإرهابي على سبيل المثال.

وعلى الرغم من أن أصحاب هذه الرواية ما زالوا يؤكدون أهمية العلاقة مع تركيا، فإنهم يرون أن الاعتبارات المبدئية يجب أن تعلو على الحسابات السياسية والمصلحية، وخصوصاً أنهم يرون أن تركيا من خلال سياساتها الخارجية أو الداخلية إنما تبتعد عن روح الديمقراطية الليبرالية، وتبتعد عن الغرب من خلال تقاربها مع روسيا على سبيل المثال، ولذلك يرون أن إعادة الاعتبار للمبادئ على المصالح من أوجب الضروريات لتصحيح المسار مع تركيا. وهم بذلك إنما يكيلون بمكيالين، فإذا كانوا ينتقدون الرئيس التركي على طول فترة حكمه ويعتبرون ذلك ضرباً من الدكتاتورية، هذا على الرغم من أنه جاء بانتخابات ديمقراطية باعتراف كل الجهات الدولية، فإنهم يتناسون أو يغضون الطرف عن المستشارة الألمانية ميركل، ورئيس الوزراء الإسرائيلي اللذين حكما بلديهما أيضاً لفترة طويلة وما زالا في السلطة حتى الآن، ولا أحد ينتقدهما في واشنطن أو يعتبر طول فترة حكمهما ضرباً من الدكتاتورية.

فأندرو دوران، وهو موظف سابق في وزارة الخارجية الأمريكية إبان إدارة الرئيس ترمب، يكتب في مجلة فورين بوليسي أن فشل ترمب في الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن بمنزلة فرصة ضائعة لتعزيز سيادة الولايات المتحدة ضد محاولات تركيا لتقييد إجراءاتها، واستعادة مصداقيتها الأخلاقية.

ما زالت تركيا تعتبر حليفاً استراتيجياً للغرب، والعقلاء يدركون أن التفريط بعلاقة قوية مع تركيا من شأنه أن يضع مصالح الغرب والولايات المتحدة على المحك، وبدلاً من إلقاء الدروس والمواعظ حول حقوق الإنسان ومدى مركزيتها في السياسة الأمريكية، كان الأجدر بالولايات المتحدة الجلوس على طاولة واحدة مع تركيا من أجل حلحلة جميع القضايا الخلافية بينهما من أجل مصلحة الطرفين، وخصوصاً في منطقة تشهد حالة مستعصية من عدم الاستقرار.

والحديث حول أن منطقة الشرق الأوسط قد تضاءلت أهميتها للولايات المتحدة، وهي من دعائم أصحاب رواية حقوق الإنسان، ما هو إلا أضغاث أحلام، فالولايات المتحدة غير مستعدة للخروج من المنطقة لكي تسمح لكل من الصين وروسيا بالتمدد فيها للوصول إلى حدود أوروبا وهي درة التاج للهيمنة الأمريكية العالمية، فالولايات المتحدة من غير تحالفها مع أوروبا ستغدو دولة قارية وليست إمبراطورية عالمية، في مصير مشابه للمصير الذي آلت إليه الإمبراطورية البريطانية بعيد الحرب العالمية الثانية، وما دامت الولايات المتحدة الأمريكية باقية في المنطقة فإن تحالفها مع تركيا يعد جوهرياً.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي