يُلقي فوز جو بايدن بظلاله على طبيعة علاقة الولايات المتحدة مع قضايا العالم والشرق الأوسط ومع حلفائها، ومنهم الأردن الذي تَعرَّض لضغوط كبيرة جداً، بل ولعمليات ابتزاز من قبل الإدارة السابقة لموقفه السياسي إزاء القضية الفلسطينية.

انتهى ماراثون الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020 بفوز جوزيف بايدن مرشح الحزب الديمقراطي، ويُعتقد أن هذا الحدث سوف يشكّل تحولاً أساسياً في طبيعة السياسة والسلوك الأمريكي السياسي الخارجي خلال السنوات الأربع القادمة على الأقلّ، ويُعَدّ الأردن تقليدياً حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، ما يشير بقوة إلى أن الأردن سيتأثر بهذا التغير في الإدارة الأمريكية.

ويُلقي هذا التحول بظلاله على طبيعة علاقة الولايات المتحدة مع قضايا العالم والشرق الأوسط ومع حلفائها، ومنهم الأردن الذي تَعرَّض لضغوط كبيرة جداً، بل ولعمليات ابتزاز من قبل الإدارة السابقة لموقفه السياسي إزاء القضية الفلسطينية.

كما تعرّض لضغوط عربية، وعلى مستويات مختلفة في ظلّ تلك الإدارة التي سمحت لبعض الدول بأخذ دور أكبر من حجمها وقدراتها الجيوسياسية، مما انعكس على الأردن سواء في ما يتعلق بمواقفه من القضية الفلسطينية أو في ما يتعلق بوضعه الاقتصادي أو دوره الإقليمي، بل وطبيعة علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وكانت الإدارة الأمريكية السابقة قد فرضت عملية تطبيع على دول عربية عدة تسببت بتهميش دور الأردن في القضية الفلسطينية، وفي العلاقات مع إسرائيل.

التطبيع (AA)

ويستشرف هذا التحليل دور الأردن وسياساته الخارجية وأوضاعه الداخلية في ظل الإدارة الجديدة بما تحمل من آيديولوجيا سياسية في إدارة السياسة الخارجية، وبما تحمل من رؤية لمكانة الأردن وطبيعة دوره في المعادلات الجارية، الأمر الذي يفتح التفكير الاستراتيجي الأردني على الفرص المتاحة لهذا التحول لاتخاذ السياسات والتوجهات الاستراتيجية الأنسب.

فمن المتوقع أن التحول الأمريكي سيغيّر تقليدياً أنماط السلوك السياسي والأمني في الشرق الأوسط، مع الأخذ بالاعتبار الثوابت الأساسية المتعلقة بالمصالح الحيوية للولايات المتحدة، لكن ذلك لا يعني تطابق السلوك والمقاربات في السعي لتحقيقها بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ويُتوقع أن يكون أساسها الانفتاح على العالم، وسياسة الاحتواء المزدوج، والاهتمام بالحريات العامة وحرية الإعلام، وبحقوق الإنسان والإصلاح والديمقراطية.

وسينال ذلك دور دول حليفة، إذ سيتراجع بعضها لاعتبارات جيو-سياسية وجيو-استراتيجية أمريكية وشرق أوسطية، كما أن إسرائيل سوف تشهد تراجعاً سياسياً في ظلّ سقوط حكومة نتنياهو وانقسام حزبه والتحضير لانتخابات مبكرة في مارس/آذار 2021، ما يتيح الفرصة للأردن ليأخذ دوره الطبيعي، وليتراجع ضغط دول عربية عليه، وليعطى فرصة التقاط الأنفاس بالعودة إلى مسار ديمقراطي وسياسي أفضل، أساسه تعزيز الحريات العامة والصحفية، وتنشيط الحياة الحزبية، وتقوية دور البرلمان، واحتواء القوى المعارضة في النظام السياسي، والتراجع عن أي خطوات تصعيدية معها، بخاصة الإسلامية منها، بل وإعطاؤها فرصة المشاركة في الصورة الرئيسة للدولة عبر البرلمان والعمل المدني والحزبي والنقابي، كما أن الفرصة ستصبح سانحة لتطوير دور الأردن الإقليمي والعربي، وهو ما سينعكس على تعزيز استقرار الحكم والاستقرار السياسي وإتاحة الفرصة للتنمية الاقتصادية.

والسؤال الأساسي أمام صانع القرار الأردني اليوم: هل الأردن مستعد للتعامل مع هذه المتغيرات بعقلية منفتحة وببرامج وسياسات مناسبة، وبحكومة وقيادات سياسية رائدة؟ وهل سيبادر بتغييرات مهمة على هذا الصعيد للاستعداد لقطف ثمار هذا التحول؟

وعلى الصعيد الخارجي والإقليمي هل يمكن للأردن أن يبني رؤية لدوره في القضية الفلسطينية وفي مجالات الأمن والاستقرار في المنطقة، وأن يقدّم مقاربات استراتيجية يكون من خلالها جزءاً رئيساً في توجهات وسياسات هذه الإدارة الجديدة؟ وهل سيشكل نموذجاً للديمقراطية النسبية في المنطقة يمكن للإدارة الجديدة أن تأخذه بالاعتبار في تطوير أدوار الحلفاء في الشرق الأوسط، وربما إعادة تموضعهم في هرم الأهمية خلافاً لعهد دونالد ترامب؟

من المفترض أن هذه المسألة أصبحت من الديناميكيات الأساسية التي يجب أن تحرك صانع القرار الأردني لاتخاذها سريعاً وبإشارات ورسائل واقعية بعيداً عن الآمال أو التخوفات، مع الاستعداد لدخول مرحلة جديدة تحسم دور الأردنّ ومستقبله في المنطقة لصالح أمنه الوطني والقومي، بخاصة في حال نجح باستجماع أوراق القوة لديه بمتين الوحدة الوطنية داخلياً، وفي ملف القضية الفلسطينية بدعم وحدة الموقف الفلسطيني.

وفي هذا السياق يراقب صنّاع القرار الأردني تسارع التحول في مواقف عدد من الحلفاء إزاء سياسات كانوا قد ضغطوا على الأردن لتبنّيها وتحمُّل تبعاتها، تجاه سوريا وليبيا مثلاً، وتجاه الديمقراطية والأحزاب والحريات العامة، وتجاه العلاقات الإقليمية، إذ يُتوقع أن يشهد عهد الإدارة الجديدة تحولات أساسية في هذه الملفات المختلفة، ويبدو أن الذين يستعدّون ويخططون مسبقاً يقطفون الثمار مبكراً.

والأردن اليوم أمام فرصة لاستعادة مختلف أوراقه، لا سيما وأنه دولة محورية ذات بعد جيو-سياسي ودور استراتيجي حيوي بالنسبة إلى الإدارات الأمريكية (باستثناء عهد دونالد ترامب)، وبالتالي فهو قادر على استعادة هذه القوة في المقاربات الإقليمية المختلفة، وبابتعاده عن الاصطفاف في المحاور المتصارعة، كما في الأزمة الخليجية مثلاً، أو كما في المعركة التي يخوضها البعض ضد حركات الإسلام السياسي مثل جماعة الإخوان المسلمين مثلاً لأهداف شخصية ولاعتبارات لا علاقة للحالة الأردنية بها.

مقاطعة إسرائيل في الأردن (حركات المقاطعة الأردنية)

وكان الأردن قد حاول فعلاً النأي بنفسه عن هذه المسارات، لكن الضغط لم يتوقف، وهو اليوم يمكنه تنفس الصعداء، فحتى السائرون في هذا الدرب لم يعُد لهم غطاء دولي يساعدهم أمام القانون الدولي وحقوق الإنسان، وهم سيحاولون تعديل سلوكهم، سواء تفهماً للتغير أو تحت ضغط الإدارة الجديدة. وتُعَدّ دعوة رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي لزيارة مجلس النواب الأمريكي إشارة مبكرة على هذه التحولات، ما يحتّم على الأردن أن لا يكون بعيداً عنها، إن لم يكُن شريكاً فيها وفي رسمها، دون خشية من الضغوط ومحاولات الابتزاز السابقة، التي ستتراجع وتنتهي خلال سنوات قادمة.

إن النظر إلى هذا التحول بواقعية يُفضي إلى النظر بجدية إلى إعداد مشاريع عملية أردنية، واتخاذ إجراءات تحقّق الاستقرار والتوازن الداخلي، وتشجّع التنمية والتطور الاقتصادي، وطبعاً مع ممارسة أقصى درجات الشفافية، وتفعيل دور مجلس النواب، والتدخل الملكي المباشر بإعادة الثقة بمؤسسات الدولة، وتشجيع الحياة الحزبية والتشاور مع الأحزاب والقوى السياسية المعارضة، وعلى رأسها الحركة الإسلامية، لزيادة مستوى المشاركة والشراكة السياسية.

من جهة أخرى، على صانع القرار الأردني سرعة بلورة رؤية أردنية متماسكة للتعاون مع الإدارة الأمريكية الجديدة في استعادة أهميته في السياسات الدولية والعربية والإسلامية، وفي حلّ أزمات المنطقة بدور قويّ متوازن في كل من ليبيا وسوريا واليمن والعراق، وإنشاء نموذج للحريات والديمقراطية والشراكات الوطنية، بعيداً عن التموضعات الصفرية التي حاول البعض دفع الأردن إليها خلال عهد ترامب، وكذلك في الصراع العربي-الإسرائيلي بشقَّيه الفلسطيني والعربي على حد سواء، وإن نجح الأردن في ذلك فسيكون شريكاً في إعادة بناء الواقع الصعب في المنطقة، وستنظر إليه الإدارة الأمريكية نموذجاً ناجحاً في الشرق الأوسط.

وعلى صعيد آخر، فإن الإدارة الأمريكية الجديدة معنيّة بتقوية دور الأردن المتميز، وتخفيف الضغوط عليه لصالح إنعاش وضعه الداخلي واقتصاده واستقراره السياسي والاجتماعي، حتى يساهم في إعادة الاستقرار إلى المنطقة، وعليها أن لا تتيح الفرص للاعبين الآخرين للّعب داخل المملكة أو الضغط عليها اقتصادياً أو أمنياً، وليشعر الأردن بالطمأنينة في تحوُّله إلى نموذج ديمقراطي كما كانت تطمح الإدارات الديمقراطية المتتابعة، وقد عبّر الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون خلال تأبين الراحل الملك الحسين عام 1999 بقوله: "لن ندع الأردن وحده، وسنقف معه بكل قوة ليكون دولة حديثة ديمقراطية".

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي