إن ما أخرج الإيرانيين للشوارع هو أزمات معيشية متراكمة، انسداد في الأفق ويأس من إمكانية حل هذه الأزمات، وزيادة الوعي العام بحجم الفساد المستشري في أجهزة الدولة.

في كل مرة يخرج فيها الإيرانيون للشوارع تتعدد الآراء حول الأسباب الجوهرية التي جعلت شرائح من الشعب الإيراني تخرج للشوارع لتعبر عن غضبها ورفضها لقرار من قرارات النظام. ومنذ اليوم الأول لاندلاع الاحتجاجات يسارع النظام وقبل البحث عن الأسباب السياسية، الاقتصادية والاجتماعية لخروج المتظاهرين للشوارع، إلى وصف ما يحدث بالمؤامرة والمحتجين بالمأجورين ومثيري الشغب الذين ينفذون أجندات خارجية لصالح الأعداء الذين يتمثلون في أمريكا، وإسرائيل، والسعودية، ومنظمة مجاهدي خلق المعارضة وأنصار النظام الملكي.

ولكن هل حقا خرج المحتجون تنفيذا لأجندات من خارج البلاد، أم بسبب ارتفاع سعر البنزين أم أن هناك أسبابا أخرى دعتهم للنزول للشوارع.

قبل الربيع العربي بحوالي سنتين خرج ملايين الإيرانيين من أبناء الطبقة الوسطى في مظاهرات عارمة بمطالب سياسية تمثلت في الاحتجاج على نتائج الانتخابات الرئاسية وتمكنت السلطات بعد ثمانية شهور من إنهاء الاحتجاجات التي عرفت باسم الثورة الخضراء.

وحين بدأ الربيع العربي سماه النظام الإيراني صحوة إسلامية مستوحاة من الثورة الإيرانية، لكن الاحتجاجات الحالية تختلف كثيرا عن مثيلتها قبل عشرة أعوام، وتبدو مستوحاة من الربيع العربي وتعود لأسباب مشابهة كانت قد أدت لنزول المصريين والتونسيين والليبيين واليمنيين والسوريين إلى الشوارع، وتعود هذه الأسباب في الحالة الإيرانية إلى ما يلي:

أولا؛ أزمات معيشية: لا شك أن المواطن الإيراني يعاني من مشاكل اقتصادية كالغلاء والارتفاع الحاد في الأسعار التي تضاعفت مؤخرا عدة أضعاف، وارتفاع نسبة التضخم التي وصلت رسميا إلى 43 بالمائة، وانخفاض القدرة الشرائية نتيجة انخفاض قيمة العملة المحلية مقابل الدولار حيث فقدت في حوالي سنة ونصف أكثر من ثلثي قيمتها.

هذا فضلا عن البطالةحیث تشير آخر الإحصائيات الرسمية إلى أن أربعين بالمائة من الجامعيين عاطلون عن العمل.وكان آخر أسباب هذه المعاناة قرار المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي برفع أسعار البنزين ثلاثة أضعاف.

إن تصريح الحكومة بأنها ستقدم الدعم لـ 60 مليون مواطن يعني اعترافها بأن 75 بالمائة من الشعب فقراء وبحاجة لتقديم مساعدات حكومية. جميع هذه الأسباب أثارت وما تزال تثير استياء وتذمر شريحة واسعة من الإيرانيين من النظام، لكنها ليست جديدة وخبرها المواطن في السنوات الأخيرة.

ثانیا؛ وصول شريحة واسعة من المواطنين لا سيما الشباب مرحلة اليأس وفقدان الأمل من إمكانية حل مشاكل البلاد واعتقادها بعدم كفاءة الطبقة السياسية. حيث تشير بعض استطلاعات الرأي إلى أن حوالي 80 بالمائة من الإيرانيين فقدوا أملهم بالنظام والمستقبل. وحسب التقارير الرسمية يعاني أكثر من ربع الإيرانيين من أمراض نفسية، كما أعلنت وزارة الصحة أن 12.5 بالمائة من المواطنين يعانون من الاكتئاب.وإذا كان 30 بالمائة من الإيرانيين يرغبون بترك البلاد والهجرة في العام 2016، فإن هذه النسبة ارتفعت كثيرا في السنتين الأخيرتين.

لليأس دور كبير في خروج الإيرانيين للشوارع. ففي العام 2013 وفي السنة الأخيرة من ولاية الرئيس أحمدي نجاد، وصلت نسبة التضخم إلى 39 بالمائة، لكن ورغم ذلك لم يخرج المواطنون للشارع لأنه كانت هناك آمال بتحسن الأوضاع مع رحيل الرئيس. ومن الإنصاف القول إن كثيرا من الإيرانيين علقوا آمالا عريضة على روحاني ومنوا النفس كثيرا بتحقيقه لوعوده، من تحسين للأوضاع الاقتصادية إلى الانفتاح على العالم ومنح الحريات في الداخل، لكن الرئيس لم ينجح بتحقيق وعوده، لا بل إنه لم يبد رغبة بتنفيذ العديد منها.

وبعد توقيع الاتفاق النووي بين إيران ودول 5+1 كان الإيرانيون يأملون بتحسن أوضاعهم الاقتصادية، لكن الاتفاق وقبل مجيء ترامب للسلطة ومن ثم خروجه من الاتفاق لم يؤد إلى تحسن أوضاع المواطن العادي، لأن معظم المكاسب الاقتصادية الناجمة عن الاتفاق كانت تذهب لتعزيز قدرات الحرس الثوري وتحقيق مشاريعه وطموحاته التوسعية في المنطقة. فلم تتمكن الحكومة الإيرانية من تقليل أثر العقوبات الأمريكية على المواطن الإيراني الذي يعاني منذ ما يقارب عاما ونصف من ضغوط اقتصادية قاسية.

معظم المحتجين هم من فئة الشباب الذين وصلوا مرحلة اليأس من الأوضاع في البلاد وأولئك الذين لا يملكون ما يفقدونه ولا تعنيهم الإيديولوجيا وشعارات العداء لأمريكا والاستكبار العالمي ودعم المقاومة بمقدار ما يهمهم الوضع المعيشي.

ثالثا؛ إدراك المواطن لطبيعة وحجم الفساد والمحسوبيات في أجهزة الدولة نتيجة الصراع بين أجنحة النظام من جهة والثورة الرقمية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي من جهة أخرى، حيث تعرف الرأي العام على جزء كبير من الفساد وسرقة المال العام والاعتداء على الممتلكات العامة ونهبها واختلاس مليارات الدولارات وتسهيل حصول أبناء المسؤولين على قروض من البنوك بالمليارات وبعد أن فضح كل فريق خصمه. ولا شك أن لنشر الفضائح من قبل أركان النظام تأثير لا يقارن في حال صدورها عن المعارضة أو الإعلام المستقل، فقد أدت عمليا إلى اقتناع المواطن بصحة المعلومات ويقينه بعدم كفاءة الطبقة الحاكمة.

في الشهور الأخيرة كان الجناح المحافظ يتهم فريق الرئيس روحاني بالفساد وانتهاك القانون ونجح هؤلاء بإيداع شقيق روحاني في السجن. في المقابل شهدنا اتهامات مضادة من طرف الحكومة ليس للجناح المحافظ فحسب، بل للسلطة القضائية المحسوبة على هذا الجناح أيضا. 

وقد انضم إلى هذا الصراع رجال الدين المتنفذين الذين كالوا تهماً لبعضهم بالفساد. ناهيك عن أن مرشد الجمهورية نفسه أكد مرات عديدة على عدم كفاءة المسؤولين في حل المشاكل الاقتصادية وكان ذلك من أسباب تشكيله للمجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي الذي تسبب قراره في الأحداث الأخيرة.

كما لعب الرئيس السابق أحمدي نجاد دورا كبيرا في الكشف عن حجم الفساد المستشري في أجهزة الدولة. يضاف إلى ذلك دور الناشطين في تسليط الضوء على الميزانية الضخمة التي تخصصها الحكومة للمؤسسات الدينية وتلك التي تمارس الدعاية للنظام. وقد عززت التقارير الدولية هذه الاتهامات والاتهامات المضادة، فبحسب منظمة الشفافية الدولية للعام 2018، احتلت إيران المركز 138 من حيث الفساد وهو أسوأ تصنيف لها في السنوات الأخيرة.

ولا شك أن رؤية الإيرانيين لانتفاضة الشعبين العراقي واللبناني ومطالبتهما بخروج إيران من بلادهما وعدم التدخل في شؤونها ساهمت في اقتناعهم بزيف مزاعم النظام حول دعم شعوب المنطقة له ووصولهم إلى قناعة بأن نظام بلادهم يبدد طاقات البلاد وثرواتها في مشاريع إقليمية مذهبية لا تؤدي سوى لمزيد من العزلة والحصار والعقوبات والفقر، فيما يتمتع أبناء الطبقة الحاكمة بجميع وسائل الرفاهية.

من الطبيعي أن يفرح أعداء النظام الإيراني ومنافسوه الإقليميون بانتفاضة الشعب الإيراني ضد نظامه ويحاولوا استثمار الاحتجاجات لتحقيق مصالحهم، لكن هذا لا يعني خروج المحتجين تنفيذا لأجندات هؤلاء إطلاقا.

وفي المحصلة فإن ما أخرج الإيرانيين للشوارع هو أزمات معيشية متراكمة، انسداد في الأفق ويأس من إمكانية حل هذه الأزمات، وزيادة الوعي العام بحجم الفساد المستشري في أجهزة الدولة. لقد كان رفع أسعار البنزين الشرارة التي أضرمت النار المخبأة في نفوس شريحة واسعة من الإيرانيين ولئن تم إخمادها نتيجة عوامل متعددة هذه المرة، فإنها بلا شك مرشحة للظهور مرة أخرى قد لا تتجاوز بضعة شهور ما يغير النظام من سياسته ويتخلى عن الكثير من شعاراته ومشاريعه.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRTعربي.  

المصدر: TRT عربي