تظاهرات ضد الحكومة في العاصمة العراقية بغداد فيما يعرف باحتجاجات تشرين (AFP)

وعلى الأغلب ضمّ اللقاء الجديد أبرز القوى التي حضرت في الاجتماع الأول، الذي عُقد في مدينة الحلّة ببابل جنوبي العراق 21 أبريل/نيسان 2021 الماضي.

كان التفاعل كبيراً مع أنباء الاجتماع الأول، وعُقدت جلسات في غرف تطبيق كلوب هاوس حتى ساعات متأخرة من اليوم نفسه بين الناشطين والإعلاميين للنقاش حول تداعيات وتفاصيل هذا الاجتماع، والتعليق على البيان الذي صدر عنه، وتلاه علاء الركابي أمين عام حركة امتداد، التي تُعتبر من القوى السياسية التشرينية البارزة، بالإضافة إلى "البيت الوطني" الذي يرأسه حسين الغرابي، و"الاتحاد العراقي للعمل والحقوق"، وتشكيلات سياسية تشرينية أخرى، بعضها محلّي، ينشط في مدن أو محافظات دون أخرى.

هذا الاجتماع الحاسم، جاء لتحديد موقف هذه القوى المنبثقة عن الاحتجاجات الشعبية في العراق، من الانتخابات البرلمانية التي يُفترض أن تقام في شهر أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام.

وكانت ردود الفعل متباينة بين الأوساط التشرينية حول البيان الذي صدر عنه، الذي بدا مرتبكاً في الصياغة وغير محدّد في موقفه، فهو يستهل الكلام بتوجيه الخطاب إلى الحكومة لتوفير أجواء مناسبة للمشاركة في الانتخابات، ومحاكمة المجرمين الذي تسببوا في مقتل المئات من الناشطين في احتجاجات أكتوبر/تِشرين الأول 2019، ثم ينتهي البيان بدعوة المواطنين إلى الاستعداد للمشاركة في الانتخابات القادمة بكثافة.

الانتخابات التي لم يتبقَّ على موعد إجرائها إلا خمسة أشهر لا يبدو أنها موضوع محسوم بالنسبة إلى للناشطين التشرينيين، وبين من يراها الوسيلة الوحيدة لانجاز التغيير السياسي المنشود، ومن يرى أنها ستكون "مسرحية" تتقاسم فيها القوى النافذة كعكة السلطة، انقسام واضح، وستضفي مشاركة التشرينيين المزيد من المشروعية على انتخابات محسومة سلفاً للقوى الفاعلة حالياً، والمتهمة أصلاً بالفساد وحماية المجرمين.

ورغم أن العديد من المشاركين في "اجتماع بابل" أقرّوا بأن المشاركة من عدمها في الانتخابات القادمة غير محسومة بعد، فإن القراءة للمشهد العام بشكل أوسع، تعطينا أكثر من دليل على أن أمر المشاركة قد حُسم بالفعل.

لعل الاجتماع الثاني "السرّي" الذي بدأنا به هذا المقال دليل على استمرار التنسيق بين التيارات السياسية التشرينية استعداداً للانتخابات، كذلك حقيقة أن الداعي إلى هذا الاجتماع التشريني، وهو "حركة امتداد"، هو من القوى التي حسمت أمرها من وقت مبكر بدخول الانتخابات.

المعلومات المتوفّرة تقول إن حركة امتداد، ومقرّها مدينة الناصرية، التي توصف بأنها عاصمة الثورة التشرينية، لا تملك أسماء قوية للنزول في الانتخابات القادمة في كل المحافظات العراقية، وأهمها مدن الجنوب العراقي وبغداد.

وبسبب محدودية عمر هذه التيارات السياسية فإن ما يجري على حركة امتداد ينطبق على التيارات التشرينية الأخرى، لذلك فإن دخول الانتخابات القادمة يفرض عليها التنسيق المشترك للدخول كجبهة واحدة، تستطيع تأمين أسماء مرشحين مناسبين في كل المناطق التي تتوقع هذه التيارات الحصول على مكاسب سياسية فيها.

إن هذه القوى اليوم مدفوعة إلى التعامل بحذر مع قواعدها الشعبية، ومزاجها الثوري الذي لا يرى جدوى كبيرة في دخول الانتخابات، مع حقيقة تسيّد السلاح المليشياوي على المشهد العام في البلد، ووجود المال السياسي القادر على الإنفاق على الانتخابات، وشراء الذمم. كذلك عدم الحسم في تفاصيل فنيّة تخصّ آليات الماكينة الانتخابية، مثل قضية جمع صناديق الاقتراع كلّها في مفوضية الانتخابات وفرزها وعدّها هناك، الأمر الذي يسهّل عملية التزوير والتحكّم بحصص المقاعد، وإن جرى التصويت في المراكز الانتخابية الفرعية بنزاهة كاملة.

إن هذا المزاج الثوري يتغذّى من استمرار المشكلات نفسها التي خرجت احتجاجات تشرين من أجلها، وكذلك تزايد السخط والإحباط من فشل حكومة الكاظمي في الاقتصاص من المجرمين، أو الحد من ملاحقة المليشيات للناشطين، فحتى قبل أيام كانت مليشيا سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر تلاحق بعض الناشطين في الجنوب وتهدد عوائلهم.

كما أن الخيام بدأت تُنصب بالفعل خلف المطعم التركي، المعلم التشريني الشهير قرب ساحة التحرير في بغداد، وهناك احتجاجات مناطقية مستمرة على مدار الأسبوع، لذات الأسباب التي أنتجت احتجاجات تشرين 2019، ومنها مقتل شاب من حيّ الوحدة ببغداد في تظاهرة بسبب انقطاع التيار الكهربائي عن الحيّ، على يد منتسب أمني، ثم دوس سيارة الهمر الحكومية على جثّة هذا الشاب أمام مرأى زملائه من المتظاهرين.

كيف يمكن ترويض هذا المزاج الثوري الهادر لإقناعه بأن يذهب إلى صناديق الاقتراع ليصوّت للأحزاب التشرينية التي يُفترض أنها منبثقة عنه وتحاول تمثيل مطالبه؟!

إنه أمر عسير وصعب، خصوصاً مع الوقت الضيق حتى موعد الانتخابات القادمة، فما بين اليوم وذلك الموعد هو صيف عراقي ساخن يحفل بانقطاعات مؤلمة للتيار الكهربائي، بالإضافة إلى فقدان الثقة المنتشر بين صفوف المواطنين بشكل عام، بإمكانية أن تصنع حكومة الكاظمي مفاجآت خلال هذا الوقت القصير ينهي جزءاً من المشكلات المسببة للتظاهر والاحتجاج.

تكرّر حكومة الكاظمي، على لسان المتحدث باسمها، ذلك الوصف المستفزّ، بأن هدف الحكومة الأساسي هو إجراء الانتخابات، مختزلاً واجبات الحكومة كلّها بواجبات وعمل مفوضية الانتخابات. وكأن الانتخابات كآلية منفصلة عن الظروف المناسبة للانتخابات، ومنها شعور الناخبين والمرشَّحين بالأمان لممارسة حقّهم الدستوري بالاجتماع والدعاية والتصويت بحرية، ثم حماية هذه الأصوات من التلاعب والتزوير.

في الكواليس يدور كلام عن عناية مرجعية النجف ممثلة بمكتب آية الله العظمى السيّد علي السيستاني، برعاية غير معلنة للتيارات التشرينية التي ترغب بالمشاركة في الانتخابات، ولا يخفى عن كثير من المتابعين الاتصالات الموجودة، حتى في أيام التظاهرات، ما بين حركة امتداد وأمينها العامّ علاء الركابي مع مكتب السيستاني في النجف.

ومن غير المعلوم ما إذا كانت اتصالات مماثلة خلف الاجتماع العاجل للتيارات التشرينية في بابل، ولكن هناك من يرى أن مرجعية النجف معنية بالبحث عن طرف سياسي جديد لديه مشروعية شعبية، يمكن أن تدعمه وتوجّه جمهورها لانتخابه، بديلاً من تيارات سياسية حالية لا تدين لمرجعية النجف بالولاء.

إن كانت هذه التخمينات صحيحة أو لا، فإن التيارات السياسية الحاكمة اليوم، والشيعية منها تحديداً، لديها مصلحة في دفع التشرينيين إلى الانتخابات، وإلى أن يكون لديهم وجود ما "مسيطرٌ على حجمه!" في البرلمان القادم، لأنه سيمثّل نوعاً من التنفيس لضغط الشارع الغاضب والرافض لهذه الأحزاب الحاكمة، خصوصاً أنها لا تملك أي رؤية واقعية لإيجاد حلول للمشكلات التي تسبّبت في اندلاع احتجاجات تشرين، والتي يمكن أن تؤدي إلى احتجاجات مشابهة خلال الصيف القادم، تخلط الأوراق السياسية من جديد، وقد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات نفسها.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي