أثارت زيارة أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى تركيا وتوقيعه العديد من الاتفاقيات الاقتصادية حفيظة العديد من الأطراف، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى اتهام الرئيس أردوغان ببيع تركيا لقطر.

وكان من بين أبرز تلكالمجالاتالتوقيععلى مذكرة تفاهم بين جهاز قطر للاستثمار و"شركة هاليك ألتون"، للاستثمار المحتمل في "مشروع القرن الذهبي"، وعلى أنشطة الترويج المشترك في المناطق الحرة. وتضمنت الاتفاقيات كذلك إنشاء لجنة اقتصادية وتجارية مشتركة والتعاون في مجال إدارة المياه وتعزيز التعاون الاقتصادي والمالي والتعاون في مجالات الأسرة والمرأة والخدمات الاجتماعية. 

وفي وقت لاحق، أُعلن عن توقيع مذكرة شراء حصة من "مجمع إستنيا بارك" التجاري، كما جرى توقيع "مذكرة شراء حصة من بورصة إسطنبول، واتفاقية بيع وشراء لميناء أورتادوغو أنطاليا بين شركة غلوبال ليمان وشركة كيوتيرمينالز". 

وبدلاً من الترحيب المتوقع والمنطقي بالاستثمارات القطرية التي لا شك بأنها ستكون ذات فائدة كبيرة للاقتصاد التركي شأنها شأن أية استثمارات أجنبية أخرى، بخاصة أنها تؤكد الثقة الدولية في الاقتصاد والحكومة التركية، كذلك فإنها تدعم الاقتصاد التركي في ظل التداعياتالكبرىلانتشار فيروس كورونا التي تسببت في خسائر كبيرة لكل دول العالم ومن بينها الاقتصاد التركي، إلا أن حالة من غياب المنطق طفت بصورة متسارعة علىالسطحعند بعض الأطراف. 

فقد فوجئ الشارع التركي بحملة تشويه ممنهجة لتلك الاستثمارات، تزعم أن دولة قطر أضحت تسيطر علىالسلطة التركي، وأن تركيا تفرط في مصالحها، وبدا الأمر أن قطر هي المستثمر الاجنبي الوحيد في تركيا،أو كأن الاستثمارات القطرية أصبحت تحتكر قطاعات بعينها تهدد الأمن القومي التركي، علىخلاف حقيقةأن الجيش التركيساهم بشكل كبير في حماية الأراضي القطرية منذ أزمة حصار قطر التي قاربت إتمام أربع سنوات،بالإضافةإلى حقيقة أن الأرقام الفعلية تكذّب كل تلك المزاعم. 

صحيح أن الأرقام الرسمية التركية تظهر نمواً متسارعاً في الاستثمارات القطرية بتركيا خلال السنوات الأخيرة، بخاصة بعدما افتتحت تركيا مكتبا في الدوحة لتشجيع الاستثمارات القطرية على أراضيها عام 2017، ونجاح المكتب خلال الفترة الماضية في جذب 179 شركة قطرية تعمل اليوم في السوق التركي، إذ وصلت القيمة الإجمالية للاستثمارات القطرية إلى نحو 22 مليار دولار عام 2019 ليتحول السوق التركي إلى أكثر الأسواق استقطاباً لاستثمارات القطريين.

ولكن الأرقام الرسمية تشير كذلك إلى أن قطر ليست المستثمر الأكبر في تركيا، فعلى سبيل المثال أتت هولندا في المركز الأول لأهم الدول المستثمرة في تركيا عام 2019 بنحو 19.9%، تليها بريطانيا بنسبة 14.9%، بينما تحل قطر في المركز الثالث بنسبة 9.7%، تتساوى تقريباً مع أذربيجان التي تحتل المركز الرابع بنسبة 9.6% فقط، ثمألمانيا وأمريكا واليابان بنسب 7.9% و5.8% و5.2% فقط. وذلك يعنيأن الاستثمارات القطرية لا تشكل سوى 10% فقط من جملة الاستثمارات الواردة إلى تركيا في عام يعد ذروة العلاقات بين البلدين.

كما انتشرت الاستثمارات القطرية بتركيا في العديد من القطاعات، فامتدت إلى الأنشطة التجارية والسياحية والزراعية. ويعد قطاع الضيافة من أكثر القطاعات استقطاباً لرأس المال القطري، إذ توجه المستثمرون القطريون إلى الاستحواذ على الفنادق ودخول شراكات، وأبرز الأمثلة على ذلك منتجع مارماريس الساحلي وفنادق هضبة سوريمن بمنطقة البحر الأسود الشمالية، علاوة على استثمارات منازل السليمانية الخشبية التاريخية الموجودة في إسطنبول وتحويلها إلى مدن سكنية حديثة.

وفي ظل ضغط واردات المشتقات البترولية على الميزان التجاري التركي بواردات تبلغ ما يقارب 40 مليار دولار سنوياً، تسببت في عجز الميزان والضغط على قيمة العملة الوطنية، توجه المستثمرون القطريون إلى قطاع الطاقة في أنقرة، بواسطة مشروع شركة نبراس وباستثمارات من المتوقع أن تبلغ قيمتها 14 مليار دولار في محطة إفشين البستان الواقعة في محافظة كهرمان مرعش الجنوبية الذي من المتوقع أن يكتمل خلال العقد المقبل، ما سيمكن من إنتاج 4500 ميجاوات ستسهم في تعزيز سوق الكهرباء التركي الذي سيحقق قفزة نوعية مع استلام المشروع.

هذا الانتشار والتنوع يفند فكرة احتكار الاستثمارات القطرية لأنشطة اقتصادية تركية محددة، كما يفند تهديد الأمن القومي التركي، لا سيماأن حجم الإنتاج المحلي التركي نحو 800 مليار دولار، ولا يمكن لاستثمارات قطرية إجمالية بقيمة 22 مليار دولارأن تتحكم بهم. 

فإذا كانت الأرقام الرسمية والتحليل المنطقية يعلنانأن صورة الاستثمارات القطرية تبدو عادية للغاية، فلماذا هذه الضجة التي افتعلتهابعض الجهاتتزامناً مع زيارة الأمير؟ يمكن تبرير ذلك بأنهذه الجهاترسمت سيناريو يتوقع انهيار قيمة الليرة التركية بعد تداعيات فيروس كورونا، بخاصة في ظل انخفاضأعداد السائحين وتراجع الاستثمارات الأجنبية وغيرها من تداعيات الإغلاق الأول،وهو ما يمكن أن يؤثر على بقاء حزب العدالة والتنمية في السلطة. 

غير أن حزمة الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة مؤخراً كرفع سعر الفائدة والاستثمارات القطرية الجديدة عوضتبعضاًمن الآثار السلبية لفيروس كورونا علي الاقتصاد التركي، كما عوضت التراجع المستثمر للاستثمار الأجنبي في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشل، وعموماً يمكن وصف الاستثمارات القطرية بتعليق أمير قطر المختصر بأنه جرى الاتفاق على "ما فيه خير الشعبين ومصلحتهما". 

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRT عربي

TRT عربي
الأكثر تداولاً