حدثت مئات الانقلابات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكان معظمها برعاية الحكومات الغربية، حتى عندما كان خطابهم الرسمي يروج للديمقراطية.

قبل أن تُسلَّط الأضواء على كتابه الذي يحمل اسم "Clash of Civilization"، روج صموئيل هنتنغتون، أستاذ العلوم السياسية، لفكرة تفوق الحكم العسكري على نظيره المدني. وزعم هنتنغتون أن الدور السياسي الذي يلعبه الجيش كـ"ضمان" للأنظمة الموجودة يلقى استحساناً لدى "قادة الرأي الأمريكي" وأن "الولايات المتحدة كانت في كثير من الأحيان سعيدةً إلى حد كبير لإطاحة الجيش بالحكومات التي لا تعجبها".

وتعكس هذه الكلمات منطق السياسة الخارجية للولايات المتحدة وبعض حلفائها حول العالم. أطاحت الانقلابات، التي ترعاها الولايات المتحدة، عديداً من الحكومات القومية بدءاً من محمد مصدق، رئيس وزراء إيران (1954)، وسلفادور أليندي، رئيس تشيلي (1973)، ووصولاً إلى أحمد سوكارنو، رئيس إندونيسيا (1967)، وعلي بوتو، رئيس وزراء باكستان (1977). في حقيقة الأمر، حدثت مئات الانقلابات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكان معظمها برعاية الحكومات الغربية، حتى عندما كان خطابهم الرسمي يروج للديمقراطية، وحكم القانون، وحق تقرير المصير.

من الواضح أن الكيفية التي تعامل بها صناع القرار الأمريكي مع هؤلاء المنقلبين العسكريين كانت تتسم بدرجةٍ عالية من التعقيد، إذ كانت تسهم عوامل محددة -مثل وجود علاقات مقربة مع قادة الانقلاب، ونيتهم بشأن تنفيذ "التزاماتهم الدولية"، وقدرتهم على فرض سيطرةٍ كاملة على الحياة العامة، ومستوى العنف المستخدم- في تحديد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستعترف بقادة الانقلاب ومدى سرعة إعلان اعترافها.

على سبيل المثال، قال جون فوستر دالاس، وزير الخارجية الأمريكي السابق، في إشارةٍ إلى انقلاب غواتيمالا: "نريد أن نشعر بالرضا من أن النظام الجديد قادر على تنفيذ التزاماته الدولية ومستعد لفعل هذا.. إذا شعرنا بالرضا في ما يتعلق بهذه النقطة، فينبغي المضي قدماً للاعتراف (بالانقلاب)". وعلى نفس المنوال، عندما بات معروفاً أن قادة انقلاب 1967 في اليونان معروفون جيداً لدى الاستخبارات الأمريكية ولديهم صلات مقربة بمكتب الملحق العسكري، اعترف المسؤولون الأمريكيون بالانقلاب دون تأخير.

انقلاب بوسائل أخرى؟

ويكمن المنطق وراء الكثير من عمليات التدخل الغربي في سياسة الدول النامية بخاصة في الشرق الأوسط في ضمان تعزيز مصالحه الخاصة. إذ إن الانقلاب هو الخيار الأكثر تطرفاً في ترسانة سياسة التدخل في شؤون الدول الأخرى. فضلاً عن وجود عوامل أخرى أقل مباشرةً، من بينها العقوبات الاقتصادية، والحروب القانونية، وفي بعض الأوقات، ما يسمى بحزمة الإصلاحات الاقتصادية.

ورغم أنه بات إجماع آخذ في الانتشار في أعقاب الحرب العالمية الثانية على أن الديمقراطية تمثل شكل الحوكمة الأكثر فعالية تجاه تحقيق الرخاء المشترك والتعاون العالمي، ظل خيار استبدال أو تغيير الحكومات غير المرغوب فيها، وإن كانت شرعية، متصدراً قائمة خيارات السياسة الخارجية الغربية. وهذه حقيقة خاصة بالنسبة إلى الشرق الأوسط في أعين صانعي السياسة الأميركية.

وإذا كان بشأن استمرار هذا الخيار ضمن أدوات السياسة الخارجية الغربية أي شك، فقد جاءت "أزمة النفط" في 1973-1974 لتزيل هذا الشك. قبيل "أزمة النفط" وفي مؤتمر عُقد في مدينة الجزائر، طالبت 77 دولة نامية باستبدال نظام اقتصادي عالمي جديد بنظام بريتون وودز، يجعل النظام الاقتصادي العالمي أكثر تلبيةً لاحتياجات الدول النامية.

كانت حقيقة ارتفاع أسعار النفط بنحو 380% خلال ثلاثة أشهر فقط تأكيداً غير مسبوق للسيادة القومية في بعض الدول النامية، ما أرعب صانعي السياسة الأميركية، الذين رأوا تحولاً ممكناً في ميزان القوى بين العالم الصناعي والنامي.

كان رد الفعل الأمريكي قوياً، إذ بات صانعو السياسة مقتنعين بوجوب كسر تضامن "العالم الثالث" واتخذوا خطوات كي يضمنوا أن النظام العالمي سيحد من قدرة دولة أو مجموعة من الدول على زعزعة تدفق التجارة العالمية.

وفي إطار هذه العملية، رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة في عام 1979 مسبباً في اندلاع أزمة الديون في ثمانينات القرن الماضي. ورداً على أزمة الديون، قُدمت سلسلةٌ من المبادرات السياسية التي قضت على الدعوة لإنشاء نظام اقتصادي عالمي جديد، ودشنت لما عُرف بـ"إجماع واشنطن".

ويعني هذا أن الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، بعد شعوره بالتهديد من القومية الاقتصادية للدول النامية، دشن برنامجاً يضمن بفعالية نفس الهيمنة التي كانت تتمتع بها الدول الاستعمارية سابقاً والولايات المتحدة لاحقاً.

ويرتكز منطق "إجماع واشنطن" في أساسه على نفس المبدأ الذي يبرر الانقلابات العسكرية بوصفها خيارات دبلوماسية مشروعة. ورغم الخطاب المتواصل الداعم للـ"ديمقراطية"، دأبت الدول الكبرى على تقويض السيادة المحلية عندما تُوصف بأنها معادية لمصالحها.

قضية 15 يوليو/تموز

تمنح الذكرى الثالثة لمحاولة تنفيذ انقلابٍ عسكري في تركيا في 15 يوليو/تموز فرصةً لتأمل الوضع الذي نقف فيه حالياً، إذ يشير رد الفعل الفاتر في تلك الليلة من قبل العديد من القادة الأوروبيين والأمريكيين تجاه ما حدث في تركيا بكل بوضوحٍ إلى أن الطريقة التي تفكر بها العواصم الغربية لم يطلها التغيير إلى حدٍ كبير. وبخلاف البيانات الغامضة الداعمة للديمقراطية وحكم القانون في تركيا، لم تعلُ نبرة القلق لدى العواصم الغربية إزاء ما يحدث إلا بعد أن تبين أن هؤلاء الذين يقفون وراء الانقلاب ليسوا من نوعية الضباط العسكريين الذين يدعمهم الغرب عادةً.

لولا إرادة الشعب من مختلف الأطياف السياسية في تلك الليلة في إسطنبول وأنقرة، ربما كانت تركيا لتصبح في وضعٍ مختلفٍ تماماً وأكثر سوءاً مما هي عليه اليوم؛ وهو وضعٌ كان صناع السياسة في أوروبا والولايات المتحدة سيتغاضون عنه في الأغلب -مثلما حدث في مصر ودولٍ أخرى- رغم تناقض موقفهم هذا مع خطابهم السياسي. وإلى أن تدين الحكومات الغربية الانقلابات العسكرية والتدخل في الشؤون المحلية الشرعية إدانة أوضح، ستظل الدول المتأثرة بهذه السياسات مقتنعةً بأن القادة مدعي الديمقراطية لا ينخرطون إلا في سياسات وهمية منافقة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي