مجموعة من الشبان الفلسطينيين في صحن الحرم القدسي استعدادا للتصدي لاقتحمات قوات الاحتلال الإسرائيلي (Onayli Kisi/Kurum/AA)

مشيراً إلي أن تجربة التعدد الثقافي والإثني، وتاريخ النضال السياسي في جنوب إفريقيا ضد الفصل العنصري، متفوقة حضارياً على تجارب الحواضر التاريخية الإسلامية في المشرق التي لم تجرب التعددية والديمقراطية في العصر الحديث، وختم قائلاً: "لا بد للعرب أن يتنازلوا عن كرسي الأستاذية بعد أن شب التلاميذ عن الطوق".

بعد الهجوم الإسرائيلي على الأقصى كانت الدول الإفريقية ذات الأغلبية المسلمة أشد احتجاجاً على العدوان الإسرائيلي على الأقصى، وأكثر تعاطفاً مع الضحايا الفلسطينيين، من كثير من العواصم العربية التي تماهت مع الموقف الرسمي لدولها التي اكتفت بإدانة العدوان بعبارات دبلوماسية باردة وجوفاء.

واضطر رئيس السنغال في خطاب سياسي أن يندد بموقف العجز العربي في القدس، وأن يقول إن الإسلام ليس ديناً عربياً بل للناس كافة، معدداً الرموز التاريخية لعلماء الإسلام من أصول غير عربية.

ممَّا يؤكد أن النسيج الاجتماعي وبؤر الوعي الثقافي والديني للشعوب المسلمة في إفريقيا أكثر تفاعلاً مع صور الاضطهاد ضد قضية المسلمين المركزية من النخب العربية والشعبية التي تتماهى مع المصالح الغربية ومشروع التطبيع.

هذا يؤكد المفارقة التاريخية، وهي أن قضية القدس لم تعد شأناً تقرر فيه العواصم العربية التي تعاني من انعدام نخوة الإرادة السياسية، لقد أخرست مؤسسات السلطة الرسمية لسان الشعوب بالإغراء والإكراه من أن تتفاعل مع هذه القضية الوجودية والمأساة الإنسانية.

ويثور هنا السؤال عن ضعف المقاومة الشعبية، وهل فشل الديكتاتوريات وغياب مشروعات وطنية تحريرية هي السبب الرئيسي في ضعف استجابة الشعوب العربية للدفاع عن القدس، والتصدي للانتهاكات ضد المسجد الأقصى؟

دون أدنى شك إن إجهاض ثورات الربيع العربي، وعودة المشروعات الديكتاتورية مرة أخرى أحدث شرخاً وانقسامات سياسية واجتماعية عميقة في الدول العربية، أسهمت في الحد من قدرة الشعوب على التحشيد والتعبير عن قضاياها المصيرية. وتم إفراغ قضية القدس من حمولتها الدينية والتاريخية لمجرد صراع سياسي على الأرض بين المحتل والغاصب الإسرائيلي والشعب الفلسطيني المؤمن والصابر.

إن تحولات مراكز القوى الداخلية في العالم العربي، خاصة صعود قيادات شابة إلى دست الحكم في دول الخليج مخالفة تراث الآباء في التقريب والتوحيد والاهتمام بفلسطين كقضية مركزية للعالم العربي والإسلامي، وكذلك سقوط رموز التيار القومي العروبي وصعود التيار الليبرالي المتماهي مع المشروعات السلطوية، أضعفا من جينات المقاومة ضد مشروع الاحتلال الاستيطاني في فلسطين.

وكان لهرولة النخب العربية والسلطة الرسمية، على تعبير نزار قباني، نحو مشروع التطبيع تحت الرعاية الأمريكية أكبر الأثر في كسر شوكة المقاومة وسط الشعوب.

ولا شك أن مشروع صفقة القرن تحت رعاية الرئيس الأمريكي السابق ترمب، وما تمخض عنها من اتفاقيات السلام الإبراهيمي مع عدد من الدول العربية، أدخل المنطقة في حالة من العجز السياسي والغيبوبة الفكرية لم تخرج منها حتى الآن.

وعلى الرغم من خسارة ترمب في الانتخابات، فإن مشروعه السياسي الذي قاده صهره كوشنير، ما يزال هو المسيطر على مشروع التسوية القائم رغم الإصلاحات التي حاول أن يعبر عنها بايدن بضرورة قيام الدولتين، وهو كما هو معروف من أقوى أصدقاء إسرائيل في أمريكا.

تم التمهيد لمشروع التطبيع بإجراءات سياسية، وجراحات ثقافية واجتماعية عميقة، خاصة إصلاح السياسات التعليمية، وقضايا الحريات الدينية، وإلغاء جملة من المقررات المدرسية التي كانت تحفظ الحقائق القرآنية حول مواقف اليهود العدائية والتاريخية في خرق العهود، وقتل الأنبياء، وتم حذف عشرات الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من مقررات التربية الإسلامية.

واتساقاً مع ذلك تم تقييد عمل منظمات المجتمع المدني، والهيئات الخيرية والمنظمات التعليمية والإرشادية ذات الطبيعة الحركية الحضارية داخل الدول العربية.

نجحت إسرائيل في إحداث اختراقات حقيقية في جدار المقاومة العربي، بشراء النخب وخلق مصالح مع السلطات الحاكمة، تقوم على شرعنة وحماية الديكتاتوريات بواسطة الحلفاء الغربيين مقابل التطبيع. وكذلك تعديل السياسات الثقافية والتعليمية للأجيال الناهضة، ومحو قضية القدس من الذاكرة الثقافية والسياسية للشعوب.

أما الخديعة الكبرى فكانت النفخ وتضخيم حجم العداء لإيران وتصويرها بأنها الخطر الأكبر على استقرار المنطقة، لتحل محل إسرائيل كعدو مركزي في الذاكرة السياسية والثقافية، وإشعال الحرب بين العالمين السني والشيعي. وإن حرب اليمن تمثل أبرز تمظهرات هذه الحرب.

إن ضعف المقاومة الإسلامية والعربية للاعتداءات الإسرائيلية على القدس والمسجد الأقصى لا تعبر عن مدى نجاح المشروع الصهيوني كما قد يُفهَم، لكنها تبين حجم الاختراقات الداخلية التي تمت لإخماد جذوة المقاومة، بفعل التعديلات الطويلة في السياسات التعليمية، ومحاربة بؤر الوعي السياسية والثقافية، وتدجين النخب والسلطات الرسمية بمشروع التطبيع.

وهو مشروع نجح في إضفاء شرعية سياسية على الديكتاتوريات في المنطقة مقابل الخضوع لمشروع الاستسلام والتطبيع.

لم يقف هذا المشروع عند منطقة الشرق الأوسط فحسب بل امتد ليشمل دولاً تحظى بثقل سكاني من المسلمين مثل إندونيسيا وباكستان، وحتى إيران التي تعاني من ضغوط التفاوض على مشروع إيران النووي بعد إعادة إحيائه بواسطة الرئيس بايدن.

يقف الرئيس التركي أردوغان وحيداً في مقاومة العدوان، حيث ابتدر تحركات دبلوماسية للضغط على إسرائيل لوقف العدوان، كما سبق أن نظّم قمة للقدس في أثناء ترؤسه لمنظمة المؤتمر الإسلامي قبل سنوات خلت. وكان يسانده من قبل مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا السابق، الذي كان يعبر بوضوح عن مقاومته لمشروع الاحتلال الصهيوني الاستيطاني.

يمثل السودان حالة شاخصة لمدى التغيير الجذري الذي أصاب المنطقة. فبعد سقوط نظام الرئيس عمر البشير الذي اشتهر بمقاومة التطبيع ودعم فصائل المقاومة الفلسطينية، توافقت النخبة الحاكمة في السودان والتي جاءت من خلفيات يسارية ليبرالية متصالحة مع الأهداف الغربية، في إضعاف جذور الثقافة الإسلامية وتوجهات الهوية وتطبيق مشروع علماني راديكالي متطرف.

وقد وافقت الكتل الحاكمة في السودان على التطبيع تحت مبررات إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وبعد أن قامت الحكومة بإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل، وتوقيع اتفاقيات تعاون مع تل أبيب، يُنتظَر أن توقع الدولتان في البيت الأبيض خلال الشهور القليلة القادمة اتفاقية سلام لتطبيع العلاقات بين الخرطوم وتل أبيب.

وكما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو: "إن تطبيع العلاقات يمثل قيمة رمزية مع عاصمة اللاءات الثلاث التي استضافت مؤتمر القمة العربية عام 1967".

لكن رغم موقف السلطة الحاكمة فقد انتظم البلاد حراك شعبي مقاوم للتطبيع، ومنه مسيرة شعبية لدعم الحق الفلسطيني وحماية الأقصى.

وكان المشهد الأغرب ليس صمت السلطة الرسمية عن إصدار بيان لإدانة الانتهاكات الإسرائيلية، ولكن صمت الفعاليات السياسية المكوِّنة للحكومة والتي قام تاريخها على مقاومة المشروع الصهيوني في المنطقة، خاصة بقايا الحركات القومية والعروبية واليسارية والبعثية والتي هي الحاضنة السياسية للحكومة.

ممَّا يشي بعمق التجريف السياسي الذي خلع عن هذه النخب ليس مجرد شرف المقاومة، ولكن نزع عنها شرعيتها التاريخية واتساقها الأيديولوجي.

وتعاني هذه الأحزاب من عقدة الاستتباع والاستلحاق الذي فرضته دول المنطقة مثل الإمارات في الاصطفاف لدعم مشروع التطبيع مقابل إغراءات مادية، والبقاء على سدة الحكم إلى حين.

فشلت النخب العربية ومؤسسات السلطة الرسمية الراهنة في مضاهاة الموقف الفكري والقيمي والأخلاقي للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في كتابه الذي أصدره بعنوان "فلسطين..السلام لا الفصل العنصري"، وقال في كتابه الشهير إن إسرائيل أجهضت اتفاقية كامب ديفيد التي رعاها في أثناء ولايته الرئاسية عام 1979، بفعل الاستعمار الاستيطانى، والتوسع في المستوطنات دون منح الفلسطينيين سلاماً حقيقياً. واتُهم كارتر بمعاداة السامية، إلا أنه لم يكترث لهذه الاتهامات وظل موقفه ثابتاً في دعم سلام عادل وحماية حقوق الفلسطينيين.

العالم العربي والإسلامي الآن على مفترق الطرق تجاه مقاومة مشروع الاحتلال الصهيوني الاستيطاني، وقد نجحت إسرائيل وحلفاؤها في الغرب في تدجين النخب والأنظمة الحاكمة للانخراط في مشروع التطبيع دون مقابل، وتم العبث بمستقبل الأجيال الصاعدة وتدمير الذاكرة الثقافية والسياسية التي تختزن شفرة المقاومة. لكن دروس التاريخ تؤكد أنه كلما خنعت الحكومات والأنظمة الرسمية للتطبيع والتضحية بالقدس من أجل مصالح عابرة تخرج من بين الشعوب جيوب مقاومة قادرة على خلط الأوراق من جديد.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً