إيران تهدد بالخروج من الاتفاق النووي إذا أُرسل ملفها لمجلس الأمن (AP)

ويحلمون بأن يتم ذلك فور دخول الرئيس بايدن البيت الأبيض من خلال أمر تنفيذي يلغي قرارات الرئيس السابق. لكن آمالهم ذهبت أدراج الرياح، إذ بات من الواضح بعد تصريحات مسؤولي الإدارة الأمريكية الجديدة أن عودة واشنطن للاتفاق لن تكون حسب الرغبة الإيرانية.

منذ الإعلان عن فوز بايدن في الانتخابات الأمريكية، كثر الحديث في طهران وواشنطن عن العودة للاتفاق النووي. لكن لم يكن من الواضح من يتعيّن عليه أن يخطو الخطوة الأولى.

بيد أن تصريحات أنتوني بلينكن في أول مؤتمر صحفي له كوزير للخارجية الأسبوع الماضي كانت مخيبة للآمال في طهران، فقد وصف طريق العودة للاتفاق النووي بأنه طويل يبدأ بإيفاء إيران بالتزاماتها النووية، ومن ثم بمرحلة اختبار لمصداقية هذه العودة، ومن ثم ستكون الولايات المتحدة جاهزة للعودة للاتفاق.

ترى إيران الأمر من زاوية مختلفة وتطالب إدارة بايدن بالمبادرة في العودة للاتفاق، بل وتعويضها عن الخسائر التي تعرضت لها نتيجة انسحاب إدارة ترمب منه، وتبرّر ذلك في أن تراجعها عن الإيفاء بالتزاماتها النووية جاء كرد فعل على الانسحاب الأمريكي منه.

فشل الاتفاق النووي

كانت إدارة أوباما ومعها أوروبا تأملان أن يكون الاتفاق النووي والفوائد الاقتصادية الناجمة عنه وتدفق الشركات العالمية للاستثمار في إيران عاملا مشجعا لطهران على إعادة النظر في سياساتها الإقليمية والعسكرية والتحول تدريجيا إلى "دولة معتدلة" وهو ما عرف باسم "روح الاتفاق".

لكن نظرة إيران للاتفاق كانت مختلفة، فقد اعتبرته تنازلا مرحليا تهدف من خلاله لإبعاد شبح الحرب ورفع العقوبات والخروج من أزماتها الخانقة.

وبدلا من الاهتمام بتحقيق التنمية في الداخل وتحسين أوضاع المواطنين الإيرانيين، زاد النظام الإيراني من تغوله في المنطقة وتقوية الميليشيات الموالية له.

تؤكد وجهةَ النظر هذه الاحتجاجاتُ التي اندلعت في أكثر من مائة مدينة إيرانية في نهاية العام 2017 وبداية العام 2018 وقبل خروج الإدارة الأمريكية من الاتفاق.

ناهيك عن أن الخلاف في تفسير الاتفاق ظهر حتى قبل وصول ترمب للرئاسة عام 2017، ما جعل بعض المحللين يعتقدون أنه حتى لو فازت هيلاري كلينتون، منافسة ترمب الديمقراطية بمقعد الرئاسة، فإن مصير الاتفاق النووي لن يكون مغايرا لما وصل إليه في عهد ترمب.

الحاجة لاتفاق جديد

كان وما زال لسياسة "الحد الأقصى" من العقوبات التي فرضتها إدارة ترمب على إيران أثر كارثي على الاقتصاد الإيراني. لقد حرمت هذه السياسة إيران من مائة مليار دولار في الحد الأدنى بحسب بعض المراقبين، وهناك شكوك جدية في قدرة إيران على تحمل هذه العقوبات لسنة أخرى.

كانت إدارة ترمب تدرك تأثير العقوبات وتعتقد أن النظام الإيراني لن يتمكن من الصمود لفترة طويلة، وهذا ما جعل ترمب يصرح مرارا بأن الإيرانيين سيتصلون به في حال فوزه مجددا لعقد اتفاق جديد.

تعي الإدارة الأمريكية الجديدة حجم الضغوط التي يعاني منها النظام الإيراني نتيجة العقوبات وتعتقد أنه لا ينبغي التفريط بإرث مهم خلّفه لها ترمب، وأن من الممكن الاستفادة من هذه العقوبات كورقة ضغط على طهران لإجبارها على التفاوض للتوصل لاتفاق جديد، لا سيما بعد أن اتضح أن هناك ثغرات ونواقص كثيرة في اتفاق العام 2015.

تشترك أوروبا مع أمريكا في هذا الموقف. وقد ظهر تغير واضح في الموقف الأوروبي بعد وصول بايدن للسلطة.

في عهد ترمب، كانت أوروبا تشجع إيران على البقاء في الاتفاق النووي حتى أنها تغاضت عن خروقات إيران المتكررة له، لكن بعد تسلم الإدارة الجديدة السلطة، باتت أوروبا تتخذ مواقف أكثر تشددا تجاه إيران.

فقبل أسابيع طالب وزير الخارجية الألماني إيران بالعودة للاتفاق ووقف خروقاتها؛ داعيا لتوسيع الاتفاق ليشمل ملفات أخرى إضافة للبرنامج النووي. وفي نفس السياق طالب الرئيس الفرنسي بإشراك قوى إقليمية على رأسها السعودية في أي مفاوضات مقبلة.

باتت الإدارة الأمريكية ومعها أوروبا تعتقدان أن العودة للاتفاق النووي غير كافية وأنه ينبغي توسيع الاتفاق أو جعله منصة للوصول إلى اتفاق حول ملفات أخرى كبرنامج الصواريخ البالستية، والدور الإيراني في المنطقة.

ويعود ذلك لأسباب عديدة منها عدم الثقة بالنظام الإيراني وحالة الوهن التي وصل إليها، والظروف الإقليمية الجديدة وخصوصا تطبيع بعض الدول العربية علاقاتها مع إسرائيل، وثقة الغرب بقدرته على منع إيران من حيازة سلاح نووي ليس من خلال عمل عسكري، بل ربما عبر هجمات سيبيرانية.

الملفات المطروحة للتفاوض

كان الرد الإيراني الرافض بشدة لدعوة الرئيس الفرنسي لإشراك قوى إقليمية في الاتفاق متوقعا وهو يعبر في حقيقته عن عدم وجود رغبة حقيقية لدى طهران بتبديد مخاوف دول الجوار.

كما شدد جواد ظريف على أن بلاده لن ترضخ للتفاوض على الملفين الصاروخي والإقليمي. واعتبر قادة الحرس الثوري الملف الصاروخي خطا أحمر. وأكد عباس عراقجي معاون وزير الخارجية على أن بلاده لن تفاوض دول 5+1 سوى على طريقة تنفيذ الاتفاق النووي.

يطمح النظام الإيراني إلى التفاوض على ملفات أقل أهمية من الملفين المذكورين كملف المعتقلين مزدوجي الجنسية في سجونه والذين تم اعتقالهم في أوقات سابقة تحسبا لهذه اللحظة، أو على منع الميليشيات الموالية له من استهداف السفارة والقوات الأمريكية في العراق.

وحين تزداد الضغوط عليه ويصل حافة الهاوية، لن يكون من المستبعد أن يقبل بالتفاوض على الملف اليمني والأفغاني ومدى الصواريخ البالستية. لكن من الصعب أن يتخلى تماما عن برنامجه البالستي أو نفوذه الإقليمي لا سيما في سوريا والعراق، لأن ذلك يتعارض مع بنيته الإيديولوجية ومنطلقاته التي يستند إليها في شرعيته ووجوده.

هل تخطو الإدارة الأمريكية الخطوة الأولى؟

لا ينبغي أن يفهم من تصريحات المسؤولين الأمريكيين بأنه "يتعين على إيران أن تبادر بالخطوة الأولى وتعاود الالتزام بالاتفاق" أن الولايات المتحدة غير مستعدة لتشجيع إيران على القيام بذلك.

قد تلجأ الإدارة الأمريكية إلى سياسة "الخطوة خطوة" كتخفيف بعض العقوبات، وتقديم بعض الحوافز مثل السماح لطهران بالوصول إلى بعض حساباتها المجمدة في البنوك أو رفع الفيتو عن منحها قرضا بقيمة 5 مليارات دولار من قبل بنك النقد الدولي بذريعة مواجهة كورونا أو السماح لها بتصدير جزء من نفطها لدول معينة مقابل قيام طهران بخطوات مماثلة للوفاء بالتزاماتها الواردة في الاتفاق النووي مثل التراجع عن تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 بالمائة أو عدم استخدام أجهزة طرد مركزية متقدمة و..

يبدو أنه من الصعب أن تبث الروح مجددا في الاتفاق النووي بصيغته الأصلية. وتتجه الأنظار حاليا لإضافة بنود جديدة للاتفاق السابق أو عقد اتفاق جديد تماما. تدرك إيران هذه الحقيقة وهي في حاجة ماسة لرفع العقوبات عنها أو تخفيفها في الحد الأدنى، لكنها لن تتراجع بسهولة بل ربما نشهد في الأسابيع المقبلة قيامها ببعض الخطوات التصعيدية كتعليق العمل بالبروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي على أمل تحسين موقعها التفاوضي، لكن هذه الخطوات محفوفة بالمخاطر وقد تخلق إجماعا دوليا ضدها وتعزز موقف المعتقدين بضرورة التصدي لها في أمريكا وأوروبا.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً