يبعث الانقطاع المفاجئ الذي تعرضت له منصة فيسبوك مؤخراً صرخة مقلقة حول المدى الذي وصلت إليه حياتنا من الهشاشة عندما خضعت بياناتنا لاحتكار شركات تكنولوجيا المعلومات التي مازلت تعاني من فجوات تقنية من شأنها أن تعرّض معلوماتنا وخصوصيتنا للخطر.

أحدث الانقطاع المفاجئ الذي ضرب مؤخراً شبكة فيسبوك والتطبيقات الموصولة به مثل انستغرام ووتس آب بلبلة عامة وأثار فزعاً هائلاً عند قطاعات واسعة من المستخدمين، خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا وهي المناطق التي تأثرت أكثر من غيرها بسبب هذا الانقطاع حسب خريطة أعدها موقع Downdetector الذي أشار أيضاً إلى أن الانقطاع ضرب أجزاء من أمريكا الجنوبية وأستراليا وآسيا. و يعتبرهذا أسوأ عطل أصاب المنصة منذ 2008 عندما كان عدد مستخدمي فيسبوك 150 مليوناً فقط، بينما يصل عددهم الآن إلى ما يقارب 2.3 مليار مستخدم. وهو ما يجعل الانقطاع أكثر ضرراً.

لقد سلطت هذه الحادثة الضوء على عمق تبعية الإنسان للتكنولوجيا الحديثة من جهة واحتكار التكنولوجيا من طرف أقلية من الشركات من جهة أخرى. وتكمن أهمية هذا الوعي في ارتباطه بكون الإنسان في مسيرته نحو الانعتاق من المؤسسات التقليدية سياسية كانت أو دينية أو اجتماعية دائم البحث عن بدائل وخيارات توفرها التقنيات الحديثة للتكنولوجيا، وذلك من أجل أن تعيد له الشعور بحريته المسلوبة تحت منطق الإخضاع الذي تتخذه المؤسسات طريقاً للسيادة والحكم.

يتعلق الأمر هنا إذن بالاحتكار. لطالما كانت المؤسسات الدينية والسياسية تفرض سلطتها من خلال احتكارها لمصدري القوة والمعرفة، ومن هنا جاء ربط ميشيل فوكو ما بين السلطة والمعرفة؛ حيث إن القوة تتولد من خلال القدرة على إنتاج المعرفة أو السيطرة على مصادر إنتاج المعرفة بعبارة أخرى. وربما يكون المثال الأوضح على ذلك متعلقاً بمساعي الكنيسة على مدار قرون لاحتكار العلم اللاهوتي ضمن نخبة علماء الدين عندما منحتهم، بشكل حصري، شرعية قراءة الكتاب المقدس وتفسيره. ولقد تعرض هذا الاحتكار لضربة موجعة مع اختراع الآلة الطابعة على يد حداد من مدينة ماينتس Mainz في ألمانيا يُدعى يوهانس غوتنبرغ Johannes Gutenberg في العام 1430.

لقد كان اختراع الطابعة نقطة تحول في تاريخ الإنسانية؛ حيث تزامنت مع حركة الإصلاح الدينية التي أشعلها مارتن لوثر لينقلب على سلطة الكنيسة الكاثوليكية ويحرر النص الديني من احتكارها وجعله في متناول الناس العاديين حيث باتت المطابع، ولكي تدر الربح، تلجأ إلى ترجمة رسائل لوثر والكتاب المقدس إلى اللغات المحلية. وبذلك شعر الإنسان أنه غير مقيد فقط برواية الكنيسة ولا بنصها الديني الخاص من أجل فهم تعاليم الدين والتواصل مع الله. فمع حلول العام 1500 كانت مائتان وست وثلاثون مدينة في أوروبا تحوي مطابع من نوع مطبعة غوتنبرغ قد طبعت، حتى ذلك الوقت، ثلاثين ألف عنوان بإجمالي نحو عشرين مليون كتاب بأكثر من عشر لغات.

مهّد الخروج من احتكار الكنيسة الدخول في احتكار آخر؛ فمع الثورة العلمية التي صاحبت عصر النهضة، وتطور المؤسسات التعليمية، بات إنتاج المعرفة يقبع ضمن أبنية الجامعات، والمؤسسات البحثية التي غدت محركات التأليف وبيوت البحث العملي، وقد أصبح الإنسان العادي يجد صعوبة كبيرة في الدخول إلى هذه المؤسسات التي أنتجت بدورها نخبة متعلمة جديدة أصبحت تحتكر لاهوت المعرفة العلمية. ومن هنا تكون تكنولوجيا الطباعة قد أعادت انتشار فكرة الاحتكار وتوسيع مداها بعيداً عن الكنيسة لتشمل مؤسسات جديدة أنتجها المسار الطبيعي لتطور المجتمع.

لقد حلم الجيل الأول من الآباء المؤسسين لشبكة الانترنت بإنشاء "شبكة معرفة" هائلة بلا حدود تصبح فيها آليات عمل المجتمع أقرب إلى آليات عمل العقل.

إقبال بن قايد حسين

أستطيع أن أقول بأن الأمر ذاته تكرر مع اختراع شبكة الإنترنت، مع وجود اختلافات تتناسب مع معطيات العصر بطبيعة الحال. لقد حلم الجيل الأول من الآباء المؤسسين لشبكة الانترنت بإنشاء "شبكة معرفة" هائلة بلا حدود تصبح فيها آليات عمل المجتمع أقرب إلى آليات عمل العقل . لقد كان الحلم كبيراً لتحرير الإنسانية من جبرية الاحتكار وقد دفع هذا الكثير من الأكاديميين المتخصصين في علم الإنترنت والشبكات من أمثال مايكل بينيديكت ونيكول ستينجر أن يجادلوا بأن شبكة الإنترنت "ستعيدنا جميعاً إلى سيرتنا النقية الأولى ويتحقق السلام فنصبح جميعاً ملائكة إلى الأبد".

ولكن مع تطور الشبكة ووصولها إلى كافة مناحي الحياة، ظهر أن هذه الرؤية لم تكن إلا أضغاث أحلام. فقد أدى ابتكار الإنترنت كوسيط عالمي لا يكتفي فقط بعرض النصوص وإنما أيضاً بعرض الصور، وإجراء عمليات معالجة البيانات بين أجهزة الكمبيوتر إلى تحول خاصية هذا الوسيط الأساسية من ملتقى فكري حر إلى مشروع تجاري تحتكره بعض شركات تكنولوجيا المعلومات الكبرى.

تتم الاستفادة من المعلومات المنتجة في الفضاء الافتراضي نتيجة تمتع بنية الشبكة بخاصية متناقضة حيث إنها من جهة الانتشار لامركزية ولكنها من حيث السيطرة والتحكم مركزية بامتياز.

إقبال بن قايد حسين

نظرة سريعة على تطور معدل مساهمة الإنترنت في النشاط التجاري تُظهر حجم الاحتكار الذي بتنا ندين به لهذه الشبكة. فبعد أن تم الكشف عن شبكة الإنترنت العالمية المعروفة بـ World Wide Web في عام 1989 كانت نسبة مشاركة الإنترنت التجارية لا تتجاوز 5 بالمائة حتى عام 1993. ولكن بعد أن اتضحت مقدرتها الكبيرة على دعم جني الأرباح تهافتت عليها الشركات؛ حيث أصبحت المواقع التجارية تسيطر على الجزء الأكبر من الشبكة حتى بلغت 50 بالمائة بحلول عام 1995.

ومع حلول عام 1996 كانت نسبة سيطرة الشركات التجارية على الشبكة تصل إلى 70 بالمائة. و تكمن أهمية هذه التكنولوجيا في الحياة الاقتصادية في كونها أصبحت أساسية لبقية الأنشطة الاقتصادية الأخرى، مكونةً حجماً هائلاً من المعلومات التي أصبحت تحل محل رأس المال.

و تتم الاستفادة من المعلومات المنتجة في الفضاء الافتراضي نتيجة تمتع بنية الشبكة بخاصية متناقضة؛ حيث إنها من جهة الانتشار لامركزية وبذلك قادرة على جمع البيانات، ولكنها من حيث السيطرة والتحكم مركزية بامتياز. إن تلريونات من الميغابايت من المعلومات المحصودة والبيانات التي نتداولها يومياً مخزنة فقط في 13 من الخوادم الرئيسة التي يطلق عليها Root Server يوجد عشرة منها في الولايات المتحدة، والباقي موزعون بالتساوي بين استكهولوم وأمستردام وطوكيو. و يبدأ فهم قيمة المعلومات المحتكرة من خلال القوة المتولدة من إنتاج المعرفة المرطبة بها والتي تُسمى حديثاً Big Data. و لكن قد يكون هذا الاحتكار أخطر مما نظن باعتبار أن هذه البيانات أصبحت تستعمل لتمرين تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتهدد خصوصيتنا من خلال اختراق القراصنة كما حدث مع فيسبوك في فضيحة كامبريدج أنالتيكا قبل ما يقرب من سنة.

تشير الدراسات مؤخراً إلى أن المراهقين يقضون ما يقرب من تسع ساعات على شبكة الإنترنت يومياً، ويذهب 30 بالمائة من الوقت الذي يقضونه على الإنترنت إلى التفاعل عبر منصات التواصل الاجتماعي.

إقبال بن قايد حسين

كما أن أسماء النطاقات التي من خلالها تعمل بروتوكول الإنترنت تتحكم فيها هيئة خاصة توجد في الولايات المتحدة تُدعى هيئة ICANN وهي اختصار لهيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المتخصصة Internet Cooperation for Assigned Names and Numbers. وهذا ما يعزز من الاحتكار، ولنا أن نتصور في حال تعرضت هذه الهيئة لهجمات إلكترونية من قبل هجمات DDoS وحرمانها من الوصول إلى الشبكة كيف سيغدو العالم؟!

لقد غدا ارتباطنا الاحتكاري بالإنترنت أكبر مع انطلاق منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب وسناب شات. تشير الدراسات مؤخراً إلى أن المراهقين يقضون ما يقرب من تسع ساعات على شبكة الإنترنت يومياً، ويذهب 30 بالمائة من الوقت الذي يقضونه على الإنترنت إلى التفاعل عبر منصات التواصل الاجتماعي، وغالبية هذه التفاعلات بنسبة 60 بالمائة تتم عن طريق الأجهزة الذكية المحمولة. من الضروري التنويه هنا أن هذه التبعية لوسائل التواصل الاجتماعي هي التي تمكّن الشركات الكبرى خلفها من جمع حجم متزايد من البيانات و تحويلها الى معرفة اجتماعية يتم بيعها و تحسين قدرتها التسويقية.

تجد العلامات التجارية في منصات التواصل التجاري فرصة منقطعة النظير لجذب الزبائن حيث أنفقت هذه العلامات على إعلاناتها على هذه المنصات ما يزيد عن 36 مليار دولار في العام 2017. كما أن الدراسات أظهرت بأن 95 بالمائة من المراهقين يتابعون العلامات التجارية على منصات التواصل الاجتماعي، وأن نسبة 26 من مستخدمي الفيسبوك يلجأون إلى المنصة من أجل شراء منتجات جديدة. وأن 75 بالمائة من المستهلكين يؤمن بأن منصات التواصل الاجتماعي هي جزء أصيل من عملية التسوق لديهم.

وبالتالي فإن خروج منصة مثل فيسبوك عن الخدمة لمدة تقترب من 24 ساعة تعتبر كارثة على المنحنيَين الاقتصادي والمعرفي، ولذلك فبدلاً من أن تكون شبكة الإنترنت وتطبيقاتها ومنصاتها تكنولوجيا تدعم تحرر الإنسان من ظاهرة الاحتكار، عملت على تركيز هذا الاحتكار بوسائل أخرى، وبتنا اليوم مصابين بداءِ إدمان الأونلاين وشبكات التواصل الاجتماعي، بحيث أن انقطاع هذه الشبكات قد يصيب العالم بنوع من الهلع. وتكشف لنا هذه الحقائق كم باتت حياتنا أكثر هشاشة من ذي قبل.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي