الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أثناء حضوره قمة العشرين التي عقدت في العاصمة الإيطالية روما. (Aytac Unal/AA)

لقد واجه العالم إحدى أسوأ أزماته في القرن الحادي والعشرين، واستطاعت دول العشرين أخيراً أن تُطِلّ برأسها من نفق الأزمة بعد مسافة كبيرة من الضبابية وعدم اليقين واجهتها اقتصاداتها.

حافظ الاقتصاد التركي على مكانته بين كبرى الاقتصادات العالمية، وشاركت تركيا بقية الدول القيادية في العالم برامج المرحلة المقبلة من خلال قمة روما، إذ ركزت القمة بشكل رئيسي على ضرورة استعادة التعافي الاقتصادي والتزام تخفيض الانبعاثات الكربونية والاهتمام بالصحة والتعاون لفتح الاقتصادات العالمية واستعادة حركة السفر بطريقة آمنة ومنظمة، كما ناقشت القمة أهمية مساعدة الشعوب الأكثر احتياجاً، ومكافحة الهجرة غير الشرعية، وتحسين حماية البيانات والأمن الإلكتروني.

وعلى الرغم من أن المراقبين اعتبروا أن المواضيع التي تم نقاشها كانت دون المستوى من حيث النتائج المتوقعة فإنه من غير شك تستطيع هذه الدول أن تفعل الكثير لتحقق أهداف القمة، ومثال على ذلك استكمال النقاشات حول المناخ في قمة غلاسكو الاسكتلندية، وتتوافر الفرص في الأهداف المعلنة لمختلف دول العالم عموماً ولتركيا بشكل خاص نظراً إلى ما تملكه لخدمة هذه الأهداف من إسهامات تنعكس على اقتصادها بشكل إيجابي، ويمكن أن نسلّط الضوء على الفرص المتاحة أمام الاقتصاد التركي من خلال النقاط الآتية:

أولا. ضمان سلامة وتدفق سلاسل التوريد: إذ ركزت القمة على هذه النقطة بشكل رئيسي لضمان استعادة التعافي الاقتصادي العالمي، واستعرض الزعماء ما سبّبه انقطاع سلاسل التوريد من أزمات خلال فترة الجائحة حيث لا يزال بعض هذه الدول يعاني من مشكلات في التوريد حتى اللحظة، وتمتلك تركيا موقعاً جغرافياً مميزاً، وتحتوي بناها التحتية على طرقات سريعة تتصل بمختلف دول العالم وسكك قطارات وموانٍ بحرية، إضافة إلى امتلاكها أحد أكبر مطارات العالم، وكل هذا يؤهلها للعب دور أكبر في مجال النقل العالمي، بخاصة إذا ما استطاعت تركيا أن تحقق توافراً أكبر في السفن البحرية الداخلة في الخدمة وسيارات النقل الكبيرة، إذ تلوح الفرصة في الأفق لتنشيط قطاع النقل التركي والمساهمة في تطوير العلاقات التجارية مع مختلف الدول.

ثالثا. توفير اللقاح للدول الضعيفة: تدرك الدول الكبرى أن تلقيح شعوبها لن يكون مفيداً في إطار عالم منفتح بعضه على بعض، فاحتمالية تطور الفيروس واردة ما لم يتم معالجة بقية سكان العالم والقضاء على الوباء، ومن هنا تأتي أهمية توفير اللقاح للشعوب المحتاجة، إذ ركزت قمة المناخ على هذه النقطة، وتستطيع تركيا أن تسرّع إنتاج لقاحها الخاص -قيد الاختبار- وتدخله في الإنتاج، بخاصة أن تركيا تستطيع أن تؤمّن عبر توافر اليد العاملة لديها كميات إنتاجية كبيرة نسبياً، لما لهذه الخطوة من أهمية في حماية البشرية وتنشيط القطاع الصحي والمساهمة في تحقيق الأهداف العالمية في القضاء على الجائحة.

ثالثا. تشجيع الاستثمار في مجال الطاقة النظيفة: تُعَدّ مسألة الطاقة النظيفة شغل العالم الشاغل في هذه الفترة نظراً إلى التغيرات المناخية المخلّة بالنظام العالمي والتي تلاحق الجميع، فقد عانت تركيا في الآونة الأخيرة من فيضانات وحرائق كما عانى معظم دول العالم، ويُعتبر توجه تركيا نحو تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الفحم إذ بات الفحم يساهم في أقلّ من 20% من إنتاج الطاقة في تركيا بعد أن كان يساهم بأكثر من الثلث، إنجازاً كبيراً.

إن تعزيز الجهود التركية لتشجيع المستثمرين الدوليين والمحليين على الاستفادة من البيئة التركية المتنوعة التي تمتد على قارتين سيساهم في إيجاد فرص غير مسبوقة لتقليل الاعتماد على الفحم وتصدير الكهرباء إلى الدول المجاورة بخاصة تلك التي تعاني من فجوات واضحة في تأمين الكهرباء كما هو الحال في العراق مثالاً.

رابعا. تعزيز الأمن الغذائي العالمي: شغلت هذه النقطة حيّزاً من اجتماعات دول العشرين التي أثبتت لها الجائحة أن أمنها الغذائي على المحكّ وأن الدول التي تمتلك موارد طبيعية لا تزال قادرة على لعب دور أكبر في مستقبل العالم، وفي حال نظرنا إلى الصادرات التركية نجد أن الغذاء يحتل مركزاً متقدماً في تركيبة التجارة، وهو ما يجب توسيعه من خلال تطوير المشاريع الزراعية الحالية والاهتمام بالتقنيات الإنتاجية والاستفادة من الخبرات الزراعية الحديثة لتنشيط هذا القطاع ودفعه خلال الفترة القصيرة المقبلة، لا من أجل خدمة الاحتياجات المحلية وحسب، ولكن من أجل زيادة الكميات المصدَّرة من السلعة الزراعية.

خامسا. تطوير الاهتمام بقضايا الهجرة: كذلك احتلّت مسألة الهجرة حيِّزاً من النقاشات في القمة، ففي ظل الفقر الذي تتعرض له الشعوب الأكثر احتياجاً والأزمات والحروب والجوائح التي تمرّ على هذه الدول فإن توقُّع زيادة موجات الهجرة هو أمر منطقي وبديهي، ويخشى معظم الدول الكبرى من موجات هجرة ضخمة لا تستطيع تداركها لأسباب أمنية واقتصادية، وقد شكلت تركيا بوابة لاستقبال المهاجرين واللاجئين في السنوات الماضية، فهي تستضيف اليوم الرقم الأكبر على مستوى العالم بقرابة 4 ملايين لاجئ، في ظل توقُّع المزيد جرَّاء الأزمات في كل من أفغانستان ولبنان والعراق وسوريا والسودان وبقية الدول في المنطقة.

وقد لعبت تركيا دوراً إنسانياً جيداً في الفترة الماضية، ولكن تطوير هذه التجربة لتخفيف موجات اللجوء والهجرة وامتلاك نظام مساعدة وإنقاذ مبكر من خلال قربها من قضايا المنطقة وقدرتها على حل بعض الملفات الشائكة قد يكون متاحاً اليوم بعد قمة العشرين أكثر من أي وقت، وعلى تركيا أن توسع جهازها الإداري ومؤسساتها العاملة في مجال الهجرة واللجوء وتنشئ نظام استطلاع ورصد مبكّر بالتعاون مع الدول الكبرى لتقليل الهجرة غير الشرعية وتخفيف أعداد المهاجرين واللاجئين.

سادسا. تقوية النظام المالي وتحسين بيئة الأعمال: ففي ظل الجائحة والكوارث التي مرت على العالم في العامين السابقين مع التوقع أن يتفاقم بعض هذه الكوارث في دول المنطقة، فإن الواقع يجعل من فرصة تطوير النظام المالي التركي وتحسين بيئة الأعمال بما يخدم تأسيس الأعمال الصغيرة ومتناهية الصغر مسألة حيوية، إذ يمكن أن تلعب هذه المؤسسات دوراً كبيراً في خدمة أهداف التنمية المستدامة من جهة، وتقليل البطالة من جهة أخرى، وتسهم في تعزيز التنافسية بما ينعكس على الأسعار وبالتالي على المستهلك التركي في النهاية.

طيلة الأشهر الماضية ردّد الجميع عبارة "عالم ما بعد كورونا ليس كما قبله"، هكذا فإن قمة العشرين في روما تُعَدّ نقطة بداية بكل ما تعنيه الكلمة من معنىً، كونها تأتي كأول قمة بعد بدء خروج العالم من الجائحة التي أدرك الجميع خلالها أهمية التعاون والاستفادة من موارد و خصائص الآخرين. ورغم أن الخروج من الجائحة بدأ فعلياً فإن الكثير من العمل يجب على الدول الكبرى في العالم أن تمارسه ولكل منها مجموعة هائلة من الفرص التي تستطيع من خلالها أن تخدم الأهداف الخاصة بها والتي تصبّ في مصلحة الجميع.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي