رغم مبالغة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وصف الاتفاق بالتاريخي لرفع أسهمه في الانتخابات، ومسارعة نتنياهو لتسويق الاتفاق والتبشير باتفاقات مع دول عربية أخرى، فإن الاتفاقية تظل مع دولة هامشية في المنطقة وغير فاعلة سياسياً في الصراع مع إسرائيل.

لم تفاجئنا الإمارات بخطوة توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل، فقد جاءت بعد تاريخ طويل من العلاقات غير المشروعة مع الكيان الصهيوني انتهت باتفاق مشبوه يكرس منهج التآمر ضد الأمة وقضاياها ومحاولات تطويع إرادتها وكسر شوكة قواها الحية ضمن تحالف الدول المضادة للثورة.

كذبت الإمارات لتبرير فعلتها الشنيعة، ففضحها شريكها بنيامين نتنياهو منكراً أنه جرى وقف مخطط الضم، وقال إن "ما جرى هو تأجيل مؤقت للضم"، وأضاف: "لا تغيير في سياساتنا في (يهودا والسامرة)؛ أنا ملتزم تعهداتي وسأنفذها، وفرض السيادة بالضفة سيكون بالاتفاق مع الولايات المتحدة".

ويشير ذلك إلى أن ما أعلنته الإمارات لم يكن إلا دعارة سياسية تستكمل بها رعايتها لكل أشكال الدعارة الأخلاقية والعربدة في بلادها.

التحالف مع إسرائيل

وعلى الرغم من مبالغة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وصف الاتفاق بالتاريخي لرفع أسهمه في الانتخابات، ومسارعة نتنياهو لتسويق الاتفاق والتبشير باتفاقات مع دول عربية أخرى، فإن الاتفاقية تظل مع دولة هامشية في المنطقة وغير فاعلة سياسياً في الصراع مع إسرائيل.

كما أن تأثيرها على الفلسطينيين في الأرض المحتلة سيكون محدوداً وإن انطوت على مؤشرات خطيرة وتحالفات بالمنطقة تستهدف ما تبقَّى من محاولات استعادة الثورات العربية.

وتسعى الإمارات لتكريس أدوار بالضغط على الفلسطينيين بدخولها عن طريق الإسرائيليين إلى منظومة مساعدات غزة لمحاصرة الدور القطري الذي لم يضغط على الفلسطينيين لتقديم تنازلات سياسية، على عكس الإمارات التي لن تتورع عن ذلك من موقع المتحالف مع الكيان الصهيوني.

كما تسعى الإمارات لمحاصرة تركيا في ليبيا عبر دعم الانقلابي حفتر والتآمر عليها شرق المتوسط بدعم موقف اليونان ومصر وإسرائيل للسيطرة على أعمال التنقيب في البحر.

الاتفاقية المؤامرة

وفي سياق التسويق للخطيئة التي ارتكبها حكام الإمارات بحق القضية الفلسطينية والأمتين العربية والإسلامية، قالوا إن الاتفاق سيتضمن تسيير رحلات طيران إلى المسجد الاقصى، وتصوير ذلك بأنه فتح لحرية العبادة للمسلمين وليس تطبيعاً للعلاقات، وكأن ذلك سيوقِّف العدوان الإسرائيلي المستمر على الأقصى واقتحامات المستوطنين اليومية له!

وهكذا جاء الإعلان لا ليشكل علاقة جديدة مع الاحتلال، فالعلاقة قائمة أصلاً ويعرفها القاصي والداني، ولا تطبيعاً كان معروفاً وعلى كل المستويات، ولكن ليفرز تحالفاً علنياً مع إسرائيل لا يمكن أن يصب في مصلحة الأمة.

وقد أعلن أن وفداً إسرائيلياً رفيعاً سيزور الإمارات لوضع لمسات اتفاق السلام الذي سيوقع في واشنطن، إذ سيترأس هذا الوفد رئيس الموساد الإسرائيلي يوسي كوهينفي مؤشر واضح على طبيعة المفاوضات السرية التي سبقت الإعلان عن الاتفاق وأن القضايا الأمنية تشكل جوهره، بما يقتضيه ذلك من خطر على الشعب الفلسطيني والأمة العربية.

وللتدليل على ذلك، فقد كشفت صحيفة إسرائيلية أن نتنياهو زار في العامين الماضيين الإمارات على الأقل مرتين، كجزء من الاتصالات السرية لصياغة الاتفاق، وكان يرافقه رئيس مجلس الأمن القومي ومستشاره للأمن القومي مئير بن شبات.

ومن بين المهام التي شغلها بن شبات ضمن عمله السابق في جهاز المخابرات الداخلي "الشاباك" إدارة سير العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2008، ومن المعلوم أن "الشاباك" و"الموساد" ومجلس الأمن القومي تخضع بشكل مباشر لرئيس الحكومة الإسرائيلية.

ويؤكد ذلك الطبيعة الأمنية الخطيرة لهذا الاتفاق واحتمال احتوائه على بنود سرية تمكِّن الإمارات من ممارسة أدوار أمنية قذرة ضد المقاومة في الخارج، وربما من خلال أذرع لها في الداخل بمساهمتها في إعانات الفلسطينيين.

كما يضع ذلك علامات استفهام كبيرة حول عمق التنسيق الأمني مع الاحتلال، ويفتح سؤالاً عن مدى تواطؤ الإمارات في عمليات الموساد الإسرائيلي ضد ناشطين فلسطينيين في الخارج سابقاً، وخصوصاً اغتيال الكادر القيادي في حماس محمود المبحوح في دبي عام 2010.

ومن هنا جاء وصف السلطة الفلسطينية للاتفاق بالخيانة، وحماس له بأنه طعنة في الظهر.

مخلب قط

عملت الإمارات كمخلب قط في تحالف الشر الذي استهدف ولا يزال كل قوى التغيير المطالبة بالحرية في العالم العربي، ولم يكن ذلك أبداً بعيداً عن إسرائيل التي تشاركت في رؤيتها للثورات العربية بأنها تشكل خطراً عليها، ذلك أن إسقاط الأنظمة العربية المحيطة بإسرائيل والدول الخليجية التي تدعمها سيشكل تهديداً مباشراً للكيان الصهيوني، وهو الأمر الذي دفع بإسرائيل إلى اعتبار الرئيس الشهيد محمد مرسي شكَّل تهديداً استراتيجياً لإسرائيل.

قام التحالف الإماراتي-السعودي-المصري-البحريني على قاعدة إجهاض ثورات الربيع العربي والتحالف مع إسرائيل لتحقيق هذا الهدف وبرعاية أمريكية كاملة.

وأطلق ذلك يد الإمارات كدولة صغيرة لا تملك أي وزن في المعادلة الدولية، باستثناء أموال النفط الذي استخدمته لملاحقة الثورات بمصر وسوريا وليبيا واليمن، حيث وجدت لها موطئ قدم بهذه الدول من خلال التحالف مع القوى المعادية للحرية والديمقراطية والإسلام السياسي.

وجاء الإعلان عن الاتفاق ليجعل الإمارات الدولة العربية الثالثة بعد مصر والأردن التي توقع ما يسمى اتفاق سلام مع إسرائيل، وإذا فهمنا -وليس تفهَّمنا- توقيع البلدين لاتفاق سلام كونهما تمتلكان حدوداً كبيرة مع الكيان الصهيوني، فإنه ليس من المفهوم أن تقدم دولة عربية بعيدة آلاف الأميال عن فلسطين اتفاقاً مع إسرائيل بلا أهداف ومآرب لسلام لم يأتِ أبداً بعد حرب أو صراع مباشر بين الطرفين. وينطبق هذا على دول عربية أخرى خليجية وغير خليجية قد تخطو هذه الخطوة.

الخيانة لن تسود

إن ما يفعله محور الثورات المضادة من التقرب إلى إسرائيل والتحالف معها ضد الأمة سيدفع نحو مرحلة جديدة تهدف إلى تكريس الكيان الغاصب ونسج علاقات طبيعية معه ستلحق الأذى بقضية فلسطين وشعبها.

ولا شك أن العلاقات مع إسرائيل في مرحلة تتغول فيها على الفلسطينيين وتصعِّد سياساتها العدوانية والاستيطانية وترفض فيها حتى دولة فلسطينية على جزء يسير من الأرض، إنما تشكل خذلاناً وخيانة للقضية، بل إن ذلك يفسر في خانة التآمر مع الاحتلال لأنه يتجاوز حدود العلاقة إلى التعاون والتنسيق في كل المجالات بما في ذلك الأمنية.

ويستدعي ذلك وقفة جادة لقوى الأمة الحية لوقف هذا التوجه من خلال إحباط مخططاته في الدول العربية ومواجهته في الأرض المحتلة.

إذا اعتقد حكام الإمارات ومن خلفهم من تيار الثورات المضادة أنهم سينجحون في الهيمنة على المنطقة وإخماد تحركات الجماهير فيها، فهم بلا شك واهمون لأن حركة الجماهير ستظل تثور على شكل موجات لن تتوقف.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي