الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والأسير الفلسطيني مروان البرغوثي  (Jamal Aruri/AFP)

وكان من الواضح أن هذه الشراكة التي تحمست لها حركة حماس أكثر من غيرها لا تقوم على أساس واضح، بل أمنيات لتجاوز حالة الانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني.

وكان من ضمن الشراكة الموعودة أن تشكل حماس وفتح قائمة مشتركة لخوض الانتخابات أو تنجحا في تشكيل قائمة للكل الوطني، غير أن هذه الأحلام سرعان ما تبددت على صخرة الخلافات والتدخلات الإسرائيلية.

وزاد في الطين بلة أن انقسمت فتح إلى فتوح ثلاثة، وفشل اليسار في التوافق على قائمة موحدة، فيما بقيت حماس وحدها متماسكة على الرغم من الخلافات التي عصفت بصفها الداخلي حول مبدأ المشاركة في انتخابات على أساس اتفاق أوسلو، وذلك عائد بالأساس إلى التماسك الإيديولوجي والدور المقاوم اللذين ساهما في تهميش الخلافات.

وكان الملفت للانتباه نجاح الحراكات المطلبية في توحيد نفسها بقائمة واحدة، في دلالة على جزء مهم من اهتمام الشارع الفلسطيني في الضفة والقطاع بتحسين الفرص الحياتية للفلسطينيين كمطلب متقدم على البرامج السياسية.

الخلافات.. من البرامج إلى المكاسب

رافقت الانقسامات مسيرة فتح منذ قيامها متأثرة بخلافاتها السياسية التي أذكتها التدخلات العربية للتحكم في القرار والمسار الفلسطيني، فكان هناك انشقاق صبري البنا (أبو نضال) وتأسيسه فتح-المجلس الثوري عام 1974، متذرعاً بضعف أصاب المنهج الثوري لفتح لينتهي الرجل ببندقية للإيجار، ثم تبعه الانشقاق الأخطر والأهم في تاريخ فتح عام 1983، وهو انشقاق أبو صالح وأبو موسى، ليؤسسا "فتح الانتفاضة" على خلفية ادعاءات بفساد مالي وعجز القيادة الفلسطينية عن مواجهة العدوان الإسرائيلي. وقد سحب التشكيل الجديد عدداً كبيراً من كوادر فتح، وسيطر على الكثير من مقدرات منظمة التحرير وفتح المالية بدعم من النظام السوري.

إلا أن الانشقاقات الحالية في حركة فتح اتخذت طابعاً مغايراً، وهو طابع الخلافات التنظيمية الشخصية، إذ إن برنامج التسوية والمفاوضات وحل الدولتين الذي فشل على أرض الواقع لا يزال يجمع قيادات فتح. وإن حصلت انتقادات هنا أو هناك فهي تتعلق بالممارسة والأداء والتكتيك السياسي وليس بالمنهج.

وفي انتخابات 2021 المفترضة انقسمت فتح إلى ثلاث حركات، بالإضافة إلى القوائم التي شكلتها شخصيات بفتح على أساس أنها قوائم مستقلة.

فقائمة التيار الإصلاحي في فتح قامت على أساس خلاف شخصي بين دحلان وعباس، وهو خلاف سابق على الانتخابات، ولكنه عبّر عن نفسه على الأرض من خلال الانتخابات الحالية.

أما القائمة التي شكلها القياديان بفتح، ناصر القدوة ومروان البرغوثي، فقد عبرت بوضوح عن قوة وعمق الانقسام العمودي في فتح. وعلى الرغم من أن الرجلين لا يتفقان تماماً في برنامجهما السياسي التفصيلي، فإن مصالحهما التقت لمواجهة تفرّد عباس ومجموعته في القيادة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل انحدرت هذه الانقسامات إلى مستوى جديد تجاوز الخلاف بين برنامج مقاومة تقوده حماس وبرنامج تسوية تقوده فتح، إلى خصومة مع الإسلام السياسي عبّر عنها المنشق القدوة متماهياً بذلك مع برنامج غربي عربي لمحاربة الإسلام السياسي، وهو منهج جديد وغير مسبوق وخطير داخل الأرض المحتلة، استدعى استنكاراً فلسطينياً على مستوى واسع.

ويشير كل ذلك إلى تحول الخلافات في فتح منذ اتفاق أوسلو 1993 من خلافات على المسار بعد برنامج النقاط العشر عام 1974، إلى خلافات تنظيمية وشخصية لا تمس البرنامج السياسي، انتهت بالانقسام طمعاً بتحقيق مكاسب انتخابية.

والغريب أن الانهيار البرامجي في حركة فتح منذ 1993 لم يسفر عن أي تحرك احتجاجي في الحركة، فيما شاهدنا تحركات وانقسامات كبيرة عندما تعلق الأمر بالمشاركة السياسية الحزبية تحت سقف أوسلو، وهو ما يدفع إلى الاعتقاد بأن مسار ومنهج فتح لن يتغيرا أو يتأثرا إيجابياً بالمنافسة الانتخابية.

معارضة منقسمة وغير فاعلة

والحقيقة أن الحركات المعارضة في المنظمة لم تنجح في وقف مسار فتح، بدءاً من جبهة الرفض عام 1974، بل إن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات تمكن من إحداث اختراقات في كل من جبهة النضال الشعبي، وجبهة التحرير الفلسطينية وجبهة التحرير العربية والحزب الشيوعي الفلسطيني، واستخدمهافي إطار تكثير حصصه في المنظمة، وهو نفسه الذي وصفها يوماً ما بالكسور العشرية!

وعلى الرغم من أن بعض هذه الجبهات ارتبط بدول عربية، فإن عرفات نجح في شقها واستقطاب قياداتها وإدخالهم إلى رام الله، وإيجاد مقاعد جديدة لهم في المنظمة، بحيث أصبح للفصيل الواحد أكثر من زعيم.

وبقيت الجبهتان الشعبية والديمقراطية، وهما الأكثر أهمية ضمن فصائل المنظمة وقادتا جبهة الرفض عام 1974 وعارضتا اتفاق أوسلو، على حالهما دون أن تنجحا في تطوير دورهما في مواجهة المسار السياسي للمنظمة، ذلك أنهما اعتمدتا في تمويلهما على المنظمة التي تتحكم بها حركة فتح.

وهكذا فإن فتح، ومن خلال قيادتها للساحة الفلسطينية وللمنظمة، ساهمت إلى حد كبير في تخفيض السقف الفلسطيني في مواجهة الاحتلال من خلال برنامج التسوية الذي سارت فيه. وعلى الرغم من مشاركتها في انتفاضتي 1987 و2000 بفاعلية فإن قيادتها السياسية أبت إلا أن تستثمر الإنجازات الفلسطينية لمصلحة تسوية سياسية عارضتها كل الفصائل الفاعلة دون أن تتمكن للأسف من وقفها، لتنكفئ فتح في النهاية على نفسها بانشقاقات تنظيمية زادت من تشظي الساحة الفلسطينية.

الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكون إيجابياً في خلافات فتح هو أن تخرج منها جهات أو شخصيات تعيد لفتح أصالتها والتصاقها بالكفاح المسلح، الذي تم إسقاطه في المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الحادية والعشرين في غزة في أبريل/نيسان 1996 بإلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني، وإقرار ما ورد في اتفاق أوسلو.

أما أن تزداد انقساماتها لمصالح شخصية فهذا لا يفرح أحداً من دون شك، ذلك أن هذا الانقسام سيفرز شخصيات متناحرة، وسيدخل العدو والقوى الإقليمية فيما بينها لدعم أحدها مقابل الآخر مقابل تقديم المزيد من التنازلات لمصلحة صفقة القرن. وهذا الأمر يجري في الواقع تحت بند خليفة عباس المحتمل، أو حتى عزله ودعم شخصية أخرى قد تكون قابلة أكثر للتجاوب مع المطالب الإسرائيلية.

دور حماس

وفي المقابل فإن حماس، باعتبارها نداً لفتح، قادت المعارضة والمقاومة، وحاولت أن توازن الموقف السياسي وترفع سويته لمصلحة التمسك بالثوابت الفلسطينية ودعم المقاومة بكل أشكالها للكيان المحتل.

وفي اعتقادي أن استمرار حماس في هذا الدور وتحقيق إنجازات فيه يتطلب اتخاذ مسافة كافية بينها وبين فتح السلطة، واستمرار رفض برنامجها وتبني المقاومة على الأرض مهما تعرضت للبطش من الأجهزة الأمنية، فهي تحمل رسالة سامية تستحق التضحيات الجسام من أجلها.

إن أي شراكة مع هذا البرنامج على أساس اتفاق أوسلو بما في ذلك المشاركة في الانتخابات، تضر بالهدف العام للمقاومة وتمس بالدور الطليعي لها في المعارضة جنباً إلى جنب مع بقية الفصائل.

ذلك أنه كلما غرقت حماس في تفاصيل المشاركة في الانتخابات وقبل أن تنجز توافقاً فلسطينياً على المقاومة، أدى ذلك إلى إضعاف قابليتها للتصدي للانهيار الفلسطيني بقيادة فتح وبرنامج أوسلو، وأصبحت غير قادرة على التأثير فيه.

ومن دون شك إن بقاءها على برنامج المقاومة وتمسكها بالديمقراطية الحقيقية ومحاربة الفساد، سيساهم في رفع سوية التنظيمات الأخرى سياسياً وتنظيمياً، وسيرتقي بالنظام الفلسطيني إلى مراتب أعلى، بعد أن قدمت نماذج بطولية في المقاومة في غزة، وما سبقها قبل وبعد أوسلو من عمليات مقاوِمة في الضفة زلزلت الأرض تحت أقدام الغزاة.

الساحة الفلسطينية بحاجة إلى تجديد برامج القوى الفلسطينية فيها، ليس لترسيخ النهج الحالي وتعميقه، بل لتغيير التوجه السياسي نحو المقاومة، وهو دور قوى المقاومة أصلاً لا يمكن أن يتم بالمشاركة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي