الإثيوبيون يفرزون أصواتهم في الانتخابات البرلمانية والإقليمية الإثيوبية في أديس أبابا (Stringer/Reuters)

وقد شهدت العملية الانتخابية إقبالاً كبيراً مقارنة بالانتخابات السابقة، حتى أنه جرى تمديد زمن الاقتراع لمدة ثلاث ساعات إضافية، وبهذا تكون إثيوبيا قد طوت صفحة وبدأت مرحلة جديدة. رغماً عن أن هنالك صعوبات أمنية ولوجستية حالت دون قيام الانتخابات في 100 دائرة انتخابية من جملة 547 دائرة. ويشارك في الانتخابات أكثر من 40 مليون ناخب من جملة 110 ملايين هم سكان إثيوبيا.

تعدُ هذه الانتخابات السادسة من نوعها منذ إقرار الدستور الوطني في العام 1994. كما أنها الأولى منذ حل الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية في عام 2019، والتي كانت تحكم البلاد منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق مانقستو هالي ميريام في العام 1991.

وجرت الانتخابات الإثيوبية في ظل ظروف سياسية واقتصادية صعبة ومعقدة، حيث جرت الانتخابات في 8 أقاليم بدلاً عن 10 أقاليم المكونة لجمهورية إثيوبيا الفيدرالية، ولم تُجر في إقليم "التيغراي" نسبة لظروف الحرب وإقليم "صومالي" الذى قاطعت فيه بعض أحزاب المعارضة عقد الانتخابات لظروفٍ لوجستيةِ مع وجود للعنف. ولكن ستجرى الانتخابات في الدوائر التي أجلت في 6 سبتمبر /أيلول القادم.

يعتبر الإثيوبيون أن هذه الانتخابات مهمة في مسيرتهم الديمقراطية، فبرغم الشكاوي التي قُدمت من قبل الأحزاب المعارضة والتي بلغت 207 تجاوزات، وفي وقت اعترفت فيه رئيسةُ اللجنة المشرفة على الانتخابات الإثيوبية بعدد من الخروقات التي ارتكبت خلال تصويت الناخبين، إلا أنها دعت السلطات الإثيوبية إلى عدم التسامح مع مثل هذه "الأنشطة غير القانونية"، وأن اللجنة على اتصال بالسلطات الإقليمية المعنية لاحترام سيادة القانون، والتعامل مع الخروقات، مما يشير إلى محاولة جعل العملية الانتخابية تجري وفقاً للإجراءات المطلوبة وتحت مظلة القانون.

فرص اَبي أحمد وحزب الازدهار

يواجه آبي أحمد العديد من الأزمات الداخلية والخارجية، وفي مقدمتها الأزمة الإنسانية في إقليم التيغراي، حيث يواجه الإقليم أسوأ كارثة إنسانية، مع اتهامات من قبل المجتمع الدولي بالتطهير العرقي وعمليات الاغتصاب الممنهج من قبل قوات الجيش الإثيوبي الفيدرالي والجيش الإريتري الذي يشارك في العمليات القتالية في الإقليم.

الأمر الذي جعل اَبي أحمد الحائز على جائزة نوبل للسلام في العام 2019 يفقد العديد من أصدقائه الغربيين وبخاصة الولايات المتحدة، ومنظمات دولية حقوقية كانت ترى فيه المصلح السياسي والمنقذ لإثيوبيا.

بالإضافة إلى اقتراب الجيش السوداني من استعادة منطقة الفشقة الحدودية بالكامل، وهي المنطقة التي تمثل القوة الاقتصادية لسكان إقليم الأمهرا الحليف الأقوى لاَبي أحمد.

هذا بالإضافة إلى التوترات الإقليمية المتمثلة في سد النهضة. ناهيك عن الأزمات الداخلية المنتشرة بإثيوبيا والتي أفقدت اَبي أحمد الكثير من حلفائه بخاصة من قومية الأرمو التي ينتمي إليها، وناصبه البعض منها العداء، مع اتهامه بأنه لم يكن وفياً لبرنامج الإصلاح الذي وعد به الإثيوبيين عندما اختير رئيسا للوزراء في العام 2018.

إلا أنه رغماً عن هذه الظروف المعقدة، يقود اَبي أحمد حزب "الازدهار" في الانتخابات، واعداً الشعب الإثيوبي بمستقبل أفضل. ويبدو لنا من الواضح أن الحزب هو الأوفر حظاً لنيل العدد الأكبر من مقاعد البرلمان، بما يمتلك من نفوذ سياسي، ومقدرة مالية جعلته يحتل الصدارة في عدد المرشحين، حيث ينافس ب 2799 مرشحاً، كما أن حزب الازدهار، يدخل المنافسة الانتخابية في ساحة مزدحمة بالناخبين، معظمهم من أحزاب صغيرة تقوم على أسس عرقية.

ومما يعضد ما ذهبنا إليه من ترجيح فوز رئيس الوزراء آبي أحمد في الانتخابات، هو استباق إعلان النتائج بتغريدة على حسابه في تويتر هنأ فيها الإثيوبيين بنجاح الانتخابات "وأن إثيوبيا قد عبرت رغم الصعوبات" ومن المرجح أن يحتفظ آبي أحمد بمنصبه رئيساً للوزراء في حالة فوز حزب "الازدهار" بأغلبية المقاعد في الجمعية الوطنية "البرلمان".

فرص المعارضة

من غير المتوقع أن تحدث مفاجآت كبيرة بأن تحقق أحزاب المعارضة أغلبية في البرلمان تمكنها من تشكيل الحكومة القادمة في إثيوبيا وحدها، وإن كانت هذه الانتخابات قد شهدت عودة عدد من أحزاب المعارضة للواجهة السياسية والمنافسة في الانتخابات من بينها حزب "إيزيما" وحزب المواطنين الإثيوبيين من أجل" العدالة الاجتماعية" والذي ينافس بـ1540 مرشحاً.

وقاطعت بعض أكبر الأحزاب السياسية في البلاد هذه الانتخابات بدعوى التخويف من الدولة. كما لا يزال بعض أكبر معارضي اَبي أحمد رهن الاعتقال بتهمة محاولة زعزعة استقرار البلاد. في وقت صنفت الحكومة الإثيوبية الحركة الشعبية لإقليم التيغراي حركة إرهابية وحظرت نشاطها السياسي، فقادتها إما معتقلون أو هاربون، ولا يزال بعضهم يقود العمليات العسكرية ضد الحكومة في الإقليم. كل هذه عوامل في نظرنا ستضعف حظوظ المعارضة في تحقيق فوز كافٍ لإنهاء حقبة اَبي أحمد، ولكن مما لاشك فيه سيكون البرلمان القادم، ولأول مرة، برلماناً متنوعاً وديمقراطياً، مغايراً للبرلمان السابق الذي فازت فيه الحكومة بـ546 مقعداً من جملة 547 مقعداً.

هل ستغير الانتخابات وجه إثيوبيا؟

لن يكون هنالك تغيير جذري، فلن تتغير السياسة الخارجية الإثيوبية تجاه قضايا محورية في الإقليم، بخاصة قضية سد النهضة التي تستعد إثيوبيا للمرحلة الثانية من التعبئة في أقل من أسبوعين.

فقضية السد تحظى بإجماع في الداخل الإثيوبي، وفي حال فاز آبي أحمد في الغالب فإن مشاكل إثيوبيا مع مصر والسودان حول سد النهضة ستتفاقم أكثر، لاتخاذ كل جانب من الفرقاء طريقاً مغايراً، ولا توجد بارقة أمل للوصول إلى اتفاق في القريب العاجل، في الوقت الذي تمضي فيه إثيوبيا قدماً في إكمال المشروع باعتباره المشروع الذي سيحول إثيوبيا إلى دولة ناهضة. وستحتاج إثيوبيا الجديدة إلى إيجاد معادلة لترسيم الحدود مع السودان وخفض التوتر على الأقل إن لم ينتهِ في منطقة الفشقة الحدودية.

أما بشأن ملف إقليم التيغراي، ستجد أديس أبابا نفسها مجبرة على تقديم تسوية سياسية مع المعارضة هناك، وربما تحديد موعد لإجراء الانتخابات في الإقليم الذي يحظى بـ36 دائرة في البرلمان. كما تحتاج إثيوبيا إلى قيادة مشروع تصالحي في الداخل يخفف من حدة الاستقطاب السياسي والتوتر الأمني. وهذا يتطلب الكثير من التنازلات والحكمة.

وعلى كلّ ستكون الانتخابات التى من المنتظر أن تعلن نتائجها في غضون عشرة أيام منذ إغلاق صناديق الاقتراع، ستكون حاسمة ومغايرة في مسيرة العمل السياسي والديمقراطي في إثيوبيا. وسترث الحكومة الجديدة تركة سياسية مثقلة بالتوترات الأمنية الداخلية والعنف القبلي، وستتطلب العمل بجد لإعادة الثقة بين مكونات القوميات الإثيوبية المختلفة، وستظل عبارة اَبي أحمد "كيف ستنتصر إثيوبيا رغم التحديات الكبيرة؟" سؤالاً ينتظر رئيس الوزراء القادم إن كان هو أو غيره للإجابة عليه.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي