تعزز الانتخابات المحلية ومن خلال الشفافية التي تمارس بها الثقافة الديمقراطية في تركيا وتذهب بها إلى مصاف الديمقراطيات المتقدمة في العالم.

يرجع تاريخ الانتخابات في تركيا إلى عام 1876. أما الانتخابات المحلية فهي أقدم، إذ يرجع تاريخها إلى صدور فرمان التنظيمات التي وفرت القاعدة لانتخابات المجالس المحلية، أي إلى ما قبل 167 عاماً. أما تمثيل الانتخابات للإرادة الشعبية فلم يتحقق سوى بعد انتهاء فترة سيطرة الحزب الواحد والانتقال إلى التعددية الحزبية في العام 1950.

فيما بعد، تلقّى النظام الديمقراطي التركي ضربات متوالية بسبب الانقلابات العسكرية والحكومات المدعومة من العسكر، إلا أن النظام الديمقراطي كان يخرج أقوى وأكثر متانة بعد كل انقلاب لأن الشعب التركي، كرد فعل للانقلابات، كان يدعم الأطراف التي تعرضت للظلم في الانقلابات والتي وقفت في وجهه.

أما في يومنا الحالي، فقد تطورت الديمقراطية التركية من خلال خفض حق التصويت إلى عمر ثماني عشرة، ومنح النساء حق التصويت اعتباراً من العام 1930 ومنح حق الترويج السياسي لكافة الأحزاب السياسية من خلال حصولها على دعم مادي من الموازنة العامة للدولة.

إن إجراء الانتخابات في بيئة شفافة ونشر استطلاعات الرأي العام على الملأ وازدياد صلاحيات المجلس الأعلى للانتخابات كل هذه العوامل أدت إلى لحاق تركيا بركب الدول الأوروبية في مجالي موثوقية الانتخابات وشفافيتها.

برهان كورأوغلو

لقد كان لفترة حكم حزب الوطن الأم وحده في السنوات ما بين 1983 و 1991 بقيادة تورغوت أوزال قصب السبق في إجراء التعديلات التي أدت إلى دعم الإدارات المحلية ومنها الحصول على نسب عالية من الموازنة العامة للدولة ومنحها حق استخدام ضرائب الشعب بشكل مباشر ومنحها حق الإجراء واتخاذ القرارات دون الرجوع للإدارة المركزية.

في عام 1994، استطاعت إدارة الحركة الوطنية الفوز بإدارة بلدية إسطنبول الكبرى تحت قيادة رجب طيب أردوغان، والذي مارس السياسة تحت مظلة حزب العدالة والتنمية بعد تأسيسه عام 2001، وهو الحزب الذي فاز بالإدارة المحلية في الكثير من المدن التركية، على رأسها إسطنبول، بالإضافة إلى الكثير من البلديات صغيرة الحجم.

نتيجة للتعديلات التشريعية والدستورية التي تم إجراؤها في هذه الفترة، زادت مبادرات الإدارات المحلية وسلطاتها أكثر فأكثر وبدأت آثارها المهمة في تحديد مصير الانتخابات العامة.

في هذا السياق يمكن القول بأن الانتخابات المحلية لها دور كبير في المساهمة في الثقافة الديمقراطية التركية وخاصة في مرحلة دخول تركيا أعتاب انتخابات 31مارس/آذار 2019 المحلية. إن إجراء الانتخابات في بيئة شفافة منذ فترة طويلة، أي منذ تسعينيات القرن الماضي، ونشر استطلاعات الرأي العام على الملأ وازدياد صلاحيات المجلس الأعلى للانتخابات ومسؤولياته منذ تأسيسه عام 1961، كل هذه العوامل أدت إلى لحاق تركيا بركب الدول الأوروبية في مجالي موثوقية الانتخابات وشفافيتها.

إمكانية إدلاء الناخب بصوته بطريقة مريحة ودون أي ضغط والإعلان عن نتائج الانتخابات دون خطأ وبسرعة كبيرة باستخدام إمكانيات التقنية الحديثة تعد من أقوى جوانب الديمقراطية في تركيا.

برهان كورأوغلو

إن حضور ممثلي كل الأحزاب السياسية عند صناديق الاقتراع، وإدارة الانتخابات بحضور مجالس الأحزاب وممثليهم في المجلس الأعلى للانتخابات وتحت إشرافها، وإمكانية إدلاء الناخب بصوته بطريقة مريحة ودون أي ضغط، والإعلان عن نتائج الانتخابات دون خطأ وبسرعة كبيرة باستخدام إمكانيات التقنية الحديثة، تعد من أقوى جوانب الديمقراطية في تركيا.

تكمن أهمية الانتخابات المحلية في 31 مارس/آذار 2019 في أنها تأتي تالية للاستفتاء الدستوري الذي جرى بتاريخ 16 أبريل/نيسان 2017 والذي أدى إلى تغييرات حقوقية وإدارية، بالإضافة إلى الانتخابات الرئاسية التي جرت في 24 يونيو/حزيران 2018، إذ انعكست هذه التطورات الديمقراطية على البنية السياسية التي تجري في سياقها الانتخابات المحلية الحالية.

بشكل عام، انقسمت تركيا إلى كتلتين رئيسيتين بتأثير المناخ العام للبلاد إثر المحاولة الانقلابية في 15يوليو/تموز 2016 والانتخابات الرئاسية في 24 يونيو/حزيران. في الكتلة الأولى تحالف كل من حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، وهو التحالف الذي أطلق عليه فيما بعد اسم "تحالف الشعب"، فيما تحالف بمرور الوقت في الكتلة الثانية حزب الشعب الجمهوري وحزب إيي، وحزب السعادة وهي الكتلة التي سميت باسم "تحالف الأمة".

وعلى الرغم من عدم الإعلان عن مشاركة حزب الشعب الديمقراطي في الكتلة الثانية فإن التصريحات العديدة لممثلي الحزب ودعمه المستتر لناخبي الكتلة الثانية يظهر دعم الحزب لهذه الكتلة.

وتعكس التحالفات بين الأحزاب التركية حالة الواقعية السياسية التي باتت تتصف بها هذه الأحزاب، وتعمق الثقافية الديمقراطية سواء ضمن مستوياتها البيروقراطية أو ضمن قواعدها الشعبية.

تعكس التحالفات بين الأحزاب التركية حالة الواقعية السياسية التي باتت تتصف بها هذه الأحزاب وتعمق الثقافية الديمقراطية سواء ضمن مستوياتها البيروقراطية أو ضمن قواعدها الشعبية.

برهان كورأوغلو

فقد تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية على الرغم من الاختلاف بينهما أيديولوجيّاً إذ اشترك الحزبان في مخاوفهما تجاه مستقبل تركيا. في حين نرى تحالفاً غريباً تشكل بين حزب الشعب الجمهوري ذي الأصول الاشتراكية الاجتماعية والذي ما يزال يحمل عادات فترة حكم الحزب الواحد في تركيا، وحزب إيي الذي يدّعي القومية التركية، وحزب السعادة ذي الأصول المحافظة، بالإضافة إلى حزب الشعوب الديمقراطية الذي يحمل لمسات ماركسية ولينينية وبعضاً من القومية الكردية والذي يشكل اختلافاً بيّناً بينه وباقي الأحزاب في تحالف الأمة.

بينما تنتقد هاتان الكتلتان المتعارضتان بعضهما بشكل كبير، تستمر عملية الدعاية الانتخابية بسلاسة، ويمكن للكتلتين وبسهولة وسلاسة شرح مشاريعهما من خلال الصحافة المطبوعة والمرئية، ومن خلال وسائل الإعلام الجديد، ومن خلال الكلمات التي تلقى على الحشود الجماهيرية.

هذا الوضع هو مؤشر واضح على بيئة الانتخابات الحرة والممارسات الديمقراطية السائدة في تركيا. الانتخابات التي سيتم إجراؤها في إطار مبادئ سيادة القانون ووفقاً للقوانين واللوائح الحالية ستخلق دعماً جديداً للديمقراطية التركية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي