هل ما زالت حركات الإسلام السياسي قادرة على الإسهام في تشكيل مستقبل المنطقة؟!

يدور هذا السؤال بشكل متكرر وبصيغ مختلفة في الآونة الأخيرة، سواء في أروقة المراكز البحثية أو في دوائر صنع القرار في العواصم المعنية بمستقبل المنطقتين العربية والإسلامية. إذ إنه بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالإخوان المسلمين من السلطة في مصر عام 2013، وبعد التنازل الطوعي لحركة النهضة في تونس عن الحكومة في العام التالي نتيجة تعرضها لضغوط هائلة، ومع تفجُّر الأزمات داخل الحركات الإسلامية في دول أخرى مثل الأردن والمغرب نتيجة الموجة الارتدادية لانتكاسة الربيع العربي، ثم مع تصاعد الحملة المضادة للحركات الإسلامية السياسية ووصمها بالإرهاب إقليمياً ودولياً، بدا أن الإسلام السياسي قد دخل في طور الأفول، وبدأ الحديث جدياً عن نهاية الإسلاموية.

على النقيض من هذا الطرح، ما زال بعض الخبراء والمتابعين يؤمنون بوجود "العنقاء الإسلاموية"، القادرة على النهوض المرة تلو الأخرى من التهديدات الوجودية التي تمر بها، ويستندون في زعمهم هذا إلى سوابق تاريخية مرت بها حركات الإسلام السياسي، علاوة على بعض المؤشرات من نتائج انتخابات جرت مؤخراً في عدة دول، وأظهرت أن هذه الحركات على الرغم من أزمتها الراهنة ما زالت تحتفظ -بدرجة أو بأخرى- بشرعيتها وشعبيتها بين شعوب المنطقة.

مع الإقرار بأن الحركات الإسلامية السياسية تمر بتهديدات حقيقية بل ربما غير مسبوقة إلا أن الحديث عن نهايتها الوشيكة هو تعجُّلٌ ينم عن قلة تبصُّر.

محمد عفان

ربما تقتضي الحكمة أن نأخذ موقفاً وسطاً بين الطرحين السابقين، فمع الإقرار بأن الحركات الإسلامية السياسية تمر بتهديدات حقيقية، بل ربما غير مسبوقة، إلا أن الحديث عن نهايتها الوشيكة هو تعجُّلٌ ينم عن قلة تبصُّر. كذلك، فإن الحديث عن القدرة "الدائمة" لحركات الإسلام السياسي أن تتجاوز الأزمات التي تمر بها هو أقرب إلى الأمنيات أكثر من كونه تحليلاً سياسياً يستند إلى دراسة وبحث متأنيَين.

وبين هذا وذاك، يكون الإقرار بما تمتلكه هذه الحركات من إمكانات ونقاط قوة تؤهلها أن تستعيد دورها كفاعل سياسي/اجتماعي أساسي في مجتمعاتها، بل وأن تلعب أدواراً إقليمية في الملفات الهامة مثل النزاع العربي-الإسرائيلي، لكن مع ذلك فإن هذه الإمكانات لن تتحول تلقائياً إلى منجز سياسي إلا باشتراطات معينة، بدونها قد تطول فترة تيه حركات الإسلام السياسي لأجل غير محدد.

ربما كان من أوجب اشتراطات تفعيل الإمكانات الكامنة لحركات الإسلام السياسي هو أن تعي دروس الربيع العربي، وأن تبدأ هذه الحركات محاولة الإجابة على هذا السؤال التأسيسي: ما الخطأ الذي حوّل الفرصة التاريخية للربيع العربي إلى هذه النهاية الكارثية؟! ومن اللافت للانتباه حقاً، أنه بعد مرور أكثر من خمس سنوات على بداية انكسار موجة التغيير في المنطقة، لا نجد صدى لمراجعات حقيقية داخل حركات الإسلام السياسي للإجابة على هذا السؤال. بل الأعجب هو أن نجد هذه الحركات تتفادى القيام بمثل هذه المراجعات تحت ذرائع متعددة.

ومن اللافت للانتباه حقاً أنه بعد مرور أكثر من خمس سنوات على بداية انكسار موجة التغيير في المنطقة لا نجد صدى لمراجعات حقيقية داخل حركات الإسلام السياسي.

محمد عفان

فتارة يكون العذر أن التوقيت غير مناسب، في ظل الانشغال بالاشتباك المتواصل والمنهِك مع التطورات الجارية، وفي ظل الاستهداف السياسي والأمني لهذه الحركات من قِبل النظم السلطوية التي عادت لتثأر بشراسة من قوى الربيع العربي، وفي مقدمتها حركات الإسلام السياسي. وتارة أخرى، تكون الإجابات المجتزئة والتبريرية، المتمثلة في أن الخطأ يكمن في تآمر الدولة العميقة أو بقايا النظام القديم أو المخزن أو نحوها مع قوى إقليمية ودولية، إذ إنه لم تُتح لحركات الإسلام السياسي القدرة الحقيقية أو الوقت الكافي لإنجاح تجربتها.

وفي سياق آخر، يُستخدم الخطاب الإيماني والتربوي مبرراً لتسويغ تعثُّر الأداء، وتستخدم ثقافة "المحنة والابتلاء" للقفز على سؤال السنن والأسباب، فالخطأ في هذه الحالة هو أن حركات الإسلام السياسي ما زالت تحتاج إلى التمحيص لتنقية صفوفها، وأنها لم تستكمل بعد موجبات "التمكين". وفي أحسن الأحوال، تجد من بعض الحركات الإسلامية السياسية الإقرار بالأزمة، والحديث عن أن مراجعات تجرى بالفعل داخل أروقتها، دون أن ترى أثراً لذلك في تطور مواقفها أو أدائها، بما يعكس أن هذه المراجعات إما غير جادة أو غير مفعّلة، وعلى أي حال فهي ليست كافية.

وهكذا يبدو أن ملف المراجعات داخل حركات الإسلام السياسي ملفاً مؤجلاً أو مهمشاً بدرجات متفاوتة، وبمبررات متعددة، ربما باستثناء تجربة حزب النهضة التونسية ومؤتمرها العاشر الذي انعقد عام 2016، والذي –بصرف النظر عن قراراته– ينم عن مراجعات ممتدة وعميقة، تم تفعيلها بشكل عملي في صورة إعادة هيكلة مؤسسية وتغير إيديولوجي معلن.

القرار بشأن حجم الدور المستقبلي لحركات الإسلام السياسي في المنطقة وطبيعته يعود بالدرجة الأولى إليها هي وإلى قدرتها على استيعاب دروس الماضي القريب.

محمد عفان

إن استيعاب دروس الربيع العربي يتطلب من حركات الإسلام السياسي أن تدرك أن عملية المراجعات لكي تكون فعالة ومؤثرة يجب أن تتضمن شروطاً أربعة:

أولا: إدراك أن المراجعات سواء على مستوى الفكر أو الممارسات هي مسارٌ ممتد، لا تُرتهن لتطور الأحداث الجارية، وليست محدودة أو مؤقتة.

ثانيا: عملية المراجعة ليست مسألة انطباعية فردية، بل هي جهد منهجي ومؤسسي احترافي، بما يتضمن توسيع قاعدة الحوار داخل أروقة الحركة، بل يتضمن كذلك الاستعانة بخبراء ومختصين في مجال دراسة الحركات الإسلامية السياسية من خارج الحركة.

ثالثا: عملية المراجعة لا يجب أن تقتصر على القرارات والإجراءات، بل يجب أن تمتد لتشتمل على الأطر الإيديولوجية والبنى المؤسسية لهذه الحركات بالصورة التي لا تصبح فيها المراجعات قشرية أو هامشية.

وختاماً، فإن كل هذا الجهد سيظل حبيس الأوراق والحلقات النقاشية ما لم تكن هناك إرادة حقيقية وأدوات مؤسسية لتفعيل مخرجات لجان المراجعة هذه وتوصياتها بما ينعكس إيجابياً على هيكل هذه الحركات وسلوكها.

وبالعودة إلى السؤال الذي طُرح في البدء، يبدو أن القرار بشأن حجم الدور المستقبلي لحركات الإسلام السياسي في المنطقة وطبيعته يعود بالدرجة الأولى إليها هي وإلى قدرتها على استيعاب دروس الماضي القريب ومتطلبات الواقع المرتبك، فلا الإمكانات الكامنة ولا التضحيات الجسيمة بذاتها قادرة أن تعيد إليها مشروعيتها وفاعليتها، وبدون البدء بمراجعات منهجية وحقيقية، لن تتمكن سريعاً من إعادة تموضُعها وضبط بوصلتها بشكل صحيح.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي