احتفل أنصار حزب النهضة التونسي، بعد فوز الحزب بأغلب الأصوات في الانتخابات البرلمانية لعام 2019. (Reuters)

وكأنه مكتوب في الأسفار الأولى للديمقراطية العربية ألا يكون إسلاميون يشاركون في البناء وفي قطف ثمار الديمقراطية.

يدفع الإسلاميون هذه الحقيقة إلى مدى أبعد، فيرون الحرب عليهم هي حرب على الإسلام برمته (تاريخاً وحاضراً)، ونريد أن نختلف معهم في أن الأمر أهون من أطروحة الحرب الحضارية التي يروجون، ولكن وقائع كثيرة تنصفهم. ففي كل بؤر التوتر حول المتوسط يوجد إسلاميون بقلب المعركة لكن ضحايا لا فاعلين أصليين.

تعدُّد الأمثلة يربك التحليل

لن تعوزنا الأدلة على هذه الحرب منذ نصف قرن بل إن تعدُّد الأمثلة يجعلنا نختار أبلغها دلالة.

هل نبدأ من العشرية السوداء في الجزائر التي شرعها انقلاب دموي على نتائج انتخابات فاز بها إسلاميون وأوشكوا أن يحكموا الجزائر؟ أم نبدأ من حرب بن علي على حزب النهضة الإسلامي بتونس؟ أم من إلغاء حكم حماس في الأراضي المحتلة وقد ولاها الشعب قيادة معركة التحرير؟ أم نشير فقط إلى الانقلاب في مصر؟

وهل كان النظام التركي سيتعرض لهذا الكم من العراقيل لو لم يكن هواه الإسلامي غالباً. فالجيش التركي الذي حكم منذ العشرينيات لم يضار أبداً، وهو الذي تخصص في الانقلاب على الإسلاميين كلما اقتربوا من السلطة بالانتخابات.

توجد سيرة واحدة تتطابق حججها ويمكن تلخيصها بجملة مفيدة: ممنوع على الإسلاميين أن يحكموا بلدانهم ولو فوضتهم شعوبهم بالانتخابات.

وليس فقط حكم البلدان بل حتى قيادة منظمات مهنية ونقابية وجمعيات تدار بالانتخابات. وهذه السيرة مستمرة منذ الخمسينيات وقد دشنها عبد الناصر بانقلابه الأشهر الذي سمَّاه ثورة يوليو وقطع به الطريق على الإخوان الذين ارتفعت أرصدتهم الشعبية بحرب 48 ضد الاحتلال الإسرائيلي وما تلاها من مقاومة شعبية.

رفض جذري غير قابل للمراجعة

النظر إلى تاريخ بناء الديمقراطية وتعثراته من زاوية الحرب على تيار الإسلام السياسي العربي يفسر دوماً انتماءً إلى أطروحتهم السياسية، فعلى كل مثقف يريد أن يدخل منطقة الضوء وينال حظوة لدى الأنظمة أن يرفض هذه الزاوية من التحليل ويتبنى فقط أحد موقفين، إما أن الإخوان (عمود الإسلام السياسي العربي) عصابة منظمة شكلتها الإمبريالية لتخرب بها على الأنظمة الوطنية وبالتالي وجبت محاربتهم خونةً وعملاء (وهذا جوهر خطاب الأنظمة القومية ونخبها)، وإما في أهون الحالات النظر إليهم بسجونهم يعذبون ويقتلون والتعامل مع قضيتهم حقاً عاماً أوجب تخفيف العقوبة لأسباب إنسانية فقط (وهذا جوهر خطاب النخب الليبرالية).

هذه الأطروحات لا تجيب على سؤال بسيط: هل أنجزت الديمقراطية واكتملت الحريات وتقدمت التنمية الاقتصادية والاجتماعية بعد تغييب متعمد وقهري لتيارات الإسلام السياسي في كل قطر عربي على حدة وفي كلها مجتمعة؟

هذا السؤال ممنوع طرحه بالنقاش السياسي العربي لأنه يولد سؤالاً آخر: هل يمكن أن تتقدم الديمقراطية بوجود الإسلاميين؟ وهو السؤال الذي يربك أعداء الإسلام السياسي سواء في السلطة أو خارجها. وسبب المنع فيه أنه يطور النقاش إلى البحث في الموانع الحقيقية لإشراكهم طرفاً صاحب حق في الحكم وفي إدارة البلدان.

إذن لا بد من قطع الطريق على طرحه من خلال وصم كل من يطرحه بأنه يروج للإسلام السياسي وبالتالي ينتمي إلى صف الخونة وأعداء الأمة.

وقد اتضح أنه كيفما كان خطاب حركات الإسلام السياسي ومراجعاتها وتقبلها للنقد وتبرؤها من النزعات المتطرفة فإنها تظل ممنوعة الوجود والمشاركة. وكل ما نعاينه هو استمرار للحرب ضدها ولو أزرى ذلك بكل التحول الديمقراطي المطلوب شعبياً منذ الاستقلال عن الاحتلال المباشر.

لقد قبلت كل النخب العربية التضحية بالديمقراطية ما دام ذلك يمنع الإسلاميين الوجود القانوني والمشاركة السياسية، وهو موقف غير قابل للمراجعة. وهنا وجب منع طرح سؤال آخر: من المستفيد حقيقةً من قمع حركات الإسلام السياسي؟

اتفاق استئصالي مع قوى الاحتلال والهيمنة الغربية

لن نخجل من قناعتنا وسنكتبها بكل إصرار بأن مطلب منع حركات الإسلام السياسي الوجود والمشاركة مطلب فرضته قوى الاحتلال والهيمنة. وهذه القوى تحسن تقدير مصالحها، وقد وجدت هذه الحركات غير قابلة للضبط والإخضاع ولو تظاهرت بذلك.

حركات الإسلام السياسي بالمغرب العربي تهدد مصالح المحتل الفرنسي ويخشاها خشية الموت، ولذلك يحاربها بدعم الأنظمة، وما نظام بن علي علينا ببعيد. فمقابل تدمير حزب النهضة حظي الرئيس المخلوع بدعم فرنسي وغربي لمدة ربع قرن.

وحتى لحظة الثورة عليه ظلت قوة الاحتلال الفرنسي تدعمه وتوصيه بعدم فتح باب الديمقراطية التي يتسرب منها الإسلاميون.

يلتقي أعداء الإسلام السياسي بلا خجل مع قوى الهيمنة والاحتلال لمنع بناء الديمقراطية التي فيها للإسلاميين مكانة ودور ولذلك نختصر.

لن تقوم الديمقراطية في الوطن العربي إلا بعد إخراج الناس من هذه المعركة التي فرضها العدو ووجد لها نصيراً في الداخل يخوضها بدلاً منه ويقبض منها الكثير. هذا هو أحد العوائق الحقيقية للديمقراطية منذ نصف قرن في الوطن العربي.

وما لم يصل الناس إلى اتفاق حول هذه المسألة فإن معارك كثيرة وخسارات بالغة لا تزال في الطريق، وستدفع الشعوب المغلوبة على أمرها الثمن المؤلم.

والخشية أن يرد على استئصال باستئصال وندخل مرحلة طويلة من الاحتراب الأهلي، ولا نظن هذا الاحتمال بعيداً. لقد أفحش الاستئصاليون (أنظمةً ونخباً) بحق الشعوب في الحرية وما من مستفيد من ذلك إلا قوى الهيمنة الاستعمارية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي