تتجه شركات تكنولوجيا المعلومات العملاقة لمزيد من عمليات الاستحواذ على منافسيها الأصغر حجماً، وهو التوجه الذي من شأنه أن يقضي على التنافسية ويضر بالخصوصية الفردية.

في الأول من مايو/أيار قامت عملاق البيع الإلكتروني شركة أمازون بإطلاق نسختها العربية Amazon.ae في الإمارات العربية المتحدة مستبدلة بذلك شركة البيع الإلكتروني عربية المنشأ Souq.com، وتأتي هذه الخطوة في سياق مساعي شركة أمازون لتوسيع عملياتها في العالم العربي بعد استحواذها على Souq.com في عام 2017 بمبلغ 580 مليون دولار.

لا تُعتبر عمليات الاستحواذ هذه جديدة في عالم الشركات، غير أنها تأخذ أبعاداً غير مسبوقة عندما تتعلق بشركات تكنولوجيا المعلومات، حيث تؤثّر بشكل مباشر على حياتنا وتعاملاتنا اليومية، وذلك من خلال المعاناة والضرر الذي يترتب على الاحتكار الذي تقود إليه عمليات الاستحواذ هذه لا محالة، خصوصاً في مجاليّ التنافسية السوقية والخصوصية الفردية.

إن عمليات الاستحواذ وبالتالي الاحتكار تقود إلى تركُّز شديد وغير مسبوق لرأس المال من جانب، وللمعرفة من جانب آخر. على سبيل المثال، لنا أن نتخيل القوة النابعة من أن شركة Google تشهد ما يقرب من 3.5 مليون عملية بحث يوميّاً على محرّكها، وهو ما يعني ضمناً تريليونات من المعلومات التي تجمعها google عن المستخدمين يومياً في ظلّ غياب شبه تامّ لأي منافس حقيقي لها.

إن عمليات الاستحواذ وبالتالي الاحتكار تقود إلى تركُّز شديد وغير مسبوق لرأس المال من جانب وللمعرفة من جانب آخر.

إقبال بن قايد حسين

ما زال Souq.com يعمل ببعض الدول العربية مثل مصر والسعودية، ولكنه في النهاية سوف يُستبدل نهائياً، إذ تسعى أمازون لنقل تجربتها في الإمارات إلى الدول العربية كافة، وبذلك سوف نشهد قريباً أفول مشروع عربي ريادي كان يمكن أن يكون من كبار المنافسين دولياً في قطاع البيع الإلكتروني على غرار شركة "علي بابا" الصينية العملاقة.

كما استحوذت شركة أوبر للنقل التشاركي مؤخراً على "شركة كريم" التي تم إطلاقها في دبي عام 2012 بمبلغ يعد الأكبر في عالم قطاع تكنولوجيا المعلومات حتى الآن وصل إلى 3.1 مليار دولار. وبذلك يكون قطاع النقل التشاركي العالمي قد أصبح في قبضة شركة واحدة، وهو الأمر الذي يرى فيه كثير من الخبراء ضربة موجعة لمبدأ التنافسية الذي تحتاج إليه للنموّ جميع الاقتصادات، بما فيها الاقتصادات الناشئة، خصوصاً في ظل اقتصاد دولي بدأ يدخل مرحلة جديدة من الكساد.

وإذا كان الاستحواذ الاحتكاري يُعَدّ أمراً خطراً جدّاً في قطاعَي البيع الإلكتروني والنقل التشاركي، فهو بالتأكيد أكثر خطراً في قطاع شركات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك ويوتيوب وتويتر ومايكروسوف. وقد جاء التحذير من هذا الاستحواذ الاحتكاري غير المسبوق في قطاع "التواصل الاجتماعي" على لسان واحد من أبرز أبناء هذا القطاع هو كريس هيوز، الذي يُعَدّ أحدد أبرز مؤسسي شركة فيسبوك، وزميل مارك زوكربيرغ وشريكه في الغرفة أيام الدراسة الجامعية.

ففي مقال مطوَّل له نشرته صحيفة نيويورك تايمز يوم الخمس 9 مايو/أيار، وجّه هيوز انتقاداً حادّاً إلى شركة فيسبوك التي باتت توجُّهاتها الاحتكارية لا تخفى على أحد، خصوصاً بعد استحواذها على تطبيقَي واتساب وإنستغرام. وطالب هيوز بشكل صريح بضرورة تفكيك فسيبوك من أجل خلق مساحة أوسع من المنافسة، وتحصين الخصوصية بشكل أكثر فاعلية.

وإذا كان الاستحواذ الاحتكاري يُعَدّ أمراً خطراً جدّاً في قطاعَي البيع الإلكتروني والنقل التشاركي فهو بالتأكيد أكثر خطراً في قطاع شركات التواصل الاجتماعي.

إقبال بن قايد حسين

لم يتهم هيوز زميله السابق زوكربيرغ بالنية السيئة، ولكنه أكّد أن القوة التي جمعها موقع فيسبوك غير مسبوقة، فمنصة فيسبوك لديها اليوم أكثر من مليارَي مشترك حول العالم، في حين أن لتطبيق الرسائل الفورية واتساب 1.5 مليار مستخدم منتشرين في أكثر من 180 دولة، أما تطبيق إنستغرام فيبلغ عدد مستخدميه نحو مليار مستخدم.

ولا تكمن خطورة الاستحواذ الاحتكاري في مثال فيسبوك على التنافسية السوقية، بل في الخطر الذي تشكّله على خصوصية المستخدمين، وقناعاتهم الشخصية، والأفكار التي باتوا يحملونها، وذلك لدور هذه المنصات الكبير في تشكيل وإعادة تشكيل الرأي العامّ.

والمثال الواضح الذي تم فيه استخدام منصات التواصل الاجتماعي خصوصاً فيسبوك في التلاعب بالانتخابات الأمريكية عام 2016 ما زال حاضراً بقوة في جميع الدوائر العالمية. هذا فضلاً عن دور هذه المنصات في نشر خطاب الكراهية والتحريض على الآخر. فمن نافلة القول التذكير بأن تطبيق واتساب -على سبيل المثال- قد استُخدم على نطاق واسع في الانتهاكات الإنسانية الفظيعة التي طالت أقلية الروهينغا المسلمة على يد السلطات في ميانمار.

لا تكمن خطورة الاستحواذ الاحتكاري في فيسبوك على التنافسية السوقية بل في الخطر الذي تشكّله على خصوصية المستخدمين وقناعاتهم الشخصية والأفكار التي باتوا يحملونها.

إقبال بن قايد حسين

إن التوجهات الاحتكارية لدى فيسبوك لا تُنبِئ بخير، فعلى خلاف الوعود التي قطعها زوكربيرغ من قبل لمؤسِّسَي شركة إنستغرام كيفن سيستروم ومايك كريغر والمتعلقة بالاستقلالية، يبدو أن السلطة المتأتية من اتباع سياسة الإدماج كانت أكثر إغراءً، وهو ما دفع سيستروم وكريغر لاحقاً إلى تقديم استقالتيهما والخروج من الشركة.

يحاول زوكربيرغ التعاطي مع الأضرار التي لحقت بشركته مؤخراً جرَّاء الفضائح المتتالية التي مُنيت بها فيسبوك، إذ يخشى أن يتطور الأمر إلى أن يصل إلى حالة يفقد معها المستخدمون ثقتهم بها، ولكن بسبب الاستحواذ الاحتكاري فإن هؤلاء المستخدمين ما زالوا غير قادرين على إيجاد البديل، وهي الورقة التي يراهن عليها زوكربيرغ حتى الوقت الراهن.

يبدو أن فلسفة "السوق تحكم نفسها بنفسها" لم تعُد تتوافق مع الواقع الرأسمالي الحالي. إن السوق في هذا الوقت خصوصاً في قطاع تكنولوجيا المعلومات تحتاج إلى تدخُّل المشرعين من أجل سَنّ قوانين تعمل على إبقاء التنافسية السوقية فعالة، جنباً إلى جنب مع إبقاء خصوصية المستخدمين آمنة وذات أولوية قصوى.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي