إيلون ماسك خلال مؤتمر خاص بشركة سبيس إكس / صورة: AFP (AFP)
تابعنا

تتوالى الدلائل تباعاً على تعزيز نظرية أن شبكة الإنترنت هي مكون جوهري في أي صراع، فما أن تنشب حرب أو انتفاضة شعبية في أي مكان في المعمورة حتى تتوجه الأنظار إلى شبكة الإنترنت لدورها المحوري في عالم الاتصال والمعدات القتالية الحديثة، وبالتالي فإن أي لاعب يستحوذ على قدم السبق في أي تكنولوجيا مرتبطة بالإنترنت سوف ترتفع قيمته الاستراتيجية في معادلة الصراع. في هذا الصدد يبرز اسم إيلون ماسك ليس بسبب دراما استحواذه على شركة تويتر والجدل الكبير الذي يلفها منذ لك الحين، وإنما بسبب انخراطه بشكل مباشر في الصراع الكبير الدائر بين روسيا وأوكرانيا.

لقد حرصت موسكو منذ بداية الحرب على إخراج كييف تماماً من شبكة الإنترنت وحجبها عن العالم، ونظراً إلى أهمية الإنترنت في إدامة عملية التواصل بين مراكز التحكم والسيطرة التابعة للسلطات الأوكرانية وبين قواها العاملة على الأرض، برزت شركة SpaceX المملوكة لإيلون ماسك كلاعب جوهري في الصراع من خلال توفير الإنترنت الفضائي Starlink ليغطي غالبية المناطق الأوكرانية التي تشهد عمليات عسكرية وبشكل مجاني.

بعد ذلك بأشهر، اندلعت الاحتجاجات الشعبية في إيران ضد ممارسات السلطات في طهران بحق المرأة، إذ أدت تلك الممارسات إلى مقتل مهسا أميني على يد ما يسمى شرطة الأخلاق التي احتجزتها بسبب مخالفتها، وفق ادعائهم، قواعد اللباس المحتشم. مع انطلاق الاحتجاجات سارعت السلطات الإيرانية على حجب الإنترنت، أو تقليل الوصول إليه بشكل كبير وذلك في محاولة منها للسيطرة على الصورة، تجنباً لتأليب الرأي العالمي ضدها، ولتمارس القمع بعيداً عن أعين العالم.

بطبيعة الحال، تلجأ السلطات الإيرانية إلى سياسة الحجب هذه كلما اشتعلت الاحتجاجات الشعبية، فالأمر ليس بالجديد لديها فقد كان ذلك واضحاً منذ مظاهرات الثورة الخضراء عام 2009. فالسلطات الإيرانية تمتلك سلطة مطلقة على شركات الاتصالات داخل إيران حيث تعود ملكيتها إلى جهات محسوبة على الحرس الثوري الإيراني، الأمر الذي يجعل قطع الإنترنت عن البلاد أمراً ميسوراً. ونظراً لعدم ارتباط الاقتصاد الإيراني بشكل واسع بالاقتصاد الدولي، فإن إيران وعلى عكس العديد من الدول السلطوية في العالم، تستطيع تحمل قطع الإنترنت لفترات طويلة. يشاركها في ذلك على سبيل المثال كوريا الشمالية التي لا تبلغ نسبة اتصال البلاد بالإنترنت أكثر من 2 بالمئة.

على الطرف المقابل، كان العديد من القراصنة حول العالم يسعى إلى التحايل على هذه السياسات الإيرانية في حجم الإنترنت وقطعه من خلال توفير بوابة خلفية للنشطاء الإيرانيين للاتصال بشبكة الإنترنت عبر خاصية VPN. في أثناء الموجة الأخيرة من الاحتجاجات على سبيل المثال، كان هناك دور واضح لمجموعات القرصنة التي تسمي نفسها anonymous في توفير تكتيكات التحايل لإبقاء الشعب الإيراني موصولاً بالإنترنت. وقد أثمرت هذه التكتيكات في وصول مئات بل آلاف الفيديوهات التي تعكس واقع القمع الذي يتعرض له المحتجون في الشوارع الإيرانية.

في هذا السياق قفز اسم إيلون ماسك مجدداً، فقد أشارت تقارير إخبارية إلى أن البيت الأبيض قد أجرى محادثات مع إيلون ماسك حول إمكانية إنشاء خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية Starlink التابعة لشركة SpaceX داخل إيران. وتأتي هذه المحادثات، التي لم يجرِ الكشف عنها من قبل، في الوقت الذي تبحث فيه إدارة بايدن عن طرق لدعم حركة الاحتجاج الإيرانية التي انفجرت قبل عدة أشهر، وهي سياسة تقطع مع سياسة إدارة الرئيس أوباما (التي شغل فيها بايدن منصب نائب الرئيس) والتي رأت ضرورة غض الطرف عن مظاهرات 2009 في سبيل التوصل إلى اتفاق حول برنامج إيران النووي.

تُظهر هذه المحادثات عالية المستوى القيمة الاستراتيجية التي باتت تكتسبها شركة SpaceX المملوكة لإيلون ماسك. تعيد توجيه هذه القصة الأنظار إلى الطبيعية الاستراتيجية للإنترنت. فبالرغم من النظرة التجارية السائدة للإنترنت والتي تعززت منذ تسعينيات القرن الماضي مع انطلاق شبكة الويب، إلا أن الإنترنت كشبكة قد وُلدت في سياق استراتيجي في ظل التنافس بين القوى العظمى إبان انطلاق الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

كانت الولايات المتحدة حريصة على اختراع تكنولوجيا شبكيّة قادرة على الحفاظ على التواصل بين مراكز التحكم والسيطرة وبين القوى العاملة في الميدان في حال تعرضت الولايات المتحدة لهجوم نووي سوفيتي، خصوصاً أن السوفييت كانوا أسبق من الأمريكان في تطوير الصواريخ العابرة للقارات والقادرة على حمل رؤوس نووية، وهو ما جعل الأراضي الأمريكية في مرمى الصواريخ السوفييتية.

بالعودة إلى إيلون ماسك ومحادثات توفير الإنترنت الفضائي للشعب الإيراني، فالأمر لا يبدو بهذه السهولة المتوقعة على أهميته. إن قصة نجاح الإنترنت الفضائي في السياق الأوكراني لا يعني أنه يمكن تكرارها في السياق الإيراني، لاعتبارات كثيرة أهمها الاعتبار التكنولوجي والخبرة، فحتى يصل الإنترنت الفضائي إلى المستخدمين لا بد من توفير لاقطات أرضية. أولاً سيكون من الصعوبة تهريب هذه اللواقط داخل الحدود الإيرانية، على عكس الحدود الأوكرانية المفتوحة مع أوروبا، حيث بات هناك ما يقرب من 20 ألف لاقط عامل هناك. كما أن هذه المعدات تحتاج إلى خبرة ومهارة في الاستخدام لتجنب التتبع والتعقب من قبل الأجهزة الأمنية ومعروف أن تهم الخيانة من السهل أن تلحق في إيران بأي شخص يجري تعقبه مستخدماً لهذه الأجهزة، حيث يؤول الأمر إلى الحكم عليه بالإعدام بتهمة التجسس والخيانة. ولذلك فسياق استخدامها سياق خطير في الداخل الإيراني يحتاج إلى معالجة محكمة.

هناك اعتبار آخر يتعلق بالتكلفة، فقبل عدة أشهر أثار إيلون ماسك قضية التكلفة الكبيرة التي تتكبدها شركة SpaceX جراء توفيرها الإنترنت الفضائي المجاني لأوكرانيا، فحسب تقديرات الشركة فإن تكلفة هذه الخدمة قد وصلت إلى ما يقرب من 120 مليون دولار حتى نهاية عام 2022. ومن المتوقع أن تصل إلى 400 مليون دولار حتى نهاية عام 2023. وقد طالبت الشركة الحكومة الأمريكية بضرورة المساهمة في العبء المالي وإلا سوف تضطر الشركة إلى إيقاف الخدمة وهو الأمر الذي سيكون له انعكاسات خطيرة على عمليات الجيش الأوكراني في البلاد حسب تصريحات لمسؤولين أوكرانيين.

وبالرغم من عدم وضوح إذا ما كانت الحكومة الأمريكية قد تكفلت بسد هذه المبالغ إلا أن إيلون ماسك تراجع لاحقاً عن كلمته فيما يخص إيقاف الخدمة. في السياق الإيراني لا يبدو العبء المالي ضاغطاً حتى الساعة نظراً لمحدودية الخدمة هناك، ولكن إذا قررت الإدارة الأمريكية التوسع في هذه الخدمة هناك، فسوف يكون عليها التوصل إلى آلية لتحقيق التسويات المالية مع شركة SpaceX، فبالأخير ما يهم هذه الشركة ومثيلاتها هو الأرباح في المقام الأول. وتنامي قيمتها الاستراتيجية في الأخير يهدف إلى تعزيز عوائدها المالية. ولذلك فإيلون ماسك حريص جداً على تحويل هذه القيمة الاستراتيجية إلى مكسب مادي.

أعتقد أننا سوف نشهد توسعاً لانتشار الإنترنت الفضائي خصوصاً في جغرافيا الصراع، الأمر الذي ينمّي القيمة الاستراتيجية لهذه التكنولوجيا، وسيكون على الحكومات عبء إضافي في التوصل إلى تقنيات لحجب الإنترنت عن المستخدمين، وهو الأمر الذي ربما يزيد من استقلاليتهم وقدرتهم على التحرك.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي