طائرة أميركية مسيرة من طراز ريبر (AFP)

لكن هذه المرة، على عكس آلاف أخرى من غارات الطائرات بلا طيار التي نفذتها الولايات المتحدة بسرية في أرجاء جنوب آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وإفريقيا خلال العقدين الماضيين، ضُبِطَت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) مُتلبِّسة ، وهي تمسك بسلاح الجريمة مجازاً.

إذ صرَّح الجنرال فرانك ماكينزي، قائد القيادة الأمريكية الوسطى، للصحفيين بعد تحقيق أجراه البنتاغون الجمعة 17 سبتمبر/أيلول، قائلاً: "كانت الغارة خطأً مأساوياً".

هزأ سيان ويستمورلاند، وهو فني طائرات بلا طيار أمريكي سابق بنى البنية التحتية التي استخدمها برنامج الطائرات بلا طيار الأمريكي في أفغانستان لربط العمليات على الأرض بمركز العمليات الجوية المشتركة، من فكرة أنَّ الغارة كانت "خطأً".

وغرَّد: "لم تكن خطأً، لا يكون الأمر خطأً حين يحدث على مدار عقد من الزمن. لكن أن يُضبَطوا متلبسين بأنَّهم لا يعرفون مَن يستهدفون معظم الوقت، هذا هو الخطأ".

واضطُرّت الولايات المتحدة إلى الاعتراف بأنَّها قتلت 10 مدنيين، لا مشتبه بانتمائهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية فرع ولاية خراسان "داعش-خ" مثلما زُعِمَ في البداية، لأنَّ مئات الصحفيين الدوليين، بما في ذلك عشرات من مراسلي الحرب المخضرمين، كانوا في كابل يغطون الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في وقت الهجوم.

وتمكَّن هؤلاء، بمَن فيهم مراسل الجزيرة أسامة بن جاويد، من زيارة الموقع ومراجعة لقطات كاميرات المراقبة وجمع أدلة جنائية، بما في ذلك بقايا صاروخ، ومقابلة شهود عيان وأفراد ناجين من الأسرة بعد الغارة مباشرةً.

بعبارة أخرى، توفر مستوى من التدقيق لم يتوفر للغالبية العظمى من الغارات التي يبلغ عددها 14040 على الأقل التي شنَّتها الولايات المتحدة في أفغانستان وباكستان واليمن والصومال منذ عام 2010، وفقاً لمكتب التحقيقات الفيدرالي.

يقول الصحفي النمساوي-الأفغاني عمران فيروز: "غطيتُ عدداً لا يُحصى من غارات الطائرات الأمريكية بلا طيار والضحايا المدنيين خلال السنوات الأخيرة، ولم تعترف واشنطن في أي مرة بقتل مدنيين. لماذا؟ لأنَّ الغارات كانت في الغالب تحدث في الريف الأفغاني لا في كابل".

ولا يسع المرء إلا أن يتخيل عدد المدنيين الذين كانت الولايات المتحدة ستُضطرّ إلى الاعتراف بقتلهم إذا كانت جموع الصحفيين الدوليين قادرة على الوصول إلى الـ14 ألف موقع التي استهدفتها خلال العقد الماضي.

لكنَّ الفجوة في ظل الوضع الحالي بين عدد المدنيين الذين قالت الولايات المتحدة إنَّهم قُتِلوا وعدد المدنيين الذين تقول الوكالات غير الحكومية ومنظمات حقوق الإنسان إنَّ الولايات المتحدة قتلتهم، كبيرة للغاية.

فمثلاً، حين أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية تقريرها الأول حول الضحايا المدنيين في 2018، ادَّعت أنَّ قواتها قتلت إجمالي 499 مدنياً فقط في أفغانستان والعراق واليمن وسوريا خلال العام السالف، لكنَّ منظمة "Airwars"، وهي مجموعة غير ربحية معنية بالشفافية، وثَّقت أكثر من 3 آلاف ضحية مدنية من الغارات الجوية الأمريكية في العراق وسوريا فقط.

وحتى حين تُواجَه الولايات المتحدة بمزاعم، بل وبأدلة دامغة حول الضحايا المدنيين، فإنَّها إمَّا ترفض النتائج بصورة قاطعة وإما تتجاوزها بلا تعليق، وهو ما علمتُه مباشَرةً بعد الحديث مع ناجين من غارة أمريكية بطائرة بلا طيار في مخيم للاجئين في العاصمة الصومالية مقديشو العام الماضي.

فقال لي أحد الناجين: "بدؤوا (الأمريكيون) يطلقون النار على المحاصيل، ورأينا قتلى وجرحى في كل مكان. ثم في اليوم التالي حدث الأمر (مزيد من الغارات) مجدداً، ثم حدث لليوم الثالث على التوالي". وقال آخر: "دُمِّرَت منازلنا، وقُتلَت ماشيتنا، وحُرِّقَت محاصيلنا، وأُبيدَ الناس. واجهتُ أنا وأطفالي كثيراً من العذاب والمعاناة بعد اضطرارنا إلى الفرار. ولا نملك الآن حقيبة واحدة حتى، ناهيك بمنزل نأوي إليه".

وفي حين اعترفت القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) بأنَّها شنَّت خمس غارات جوية في مناطق تقع قرب قريتهم في بلدة جانالي في 16 و17 مارس/آذار 2020، وهي نفس التواريخ التي قال الناجون إنَّهم ضُرِبوا فيها، فإنَّها نفت مزاعم سقوط ضحايا مدنيين، وقالت فقط إنَّها "على علم بتقارير على وسائل التواصل الاجتماعي تزعم سقوط ضحايا مدنيين ناجمة عن هذه الغارة".

وقالت "أفريكوم": "كما هو الحال مع أي مزاعم بسقوط ضحايا مدنيين، ستراجع القيادة الأمريكية في إفريقيا أي معلومات لديها بشأن الحادثة، بما في ذلك أي معلومات ذات صلة تقدمها أطراف ثالثة، وستتخذ الإجراء الملائم استناداً إلى نتيجة هذه المراجعة".

لكنَّها لم تراجع المعلومات الخاصة بالحادثة، ليس في رأيي ولا في رأي الصحفيين المحليين والمنظمات غير الحكومية. في الواقع، اعترف الجيش الأمريكي بقتل مدنيين اثنين فقط خلال حملة قصفه الجوي المستمرة طوال عقد ضد حركة الشباب الصومالية، وهو ادعاء يتناقض مع مزاعم المنافذ الإعلامية المحلية ومجموعة "Airwars"، التي تقدِّر سقوط ما بين 139 و284 قتيلاً من غارات الطائرات الأمريكية بلا طيار.

في النهاية، لن نعرف أبداً عدد المدنيين الذين قتلهم الجيش الأمريكي في الصومال وأفغانستان والعراق وسوريا واليمن، لكن ما نعرفه على وجه اليقين أنَّ الأفراد العشرة من أسرة واحدة الذين قُتِلوا في كابل في 29 أغسطس/آب لا يخدشون السطح حتى.

لن تكون مساءلة أبداً حتى تكون شفافية، ومن دونهما لن تتغير أبداً الطريقة التي تدير بها الولايات المتحدة برنامجها السري للطائرات بلا طيار.


- هذا الموضوع مترجم عن موقع TRT World التركي.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي