من أبرز الأمور التي تكشفت وبدأت تترسخ سريعاً الدور الوظيفي الذي باتت تضطلع به الإمارات في خدمة المشروع الصهيوني في المنطقة، فقد كان التعاون الأمني بين الجانبين وما زال حديث الجميع، وربما المجال الأبرز للعلاقة بينهما.

مع الأيام تتكشف معالم الاتفاق التطبيعي بين الإمارات ودولة الاحتلال الإسرائيلي، وفي الوقت الذي كان يحسب فيه بعض المراقبين أن النتائج المترتبة على الاتفاق ربما تأخذ وقتاً حتى تختمر، يفاجئنا الساسة في تل أبيب وأبو ظبي بسرعة تحركاتهم.

ويدل ذلك على أمرين جوهريين هما: أولاً، أن العلاقات والتفاهمات والخطط بينهما كانت تجري على قدم وساق منذ فترة طويلة، وما نراه اليوم ما هو إلا إشهار لما كان مخفياً سابقاً فقط.

أما الأمر الثاني فهو متعلق بالنظرة المتطابقة لكل من تل أبيب وأبو ظبي لمجريات الأمور في المنطقة، والتي تتطلب سرعة في تنفيذ بعض الخطوات خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الأمريكية، والشكوك في فوز حليفهم ترمب الذي مهد لهم الطريق أمام الكثير من سياساتهم التدخلية في المنطقة.

للمزيد اقرأ أيضا:
إسرائيل ومشايخ التطبيع.. البحث عن مصالح ثنائية لا السلام

ومن أبرز الأمور التي تكشفت وبدأت تترسخ سريعاً الدور الوظيفي الذي باتت تضطلع به الإمارات في خدمة المشروع الصهيوني في المنطقة، فقد كان التعاون الأمني بين الجانبين وما زال حديث الجميع، وربما المجال الأبرز للعلاقة بينهما، وإذا كنتُ غير مطمئن لاستعمال كلمة تعاون هنا، وأجدها لا تصف حقيقة العلاقة بين الجانبين، حيث ما زلت على قناعة تامة بأن ما تقوم به الإمارات هو خدمة لإسرائيل وليس مجرد تعاون معها. فالتعاون يكون بين ندين على عكس ما نرى في الحالة الإماراتية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، حيث التبعية سيدة الموقف.

على أي حال، وبعيداً عن الاشتباك مع الاصطلاحات، فإن ما كشفت عنه التقارير مؤخراً يثبت الدور الأمني الوظيفي الذي تقوم به أبو ظبي لمصلحة تل أبيب. فقد كشف موقع JForum، وهو موقع للجالية اليهودية ناطق باللغة الفرنسية، أن الإمارات العربية ودولة الاحتلال الإسرائيلي تعملان على خطة لإنشاء قاعدة تجسس في جزيرة سقطرى اليمنية التي احتلتها الإمارات مؤخراً من خلال دعمها للمجلس الانتقالي الانفصالي الجنوبي.

وبحسب التقرير وصل وفد من ضباط المخابرات الإسرائيلية والإماراتية إلى جزيرة سقطرى مؤخراً من أجل فحص مواقع مختلفة بغرض إنشاء القواعد الاستخبارية المخطط لها. وسيكون الغرض من مثل هذه القاعدة جمع المعلومات الاستخبارية في جميع أنحاء المنطقة، وخاصة من باب المندب وجنوب اليمن، إلى جانب خليج عدن والقرن الإفريقي.

ولا يخفى ما تمثله جزيرة سقطرى، التي تبعد 350 كم عن جنوب اليمن، من أهمية استراتيجية في السياسية الإماراتية، فهي واحدة من أبرز نقاط الارتكاز في المشروع الإماراتي التوسعي في المنطقة. وقد مثلت السيطرة غير الشرعية من قبل القوات الإماراتية والموالية لها على حد سواء على الجزيرة طعنة للحكومة الشرعية اليمنية، التي تشكل التحالف السعودي الإماراتي في الأساس لدعمها، والوقوف بجانبها لدحر مليشيا الحوثي التي سيطرت على العاصمة صنعاء، وانقلبت على الحكومة الشرعية.

للمزيد اقرأ أيضا:
الاتفاق الإماراتي-"الإسرائيلي" من منظور تركي

وربما مثلت هذه السيطرة غير الشرعية الدليل الأبرز على النيات المبيتة للإمارات في دخولها لليمن. فهي لم تكن قط مع الشرعية اليمنية، بل كانت من أجل تعزيز مصالحها القومية الضيقة، وقد أدى بها الأمر إلى دعم قوى انفصالية خاضت حروباً طاحنة مع القوات الشرعية اليمنية، الأمر الذي أضعف موقفها في حربها الأساس مع مليشيا الحوثي، وهي حرب كلفت اليمن الكثير من الويلات حتى باتت الأزمة اليمنية، بحسب الأمم المتحدة، واحدة من أسوأ المآسي الإنسانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وما يتكشف حالياً هو أن هذه السيطرة الإماراتية على جزيرة سقطرى لا تتوقف على الإمارات وحدها، بل قامت الأخيرة بفتح الباب على مصراعيه أمام سلطات الاحتلال الإسرائيلي وأجهزته الاستخباراتية للنفاذ وتشكيل قواعد تجسسية في عمق العالم العربي، وبالمجان!! وبذلك تكون كأنها حصان طروادة يركبه الإسرائيلي لاختراق العالم العربي بكل أريحية.

فهل تصبح البقع التي تسيطر عليها الإمارات أو تلك التي تقوم بدعم الانفصاليين فيها موطئ قدم لإسرائيل؟ العديد من المؤشرات تقول "نعم". في وقت سابق خرجت تصريحات من قيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن توحي بانتفاء المانع لديهم، في حال تم انفصال جنوب اليمن وإعلانه دولة مستقلة، من ذهاب هذه الدولة للاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها.

إذن، ربما يصبح جنوب اليمن بأسره مرتعاً للعمليات الإسرائيلية وليس فقط جزيرة سقطرى. فإسرائيل التي تسعى إلى الاقتراب أكثر من إيران في إطار تنافسهما الإقليمي، ستجد موطئ القدم لها في اليمن، ومن ثم في الإمارات، وربما لاحقاً في البحرين، رصيداً استراتيجياً مهماً في لعبة الصراع الجيوسياسية مع الجمهورية الإسلامية. هذا فضلاً عن الكنز المعلوماتي الهائل الذي ستوفره هذه المنصات الاستخباراتية لإسرائيل عن شعوب المنطقة ومجتمعاتها، وهو الأمر الذي يبقيها دائماً متقدمة خطوة أو ربما خطوات عن منافسيها أو خصومها الإقليميين.

والأمر لا يتوقف على اليمن، فقد تحدثت عديد من التقارير عن التعاون العسكري والاستخباراتي الذي جمع بين دولة الاحتلال الإسرائيلي والانقلابي خليفة حفتر، فقد كان هناك اجتماع على سبيل المثال، جمع بين حفتر وقيادات استخباراتية إسرائيلية في إحدى العواصم العربية عام2015، وتم مناقشة المساهمة الإسرائيلية في المجهود الحربي لحفتر ضد الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس.

عبد السلام البدري، وهو نائب وزير الخارجية في الحكومة التابعة لحفتر، قام وبشكل صريح بطلب مساعدة إسرائيل في حربهم مع الحكومة الشرعية، وأكد أن إسرائيل ليست عدواً ولن تكون عدواً يوماً. وهذا يعني أنه في حال انتصر حفتر، لا قدر الله، فلن يكون عند حكومته مانع من الاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها، وبذلك لنا أن نتخيل كيف سوف تمتد يد إسرائيل من مياه الخليج شرقاً إلى مياه المتوسط غرباً عبر البوابات التي تفتحها أمامها الإمارات.

ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الجمعة أن الإمارات العربية المتحدة استخدمت برنامج تجسس إسرائيلياً لتعقب أفراد العائلة المالكة القطرية.

وأخيراً لا يسعنا أن ننسى حجم التعاون والتنسيق بين الجانبين فيما يتعلق بالاستخبارات الإلكترونية، فقد استعانت الإمارات في كثير من العمليات بتطبيقات التجسس التي توفرها مجموعة NSO الإسرائيلية من قبيل برنامجPegasus، للتجسس وجمع المعلومات عن مواطنيهم ومعارضيهم في الداخل والخارج، بل وعن بعض المسؤولين والقادة مثل أمير قطر ورئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري. ولا شك أن هذا التعاون الاستخباراتي أخذ أشكالاً مضاعفة بعد الاتفاق التطبيعي بين الجانبين.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي